تم التحديث ساعتين ago عن طريق ahmad
جرائم التستر التجاري وفق المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 الكويتي
طبيعتها القانونية وأثرها على الدعوى الجزائية
يُعد التستر التجاري من أخطر الظواهر الاقتصادية التي تهدد الاستقرار المالي والتجاري للدول، فهو يشكل خرقاً صريحاً للقوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي، ويخلق بيئة غير متكافئة بين المستثمرين، ويفتح الباب أمام تهريب الأموال وغسلها، كما يؤثر سلباً على الإيرادات الضريبية والجمركية للدولة، لذلك فقد أولت دولة الكويت هذا الموضوع أهمية بالغة، وقام المشرع الكويتي بإصدار المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 بشأن مكافحة التستر التجاري، ليكون أداة تشريعية رادعة وحازمة في مواجهة هذه الآفة الاقتصادية.
ويتناول هذا المقال بالتحليل والدراسة جرائم التستر التجاري في ضوء المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 الكويتي، من حيث طبيعتها القانونية وأثرها على الدعوى الجزائية، وذلك من خلال استعراض النصوص القانونية وتحليلها، والوقوف عند العقوبات والتدابير التي فرضها المشرع، مع الإشارة إلى الأحكام الإجرائية والموضوعية التي تضمنها القانون، وإبراز الآثار المترتبة على ارتكاب هذه الجرائم في مراحل الدعوى الجزائية المختلفة.
أولا: أهمية دراسة جرائم التستر التجاري في ضوء المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026
تكتسي دراسة جرائم التستر التجاري في ضوء المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 الكويتي أهمية بالغة على عدة مستويات، تتشابك فيها الاعتبارات القانونية والاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل هذه الدراسة محوراً أساسياً لفهم التحولات التشريعية الكبرى التي تشهدها دولة الكويت في مجال تنظيم النشاط الاقتصادي.
الأهمية الاقتصادية
تمثل الأنشطة الاقتصادية الركائز الأساسية لنهضة الدولة واستقرارها، ولا بد أن تمارس في إطار منظم يلتزم بأحكام القانون والتشريعات ذات الصلة بما يحقق التنمية الاقتصادية المستدامة ويحمي النظام العام والمصلحة العامة. وقد لوحظ خلال السنوات الماضية قيام بعض الأشخاص المحظور عليهم مزاولة الأنشطة الاقتصادية بممارسة تلك الأنشطة دون الحصول على التراخيص اللازمة، الأمر الذي أدى إلى نشوء حالة من الفوضى والخلل في استقرار السوق ونظامه.
وتتجلى الأهمية الاقتصادية لدراسة هذه الجرائم في النقاط التالية:
أولاً: حماية الإيرادات الوطنية. تؤدي جرائم التستر التجاري إلى حرمان خزانة الدولة من عوائد حقيقية كانت ستحصل عليها لو تمت الممارسة بشكل قانوني، إذ يتم التهرب من الالتزامات الضريبية والجمركية والرسوم المقررة، مما يضعف قدرة الدولة على تمويل مشاريعها التنموية والخدمية.
ثانياً: تحقيق تكافؤ الفرص بين المستثمرين. يسهم التصدي للتستر التجاري في حماية المستثمرين الملتزمين، والحد من المنافسة غير العادلة، وتحسين دقة البيانات الاقتصادية، فضلاً عن فتح المجال أمام رواد الأعمال والمشروعات الوطنية للمنافسة في بيئة أكثر عدالة. فالممارسات غير المشروعة في مجال التستر التجاري تحرم أصحاب الاستحقاق من فرصهم، بل وتتجاوز أثر ذلك إلى إضعاف الرغبة في دخول السوق لدى من يرى أن المنافسة فيه محسومة سلفاً لغير الملتزم، وهو ما ينعكس سلباً على تجدد النشاط الاقتصادي وتنوعه.
ثالثاً: الحد من اقتصاد الظل. يشكل التستر التجاري أحد أهم مكونات اقتصاد الظل، حيث تمارس أنشطة اقتصادية خارج الأطر النظامية بعيداً عن رقابة الدولة، مما يحرم الاقتصاد الوطني من الشفافية اللازمة ويُضعف قدرة الدولة على التخطيط الاقتصادي السليم.
الأهمية القانونية
تُعد جرائم التستر التجاري من الجرائم الاقتصادية التي تمس النظام العام للدولة، وقد نقلها المشرع الكويتي من نطاق البطلان التجاري إلى جريمة جنائية بعقوبات مشددة. وتبرز أهميتها القانونية في النقاط الآتية:
أولاً: سد ثغرة تشريعية. يعالج المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 واحدة من أبرز الثغرات التي سمحت على مدى سنوات بممارسة أنشطة اقتصادية خارج الأطر النظامية، حيث كان التعامل مع التستر التجاري في السابق يقتصر على البطلان المدني دون مساءلة جنائية رادعة.
