حكم جريمة قتل "عمد"

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم صاحب السمو أمير الكويت

الشيخ/ صباح الأحمد الجابر الصباح

محكمة التمييز

الدائرة الجزائية الأولي

بالجلسة المنعقدة علنا بالمحكمة بتاريخ 10 من شعبان 1435هـ الموافق 8/6/2014م

برئاسة السيد المستشار/ فيصل محمد خريبط وكيل المحكمة
وعضوية السادة المستشارين/ صالح خليفة المريشد وكيل المحكمة ، محمود دسوقي دياب وكيل المحكمة
عبد الرحمن هيكل عادل الحناوي
وحضور الأستاذ/ رامي شومان رئيس النيابة
وحضور السيد/ جراح العنزي أمين سر الجلسة

“صــــــدر الحكـــــــم الآتـــــــي”

في الطعن بالتمييز المرفوع من: عائشة نيمو فيسو.

“ضــــــــــــــــــــد”

النيابة العامة.

ثانيا: المرفوع من النيابة العامة.

“ضــــــــــــــــــــد”

عائشة نيمو فيسو.

ثالثاً: في عرض النيابة العامة للقضية.

والمقيد بالجدول برقم 707 لسنة 2013 جزائي.

 

الوقائع

إتهمت النيابة العامة: عائشة نيمو فيسو (الطاعنة)

لأنها في يوم 17/11/2011 بدائرة مخفر شرطة جابر العلي – بمحافظة الأحمدي قتلت ” …………..”  عمداً مع سبق الإصرار بأن بيتت النية وعقدت العزم على قتلها وأعدت لهذا الغرض ألتين حادتين (سكين، ساطور) وباغتتها أثناء رقادها في مخدعها وعاجلتها بضربة بالسكين في جبهتها ولما قاومتها والت التعدى عليها ونحرتها من مقدم عنقها قاصدة من ذلك إذهاق روحها فأحدثت بها الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها على النحو المبين بالتحقيقات.

وطلبت عقابها بالمواد 149، 150، 151/1 من قانون الجزاء.

وادعي ورثة المجني عليها مدنياً قبل الطاعنة بمبلغ 5001 دينار كويتي على سبيل التعويض المؤقت.

ومحكمة الجنايات قضت حضورياً بتاريخ 26/6/2013.

أولاً: بإعدام المتهمة ( عائشة نيمو فيسو) عما أسند إليها.

ثانيا: بمصادرة السلاح المضبوط.

ثالثاً: بإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة الكلية لنظرها أمام إحدى الدوائر المدنية المختصة.

 

رابعاً:- …………………

استأنفت المحكوم عليها ( الطاعنة) هذا الحكم، ومحكمة الاستئناف قضت بتاريخ 9/10/2013 بقبول استئناف المتهمة شكلاً، وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المستأنف.

فطعنت الطاعنة والنيابة العامة في هذا الحكم بطريق التمييز. كما عرضت النيابة العامة القضية على محكمة التمييز مشفوعة بمذكرة بالرأي انتهت فيها إلى طلب إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليها    ( الطاعنة).

“المحكمـــــــــــــة”

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

أولاً: بالنسبة للطعن المرفوع من النيابة العامة:

من حيث إنه من المقرر أن التقرير بالطعن بالتمييز هو مناط إتصال المحكمة به وأن تقديم الأسباب التي بني عليها الطعن في الميعاد الذي حدده القانون هو شرط لقبوله، وأن التقرير بالطعن وتقديم أسبابه يكونان معاً وحدة إجرائية واحدة لا يغني أحدهما عن الآخر، وكانت النيابة العامة وإن قررت بالطعن في الميعاد إلا أنها لم تقدم أسباباً لطعنها، فإن الطعن المرفوع منها يكون غير مقبول شكلاً.

ثانياً: بالنسبة للطعن المرفوع من المحكوم عليها ( عائشة نيمو فيسو):

من حيث إن الطعن قد استوفي الشكل المقرر في القانون.

ومن حيث إن الطاعنة تنعي على الحكم المطعون فيه إنه إذ دانها بجريمة القتل العمد مع سبق الإصرار قد شابه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع، ذلك أنه دانها دون أن يدلل تدليلاً سائغاً على توافر نية القتل وسبق الإصرار مطرحه دفاعها بعدم توافرهما في حقها إذ أن الواقعة لا تعدو في حقيقتها ضرباً أفضى إلى الموت حدثت تحت تأثير حالة الطاعنة النفسية وما انتابها من غضب بسبب سوء معاملة والدة المجني عليها لها وعقدت العزم على الانتحار بقتل نفسها وأثناء صعودها إلى سطح المنزل حاملة للأدوات التي ستستعملها في الانتحار شاهدت المجني عليها راقدة في مخدعها بغرفة نومها فاتجهت إليها لضربها تنفيثاً عن غضبها وقامت بطعنها في جبهتها ثم تشابكا مما أدى إلى حدوث اصابتها ودفعها للتخلص من المجني عليها بنحرها، هذا إلى أن ما قرره شهود الإثبات الذين عولت المحكمة على أقوالهم بالتحقيقات عن توافر نية القتل وسبق الإصرار لدى الطاعنة مجرد استنتاجات لا دليل عليها وتجافي العقل والمنطق مما كان لازمه أن تعيد المحكمة تحقيق الدعوى بمعرفتها، كما أن ما قرره ضابط الواقعة من ضبط الطاعنة بمطار الكويت الدولي أثناء محاولتها السفر جاء قولاً مرسلاً لا دليل عليه حيث لم يضبط معها جواز سفرها ولم يقدمه ضابط الواقعة إلى النيابة العامة تأييداً لاقواله أو يسأله المحقق عنه كما أن ما أورده الضابط بتحرياته من إعتراف الطاعنة له بذلك ينافي الحقيقة وذلك لعدم المامها باللغة العربية وعدم إجادة الضابط للغتها، وضربت المحكمة صفحاً عن طلب الطاعنة سماع أقوال ضابط الواقعة ووالدة المجني عليها ورئيس مجلس إدارة المركز الاسلامي في حضور شقيق المجني عليها، وأخيراً فقد تمسكت الطاعنة بإنعدام مسئوليتها الجزائية عن الجريمة لعدم قدرتها على توجية إرادتها أو التحكم في سلوكها عندما يتملكها الغضب وأنها كانت تعاني من إضطراب الشخصية العدواني وقت إرتكاب الجريمة ولم تستجب محكمة الموضوع بدرجتيها إلى طلب عرضها على مستشفي الطب النفسي لبيان مدى مسؤليتها عن أفعالها وقت ارتكاب الجريمة، كل أولئك يعيب الحكم المطعون فيه ويستوجب تمييزه.