ثانياً: وضع إطار تشريعي متكامل. أنشأ المرسوم بقانون إطاراً تشريعياً متكاملاً للتصدي لظاهرة التستر التجاري، من خلال حظر تمكين أي شخص من ممارسة نشاط اقتصادي لحساب الغير أو خارج نطاق الترخيص الممنوح له، وتحديد أركان الجريمة وعناصرها بدقة، وتقرير عقوبات رادعة، وتنظيم الأحكام الإجرائية المتعلقة بالضبط والتحقيق والمحاكمة.
ثالثاً: إرساء مبدأ الإفصاح عن المستفيد الفعلي. تستند فلسفة المرسوم بقانون إلى ترسيخ مبدأ الإفصاح عن المستفيد الفعلي من النشاط التجاري، مما يحقق تكافؤ الفرص ويحمي الملتزم بأحكام القانون من الممارسات غير المشروعة.
رابعاً: تعزيز الثقة في المنظومة القضائية. إن وجود تشريع واضح وشامل لمواجهة التستر التجاري يعزز ثقة المستثمرين والمواطنين في المنظومة القضائية والقانونية، ويؤكد جدية الدولة في تطبيق القانون على الجميع دون تمييز.
الأهمية الاجتماعية
تمتد آثار جرائم التستر التجاري إلى الجانب الاجتماعي، حيث تسهم هذه الجرائم في خلق بيئة غير عادلة تثبط همة الشباب والمواطنين الملتزمين، وتحرمهم من فرص العمل والاستثمار المشروعة. وقد أكد وزير التجارة والصناعة أن المستفيد الأول من هذا التشريع هو كل ملتزم تحمل كلفة التزامه، وأن أثره لا يقتصر على ممارسي النشاط الاقتصادي وحدهم، فالسوق الذي يُعرف فيه صاحب النشاط الحقيقي سوق أكثر عدالة للجميع.. للشاب والشابة الباحثين عن فرصة مشروع وللمجتمع الذي تصل موارده ومزاياه إلى غاياتها المقصودة.
كما أن وضوح هوية صاحب النشاط هو الأساس الذي تقوم عليه الثقة في التعامل، وهو ما يجعل اقتضاء الحقوق ومعالجة الشكاوى وضمان المنتجات والخدمات أمراً ميسوراً ومستقراً، بينما يؤدي غياب هذا الوضوح إلى إرباك المستهلك وإطالة أمد معالجة حقوقه المشروعة.
الأهمية الدولية
لا تقتصر أهمية دراسة جرائم التستر التجاري على المستوى الوطني فحسب، بل تمتد إلى المستوى الدولي، حيث أن مكافحة هذه الجرائم تسهم في تحسين صورة الدولة لدى المؤسسات المالية الدولية، وتقلل من الملاحظات التي تثيرها هذه المؤسسات بشأن شفافية البيئة الاقتصادية. كما أن محاربة التستر التجاري ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهما مجالان يحظيان باهتمام دولي متزايد.
ثانياً: أهداف دراسة جرائم التستر التجاري في ضوء المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026
تتعدد الأهداف التي تسعى دراسة جرائم التستر التجاري إلى تحقيقها، وتتنوع بين الأهداف العلمية المعرفية والأهداف العملية التطبيقية، ويمكن إجمالها على النحو التالي:
الأهداف العلمية والمعرفية
الهدف الأول: تحليل النصوص القانونية وفهم مضامينها. تسعى هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للنصوص القانونية الواردة في المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026، من خلال استعراض التعريفات القانونية للمفاهيم الأساسية كالتستر التجاري والنشاط الاقتصادي، وبيان نطاق تطبيق القانون والأشخاص المخاطبين بأحكامه، وتحليل أركان جريمة التستر التجاري الركن القانوني والمادي والمعنوي، مما يسهم في فهم دقيق لمضمون النصوص وتفسيرها تفسيراً سليماً.
الهدف الثاني: تحديد الطبيعة القانونية لجرائم التستر التجاري. تهدف الدراسة إلى تحديد الطبيعة القانونية لجرائم التستر التجاري، وبيان أنها تندرج ضمن طائفة الجرائم الاقتصادية التي تمثل اعتداءً على النظام الاقتصادي للدولة، وأنها من الجرائم المخالفة للقوانين التي تنظم النشاط الاقتصادي، والتي لا تتطلب ضرورة تحقق ضرر مادي محدد، بل يكفي لقيامها مجرد مخالفة النظام المقرر.