ومن حيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن أفصح عن أخذه بأسباب الحكم المستأنف حصل واقعة الدعوى في قوله ” بأنه في الوقت الذى كانت تتهيأ فيه المجني عليها وتتأهب لعقد قرانها ثم لعُرسها ممنية نفسها بعمر مديد ومستقبل يحدوه الحب والسعادة ويملأ قلبها وعقلها التفكير والتدبر في أمور حياتها المنتظره، إذ بشخص أخر يشاركها الإقامة في المسكن والمأكل يتهيأ ويتأهب ويفكر ويدبر ويعد العدة لإجهاض هذا المستقبل قبل أن يبزغ وليسلب من المجني عليها حياتها ويجعل زفافها إلى مثواها الأخير. ذلك أن المتهمة/ عائشة نيمو فيسو قدمت من بلدها أثيوبيا للعمل في مهنة خادمة بدولة الكويت ولسؤ طالع المجني عليها قد اختارت أسرتها هذه الخادمة دون غيرها لتعمل في مسكنهم وذلك قبل الحادث بحوالي ثلاثة أشهر ونظراً لحداثة عهدها بهذا العمل وعدم تدربها عليه وبالتالي عدم إجادتها إياه فقد كانت تقسو عليها ربة المنزل ” ………. ” والدة المجني عليها وتغلظ لها القول، وقد ملأ ذلك قلب المتهمة غيظاً وأسرت في نفسها الانتقام من هذه الأسرة، وفي يوم الحادث وبعد خروج والدة المجني عليها لبعض شأنها واستغراق شقيقها ” ………….. ” في سبات عميق بعد أن أوصد عليه باب غرفته الواقعة في الطابق الأرضى وقد خلا المسكن إلا من المتهمة والمجني عليها التي كانت تنام بغرفتها الكائنة بالطابق الاول وعندما وجدت المتهمة بأن الفرصة سانحة لشفاء غليلها وتحقيق فكرة الانتقام التي ملأت عليها نفسها استلت سكيناً وساطوراً من أدوات المطبخ وصعدت درجات السلم قاصدة حجرة المجني عليها والتي وجدتها مستلقية على ظهرها في فراشها فعاجلتها بطعنها بالسكين التي معها في جبهتها ووالت التعدي عليها، وتضاربتا حتى خارت قوى المجني عليها فجسمت فوقها ونحرتها بالساطور الذى كانت تحمله حتى فارقت الحياة فقامت بالصعود إلى السطح وإخفاء آلتي الاعتداء في المكان الذي تم العثور عليها فيه وتركت المنزل وفرت هاربة إلى أن تم ضبطها بعد الحادث بمطار الكويت وعند عودة والدة المجني عليها إلى المنزل بعد الحادث اكتشفت الواقعة وقد استيقظ إبنها النائم على استغاثتها وصراخها وقام بإبلاغ المخفر. هذا وقد اعترفت المتهمة بتحقيقات النيابة العامة بمضمون ما سبق إيراده.

وساق الحكم على ثبوت الواقعة لديه- على هذه الصورة – في حق الطاعنة أدلة استمدها من أقوال والدة المجني عليها وشقيقها وضابط الواقعة، ومعاينة النيابة العامة لمسرح الحادث، وإقرار الطاعنة بالتحقيقات وتمثيلها لكيفية ارتكاب الجريمة، وما ثبت من تقريري الطب الشرعي للمجني عليها والطاعنة، وتقرير قسم الاستعراف الجنائي بالإدارة العامة للأدلة الجنائية، وتقرير الطب النفسي الشرعي الخاص بالطاعنة.

لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت توافر كل من نية القتل وظرف سبق الإصرار في حق الطاعنة، ورد على دفاعها بانتفائهما في حقها وأن الواقعة في حقيقتها ضرب أفضى إلى الموت وما ساقته من شواهد تدليلاً على ذلك في قوله ” إن البين من أوراق الدعوى وما سطرته المحكمة في بيانها لواقعة الدعوى وظروفها مما استخلصته من اعتراف المتهمة بتحقيقات النيابة العامة ومن باقي أدلة الإثبات التي تطمئن إليها أن المتهمة إذ حضرت من بلدها الأجنبي الأفريقي وهى دولة أثيوبيا إلى دولة الكويت قبل وقت قريب من الحادث ولما لم تجد عملاً ، عملت خادمة بمنزل أسرة المجني عليها ونظراً لعدم درايتها على أعمال الخدمة المنزلية وعدم إجادتها لها فقد كانت ربة المنزل ” ……… ” والدة المجني عليها تسئ معاملتها وتبسط لها يدها ولسانها بالسوء وتمنع عنها راتبها، وقد ضاقت المتهمة ذرعاً من تلك المعاملة فامتلأ قلبها غلاً وكرهاً لها ولأسرتها ولما كان مثلها لا يستطيع الحديث عما بداخله أو الإفصاح عنه فقد أضمرت في نفسها ما هو شر في ذلك ألا وهو الانتقام من تلك الأسرة فوجدت ضالتها في المجني عليها القريبة منها سناً فصممت على قتلها وما أن واتتها الفرصة وهو خلو المنزل إلا منها والمجني عليها فقد استلت – آلتين حادتين – سكين وساطور- من أدوات المطبخ وقصدت حجرة المجني عليها الكائنة بالدور الأول من المنزل ودلفت داخلها وعاجلت المجني عليها بضربة من السكين على وجهها حال رقودها على السرير مغمضة العينين ثم والت عليها الضربات وعندما استفاقت المجني عليها تضاريت مع المتهمة دفاعاً عن نفسها إلا أن المتهمة تغلبت عليها وطرحتها أرضاً وجسمت فوقها ونحرتها في رقبتها كما تنحر الشاة ولم تتركها حتى فارقت الحياة وهو ما كان سبباً في وفاتها، وهو ما يكشف بجلاء لا يخالجه شك عن توافر نية القتل وكذا سبق الإصرار على ذلك لدى المتهمة….، ومن ثم يضحى دفاع المتهمة بعدم توافر نية القتل أو سبق الإصرار لديها وأن الواقعة مجرد ضرب أفضى إلى الموت، مجرد منازعة في الصورة التي وقرت في يقين المحكمة واقتنعت بها”.

لما كان ذلك، وكان قضاء هذه المحكمة – محكمة التمييز – قد استقر على أن قصد القتل آمر خفي لا يدرك بالحس الظاهر وإنما يدرك بالظروف المحيطة بالواقعة والإمارات والمظاهر الخارجية التي يأتيها الجاني وتنم عما يضمره في نفسه، ومن ثم فإن استخلاص هذه النية من عناصر الواقعة المطروحة على محكمة الموضوع موكول لها – في حدود سلطتها التقديرية. وكان سبق الإصرار هو حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني ويستفاد من الواقع والظروف التي يستخلص منها توافره، ويتحقق بإعداد وسيلة الجريمة ورسم خطة تنفيذها بعيداً عن ثورة الانفعال، مما يقتضي الهدوء والروية قبل إرتكابها والبحث في وجود سبق الإصرار أو عدم وجوده من إطلاقات قاضي الموضوع يستنتجه من ظروف الدعوى وعناصرها، مادام موجب تلك الظروف وهذه العناصر لا يتنافى مع هذا الاستنتاج. وكان ما ساقه الحكم المطعون فيه – فيما تقدم- يسوغ به الاستدلال على توافر نية القتل في حق الطاعنة، وما استنبطه من قيام ظرف سبق الإصرار لديها- ويجزئ – في الوقت ذاته- في إطراح دفاعها بانتفائها، وما ساقته من شواهد للتدليل على ذلك. هذا إلى أنه من المقرر أن حالات الإثارة والاستفزاز أو الغضب- عند توافرها- لا تنفي نية القتل، كما أنه لا تناقض بين قيام هذه النية لدى الجاني وكونه ارتكب فعله تحت تأثير أي من هذه الحالات كما أن الباعث على الجريمة ليس ركناً من أركانها أو عنصراً من عناصرها – فإن ما تنعاه الطاعنة في صدد كل ما تقدم ، يكون غير مقترن بالصواب.

هذا فضلاً عن أن عقوبة الإعدام المحكوم بها على الطاعنة هى عقوبة مقررة لجريمة القتل العمد ولو لم تقترن بظرف سبق الإصرار وفق ما تنص عليه المادة 149 من قانون الجزاء، فإن ما تثيره الطاعنة، في خصوص ظرف سبق الإصرار يكون فضلاً عن أنه غير سديد، غير مجد.

لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد خلص – صائباً – وعلى نحو ما سلف إلى توافر جناية القتل العمد مع سبق الإصرار بكافة عناصرها – كما هي معرفة به في القانون – في حق الطاعنة – فإن ما ذهبت إليه من أن الواقعة لا تشكل سوي جريمة الضرب المفضى إلى الموت، لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للواقعة، وفي سلامة ما استخلصته من أوراق الدعوى وأدلتها، مما لا تقبل إثارته أمام محكمة التمييز، ويكون منعاها في ذلك غير مقبول.