الهدف الثالث: استقراء صور وأشكال التستر التجاري. تسعى الدراسة إلى حصر وتحليل الصور والأشكال المختلفة التي يتخذها التستر التجاري، سواء كان مباشراً أو غير مباشر، أو بالشراكة، أو باستخدام الترخيص أو السجل التجاري، وذلك لتوفير تصور شامل لكافة الأساليب الإجرامية التي يمكن أن يستخدمها مرتكبو هذه الجرائم.
الهدف الرابع: دراسة الأحكام الإجرائية المنظمة للدعوى الجزائية. تهدف الدراسة إلى استعراض الأحكام الإجرائية التي تحكم جرائم التستر التجاري، من حيث صفة الضبطية القضائية لموظفي الوزارة، والالتزام بتقديم التسهيلات، ونظام التصالح، وآليات تحريك الدعوى الجزائية وسيرها، مما يسهم في فهم الإجراءات العملية لمكافحة هذه الجرائم.
الأهداف العملية والتطبيقية
الهدف الأول: توعية المجتمع بأخطار التستر التجاري. تسهم الدراسة في توعية أفراد المجتمع والمستثمرين ورجال الأعمال بخطورة ظاهرة التستر التجاري وآثارها السلبية على الاقتصاد الوطني والمنافسة العادلة، مما يعزز الوعي القانوني ويشجع على الامتثال لأحكام القانون.
الهدف الثاني: توجيه القائمين على تطبيق القانون. تقدم الدراسة تحليلاً قانونياً يمكن أن يستفيد منه القضاة وأعضاء النيابة العامة وموظفو الضبطية القضائية في تطبيق أحكام المرسوم بقانون، من خلال توضيح أركان الجريمة وعناصرها، والتمييز بين صور التستر المختلفة، وتحديد العقوبات والتدابير الواجبة التطبيق في كل حالة.
الهدف الثالث: توجيه المتعاملين في السوق. تساعد الدراسة المتعاملين في السوق التجاري والاقتصادي على فهم التزاماتهم القانونية بموجب المرسوم بقانون، وتجنب الوقوع في مخالفات التستر التجاري، سواء كانوا مواطنين أو أجانب، أشخاصاً طبيعيين أو اعتباريين.
الهدف الرابع: المساهمة في تطوير التشريع. تسهم الدراسة في تقديم رؤية تحليلية نقدية للنصوص القانونية، مما قد يفيد المشرع في المستقبل في تطوير التشريع وسد أي ثغرات قد تظهر أثناء التطبيق العملي.
الهدف الخامس: تعزيز الشفافية والعدالة في بيئة الأعمال. تأتي هذه الدراسة انسجاماً مع الأهداف التي وضعها المرسوم بقانون نفسه، والمتمثلة في تقنين بيئة الأنشطة الاقتصادية بما يضمن الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص، ويعزز قدرة الدولة على الرقابة والتنظيم والتحصيل.
أولا: المفاهيم ذات العلاقة بالتستر التجاري
(1) مفهوم التستر التجاري
أورد المشرع الكويتي في البند الرابع من المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 تعريفاً واضحاً وشاملاً للتستر التجاري، حيث عرفه بأنه “تمكين أي شخص – سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً – من ممارسة أي نشاط اقتصادي يُحظر عليه ممارسته وفقاً لأحكام القوانين أو التشريعات النافذة في الدولة، سواء لحسابه الخاص أو بالشراكة مع الغير أو الالتفاف على نسب الملكية المقررة قانوناً للأجانب لتمكينه من ممارسة النشاط الاقتصادي بالمخالفة لأحكام هذا المرسوم بقانون).
ويتضح من هذا التعريف أن المشرع قد اعتمد في مفهوم التستر التجاري على عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: تمكين الغير من ممارسة النشاط الاقتصادي، ويقصد بالتمكين هنا كل فعل مادي أو قانوني يؤدي إلى إعطاء الشخص المقيد أو المحظور عليه ممارسة النشاط الاقتصادي القدرة على ممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استخدام الاسم التجاري، أو الترخيص، أو السجل التجاري، أو أي وسيلة أخرى تتيح له ممارسة النشاط.
الركن الثاني: أن يكون النشاط المشار إليه محظوراً على هذا الشخص وفقاً للتشريعات النافذة، وهذا يعني أن التستر التجاري لا يتحقق إلا إذا كان النشاط الممارَس محظوراً على الشخص الذي يمارسه بموجب القانون، سواء كان هذا الحظر أصلياً (كحظر الأجانب من مزاولة بعض الأنشطة) أو عرضياً (كعدم حصول الشخص على الترخيص اللازم).
وقد تضمن التعريف حالات محددة للتستر وهي التمكين لحساب الشخص نفسه، أو بالشراكة مع الغير، أو عن طريق الالتفاف على نسب الملكية المقررة للأجانب، وهذا التحديد الدقيق يجعل القانون قادراً على ملاحقة كافة صور التستر التجاري مهما تنوعت أساليبها.