لما كان ذلك، وكان من المقرر أن العبرة في المحاكمات الجزائية هي بإقتناع محكمة الموضوع بناءً على الأدلة المطروحة عليها بإدانة المتهم أو ببراءته وأن لها أن تركن في تكوين عقيدتها إلى ما تطمئن إليه من أدلة وعناصر الدعوى، وأن تأخذ من أي بينه أو قرينة ترتاح إليها دليلاً لحكمها، وكان من المقرر أيضاً – أن من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدى إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها في صور أخري مادام استخلاصها سائغاً مستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها الثابت في الأوراق، وكان وزن أقوال الشهود وتقديرها وتعويل القضاء عليها مهما وجه إليها من مطاعن وحام حولها من شبهات مرجعه إلى محكمة الموضوع بغير معقب، وأنها متى أخذت بأقوال شهود الإثبات فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها ولما كانت المحكمة – في حدود سلطتها التقديرية لأدلة الدعوى قد اطمأنت إلى حصول الواقعة على الصورة التي رواها شهود الإثبات والتي تأيدت باعتراف الطاعنة بتحقيقات النيابة العامة، فإن ما تثيره الأخيرة بشأن صورة الواقعة وكيفية حدوثها والأدلة عليها، لا يعدو أن يكون مجادلة في تقدير محكمة الموضوع للأدلة التي كونت منها معتقدها في الدعوى مما لا يجوز الخوض فيه أمام هذه المحكمة، ولا يقدح في استدلال الحكم تعويله على التحقيقات السابقة على المحكمة إذ أن المستفاد من الجمع بين المواد 150، 151، 152 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أن المشرع خًوَل المحاكم الجزائية – إن لم تر لزوماً لتحقيق الدعوى بنفسها – أن تعتمد على التحقيقات السابقة على المحاكمة طالما اقتنعت بها ومن ثم فليس في القانون ما يلزم المحكمة بإجراء مثل هذا التحقيق – كما هو الحال في الدعوى – ومن ثم فإن ما تثيره الطاعنة فيما تقدم جميعه يكون غير سديد.

لما كان ذلك، وكان البين من أقوال الطاعنة بالتحقيقات أنها أقرت بضبطها بالمطار بمعرفة الشرطة وهو ما يتفق مع أقوال ضابط الواقعة عن مكان ضبطها، وكان ما تثيره الطاعنة بشأن قصور تحقيقات النيابة العامة لعدم سؤال ضابط الواقعة عن جواز سفر الطاعنة التي كانت تنوى استخدامه للسفر خارج البلاد والذي لم تعول عليه المحكمة في الإدانة ولا يعدو أن يكون تعييباً للإجراءات السابقة على المحاكمة مما لا يصح أن يكون سبباً للطعن على الحكم، ومن ثم فهو غير مقبول.

لما كان ذلك، وكان الثابت من مدونات الحكم المطعون فيه أنه لم يتساند في قضائه إلى تحريات المباحث ولا تعدو العبارات التي نقلها الحكم عن ضابط المباحث في هذا الخصوص أن تكون جزءاً من شهادته التي أوردتها المحكمة بعد أن أفصحت عن الإطمئنان اليها ولا تنهض التحريات بذاتها دليلاً مستقلاً ولم يعول عليها الحكم بهذا الحسبان، ومن ثم فإن ما تنعاه الطاعنة بشأن إعترافها لضابط المباحث الذي أثبته بمحضر التحريات لا يكون سديداً.

لما كان ذلك، وكان الطلب الذي تلتزم محكمة الموضوع بإجابته أو الرد عليه، وهو الطلب الجازم الذي يقرع سمع المحكمة، ويصر عليه مقدمة ولا ينفك عن التمسك به والإصرار عليه في طلباته الختامية، وكان المدافع عن الطاعنة ولئن قدم أمام المحكمة الاستئنافية مذكرة – معدة سلفاً – طلب فيها سماع أقوال من أشار اليهم بوجه نعيه، إلا أن الثابت بمحضر جلسة المحاكمة الاستئنافية التي حجزت فيها الدعوى للحكم أن المدافع عن الطاعنة لم يتمسك بهذا الطلب في طلباته الختامية، بما لا يكون معه هذا الطلب – وعلى نحو ما سبق – طلباً جازماً، ولما كانت المحكمة الاستئنافية إنما تحكم في الدعوى على مقتضي الأوراق ولا تلتزم – بحسب الأصل – بإجراء تحقيق فيها، وقد ترك المشرع أمر سماع الشهود جوازياً لها – حسبما تتكشفه من الأوراق، وما ترى هى من جانبها لزوما له-، فإنه لا يحق للطاعنة النعي على الحكم بالإخلال بحق الدفاع، مادامت قد أمسكت – في طلباتها الختامية – عن إبداء الطلب المتقدم أمام محكمة ثاني درجة ولم تر هي من جانبها حاجة إليه للفصل في الدعوى، هذا إلى أن الثابت من محاضر جلسات المحاكمة أمام محكمة أول درجة أنها استمعت لأقوال ضابط المباحث ” عبدالله دالي الخمسان” وفؤاد سيد عبدالرحمن” رئيس مجلس إدارة المركز الاسلامي، وذلك بناءً على طلب الطاعنة، ومن ثم فإن منعاها على الحكم في هذا الصدد يكون في غير محله.

لما كان ذلك , وكان من المقرر أن تقدير حالة المتهم العقلية من الامور الموضوعية التي تستقل محكمة الموضوع بالفصل فيها ما دامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة , وكان المرض العقلي الذي تنعدم به المسئولية الجزائية قانوناً , وعلى ما تقضى به الفقرة الاولى من المادة 22 من قانون الجزاء , وهو ذلك المرض الذي من شأنه أن يعدم الإرادة والادراك ,اما سائر الأحوال النفسية التي لا تفقد الشخص إرادته وإدراكه , فلا تعد سببا لانعدام المسئولية , وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفاع الطاعنة بانعدام مسئوليتها الجزائية وقت ارتكاب الجريمة واطرحه استنادا الي ما تضمنه تقرير الطب النفسي رقم 22 ت لسنة 213 والذي أعد بمعرفة لجنة ثلاثية من الاطباء النفسيين بناء على ندب محكمة أول درجة استجابة لطلب الطاعنة – خلافاً لما تدعيه بوجه النعي – والذي أثبت ( أنه وإن كان لدى المتهمة اضطراب الشخصية العدوانية إلا أنه لا يوجد دليل على اصابتها باضطراب عقلي أو ما يؤثر على حكمها على الأمور وتوجيه إرادتها وأنها مسئولة من الوجهة العقلية عن أفعالها في فترة الحادث) واطرح بذلك ما تثيره من دفاع بانتفاء مسئوليتها الجزائية , فإن الحكم – على السياق المتقدم – يكون قد دلل بما يسوغ على مسئولية الطاعنة عن الجريمة التي أدينت بها مستنداً في ذلك الي الدليل الفني , ولا يعيب الحكم المطعون فيه – من بعد – التفات المحكمة الاستئنافية عن طلب الطاعنة المبدى أمامها بعرضها على مستشفى الطب النفسي لما هو مقرر أن المحكمة غير ملزمة بندب خبير أخر في الدعوى ما دام أن الواقعة قد وضحت لديها لوم ترهى من جانبها ضرورة لاتخاذ هذا الاجراء , واذ كان الحكم قد أفصح عن اطمئنان المحكمة الي ما انتهى اليه تقرير الطب النفسي الذي عولت عليه في توافر المسئولية الجزائية للطاعنة عن الجريمة , فإن ما تنعاه في هذا الخصوص لا يعدو أن يكون تشكيكاً في الادلة التي اطمأنت اليها المحكمة واخذت بها واستنبطت منها معتقدها في الدعوى بما ينحل الي حدل موضوعي حول تقدير محكمة الموضوع لأدلة الدعوى وفي وزن عناصرها ومصادرة لها في عقيدتها وهو ما لا يجوز التحدي به أمام محكمة التمييز.

لما كان ما تقدم فإن الطعن المرفوع من الطاعنة يكون على غير اساس متعيناً رفضه موضوعاً .

ثالثاً : عن عرض النيابة العامة للقضية:

من حيث ان النيابة العامة التزاما بحكم المادة 14 من القانون رقم 40 لسنة 1972 بشأن حالات الطعن بالتمييز واجراءاته – قد عرضت القضية على هذه المحكمة في الميعاد المحدد قانوناً , مشفوعة بمذكرة رأت فيها إقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليها – عائشة نيمو فيسو – ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية-

وحيث إن الثابت من محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية ومن مسودة الحكم المطعون فيه التي تشتمل على أسبابه ومنطوقه أن المسودة موقع عليها من المستشار – ابراهيم العبيد رئيس الدائرة وعضوية المستشارين على حسين نصر , حسين على مسعود المشكلة منهم الهيئة التي سمعت المرافعة – وهو أمر لم تنازع فيه الطاعنة ويتفق مع ما تقضي به المادة 176 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية , وهي الهيئة التي اثبت تشكيلها بنهاية الحكم المعروض بأنها هي التي سمعت المرافعة واشتركت في المداولة ووقعت على مسودته , ومن ثم فإنه لا يعيب الحكم أن يكون عضو يمين الدائرة المستشار على حسن نصر لم يحضر النطق به وناب عنه المستشار محمد محمود رفعت بحيث صارت الهيئة التي نطقت بالحكم مشكلة من المستشار إبراهيم العبيد رئيساً لها وعضوية المستشارين حسين على مسعود , محمد محمود رفعت , وهو ما يتفق مع نص المادة سالفة البيان والذي يدل في صريح عبارته على أنه إذ طرأ عذر حال بين أحد قضاء الهيئة التي سمعت المرافعة والاشتراك في اصدار الحكم وبين الحضور بجلسة النطق به , فإنه يكفي بأن يكون هذا القاضي قد وقع على مسودة الحكم قبل النطق به , ومن ثم فإن الحكم المعروض يكون بمنأي عن قالة البطلان.

ومن حيث إن الحكم المعروض قد حصل واقعة الدعوى على النحو الذي استعرضته هذه المحكمة عند الرد على اسباب طعن المحكوم عليها بما تتوافر به كافة العناصر القانونية للجريمة التي دانت المحكوم عليها بها , وأورد على ثبوتها في حقها أدلة أورد مؤداها في تفصيل واف , وبين وجه استدلاله بها على ثبوت هذه الجرائم في حق المحكوم عليها وهي أدلة سائغة وصحيحة ولها أصلها في الأوراق , وقد عرض الحكم لقصد القتل وظرف سبق الإصرار واستظهر توافرها في حق المحكوم عليها بما ساقه من الأدلة التي اطمأنت إليها المحكمة على النحو المار بيانه.

لما كان ذلك , وكان من المقرر أن الاعتراف في المسائل الجزائية عنصراً من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات , فلها السلطة المطلقة في الأخذ بأقوال المتهم في حق نفسه في أية مرحلة من مراحل الاستدلال أو التحقيق أو المحاكمة – وإن عدل عنها بعد ذلك متى اطمأنت المحكمة الي صدقها ومطابقتها للحقيقة والواقع , وكان من المقرر – أيضاً – أنه لا يؤثر في سلامة الاعتراف الخشية من سطوة الشرطة , لما هو مقرر من أن سلطان الوظيفة – في ذاته بما يسبغه على صاحبه من اختصاصات وامكانيات لا يعد قرين الإكراه المبطل للاعتراف لا معنى ولا حكما ما دام هذا السلطان لم يستطل إلي المتهم بالأذى مادياً ومعنوياً ( كما أن مجرد الخشية لا يعد قرين الإكراه المبطل للاعتراف لا معني ولا حكماً ) وأن الخوف أو الارتباك بمجرده لا يعتبر أيهما سببا لبطلان الاعتراف , واذ كانت المحكمة الاستئنافية – في حدود سلطتها التقديرية لأدلة الدعوى- قد أطمأنت الي ان اعتراف المحكوم عليها بتحقيقات النيابة العامة الذي جاء تفصيلياً ومطابقاً للحقيقة والواقع ودون ذكر منها لتعرضها لثمة إكراه مادي أو معنوي اثناء التحقيق معها , وكان هذا الذي أورده الحكم رداً على دفاع المحكوم عليها في هذا الخصوص كافياً في اطراحه خاصة وأن اعترافها جاء مطابقاً للأدلة التي عول عليها الحكم في قضاءه لا سيما تقرير الصفة التشريحية لجثة المجني عليها , فإن هذا حسبه لإطراح ما أثارته المحكوم عليها في هذا الخصوص.

لما كان ذلك , وكان من المقرر أن حضور المحامي أثناء الاستجواب هو من شأن المتهم , ولا يلتزم المحقق دعوة محامي المتهم إذا لم يعين محامياً , وكان البين من محاضر تحقيق النيابة العامة التي تم فيها استجواب المحكوم عليها أنها لم تخطر وكيل النيابة المحقق بتعيين محام لها , كما لم تطلب تأجيل الاستجواب لحين حضور محاميها على النحو الذي انتظمته نص المادة 98 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية , ومن ثم فإن اجراءات التحقيق تكون قد برأت من قالة البطلان.

لما كان ذلك , وكان الثابت أن محكمتي أول وثاني درجة استعانتا بمترجم أثناء محاكمة المحكوم عليها وكذا النيابة العامة عن استجوابها لها – نظرا لعدم المامها بالغة العربية – ومن ثم فإن الحكم المعروض يكون قد التزم صحيح القانون في هذا الشأن.

لما كان ذلك , وكانت المادة 120 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية قد أوجبت على المحكمة أن تندب من المحامين من يقوم بالدفاع عن المتهم في جناية إذ لم يوكل هو أحد , وكان الثابت بمحاضر جلسات المحاكمة بدرجتيها أن محاميين حضرا مع المحكوم عليها أحدهما موكل عنها والثاني منتدب من قبل المحكمة لعدم حضور الأول معها جلسات المرافعة الأولى , حيث ترافع كل منهما عن المحكوم عليها شفاهه مبدياً دفاعه وقدما مذكرات مكتوبة تضمنت أوجه الدفاع والدفوع , ومن ثم فإن اجراءات المحاكمة في هذا الخصوص تكون قد تمت صحيحة وفقاً للقانون.

لما كان ذلك , وكانت إجراءات المحاكمة قد تمت صحيحة كما يتطلبها القانون وجاء الحكم المعروض بريئاً من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله , وصدر من محكمة مشكلة وفقاً للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى , ولم يصدر بعده قانون يسرى على واقعة الدعوى يصح أن تستفيد منه المحكوم عليها على نحو ما نصت عليه المادة 15 من قانون الجزاء , ومن ثم يتعين قبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصارد بإعدام المحكوم عليها ( عائشة نيمو فيسو)

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة :

أولا : بعدم قبول طعن النيابة العامة شكلاً.

ثانياً : بقبول طعن المحكوم عليها شكلاً وفي الموضوع برفضه.

ثالثاً : بقبول عرض النيابة العامة للقضية وإقرار الحكم الصادر بإعدام المحكوم عليها (عائشة نيمو فيسو)

أمين سر الجلسة

وكيل المحكمة

خالد

973 عدد المشاهدات
error: عذرا, المحتوى محمي و لا يجوز النسخ