ونلاحظ أن تعريف المشرع الكويتي للتستر التجاري قد جاء موسعاً لا يقتصر على الشخص الأجنبي فقط كما هو الحال في بعض التشريعات العربية الأخرى، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر النظام السعودي والذي اقتصر في تعريف التستر التجاري على الشخص الأجنبي فقط، حيث جاء فيه أن التستر التجاري هو “اتفاق أو ترتيب يمكن من خلاله شخصاً أخر غير سعودي من ممارسة نشاط اقتصادي في المملكة غير مرخص له بممارسته باستخدام الترخيص أو الموافقة الصادرة للمتستر”[1]، وأيضاً المشرع القطري الذي عرفه بأنه “تمكين غير القطري سواء كان شخصاً طبيعياً أو معنوياً من القيام بأي من المحظورات المنصوص عليها في المادتين 2، 3 من هذا القانون”[2].
وحسناً فعل المشرع الكويتي في اعتماده لهذا التوسع في تعريف التستر التجاري، حيث أصبحت جريمة التستر التجاري متحققة بتحقق أركانها، سواء كان المتستر عليه كويتياً أو أجنبياً.
(2) مفهوم النشاط الاقتصادي
عرفت المادة الأولى من المرسوم بقانون في بندها الخامس النشاط الاقتصادي بأنه (كل نشاط تجاري أو استثماري أو صناعي أو مهني أو زراعي أو خدمي، أو أي نشاط ذو طابع اقتصادي يهدف إلى تحقيق الربح ويستلزم لمزاولته الحصول على التراخيص أو الموافقات اللازمة من الجهات المختصة).
وهذا التعريف يتسم بكونه واسع ومرن، إذ لم يقتصر على الأنشطة التجارية التقليدية بل شمل الأنشطة الاستثمارية والصناعية والمهنية والزراعية والخدمية، وأضاف عبارة “أو أي نشاط ذو طابع اقتصادي” لتكون بمثابة نص عام شامل يغلق الباب أمام أي محاولة للتهرب من نطاق القانون بحجة أن النشاط غير مدرج في هذا الحصر، كما اشترط لاعتبار النشاط خاضعاً لأحكام هذا القانون أن يستلزم للحصول على تراخيص أو موافقات من الجهات المختصة، مما يعني أن الأنشطة الحرة التي لا تحتاج إلى ترخيص لا تدخل في نطاق التستر التجاري وفق هذا التعريف.
ثانياً: نطاق تطبيق المرسوم بقانون والأشخاص المخاطبون بأحكامه
جاءت المادة الثانية من المرسوم بقانون في شقها الأول لتنص على أنه (يُحظر على أي شخص، سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، مزاولة أي نشاط اقتصادي داخل دولة الكويت، لحسابه الخاص أو بالاشتراك مع الغير، ما لم يكن حاصلاً على الترخيص اللازم من الجهة المختصة، أو يتجاوز حدود الترخيص الممنوح له، وذلك متى كانت المزاولة من خلال شخص مكّنه من ممارسة ذلك النشاط).
وقد ورد لفظ “أي شخص” في صياغة مطلقة تشمل الشخص الطبيعي أياً كانت جنسيته، والشخص الاعتباري العام أو الخاص، وهذا الاتساع في نطاق المخاطبين يعكس جدية المشرع في معالجة الظاهرة من جذورها، فلا يفلت من المساءلة أي طرف شارك في التستر التجاري ولو بشكل غير مباشر.
كما حدد نص المادة آنفة البيان أن النشاط الذي يشمله الحظر وينطبق عليه وصف التستر التجاري يجب أن تكون ممارسته داخل دولة الكويت، وبالتالي لا يمتد هذا الحظر على الأنشطة التني يتم ممارستها خارج حدود دولة الكويت، حتى وإن كان من يمارسها كويتياً.
كما نصت المادة الثانية في شقها الثاني على أن: (يُحظر على كل شخص طبيعي أو اعتباري تمكين أي شخص من مخالفة الحظر من خلال التستر التجاري، ويشمل ذلك السماح له باستخدام الاسم التجاري أو الترخيص أو الموافقة الصادرة له، أو السجل التجاري أو أي وسيلة أخرى تمكنه من ممارسة النشاط الاقتصادي بالمخالفة لأحكام هذا المرسوم بقانون).
وهذا النص يضع التزاماً واضحاً على كل شخص بعدم تمكين أي طرف آخر من مخالفة أحكام القانون، ويجرم كل فعل يؤدي إلى إعطاء الغير إمكانية مزاولة نشاط محظور عليه، وقد جاء النص ليعدد بعض صور التمكين – على سبيل المثال وليس الحصر – كاستخدام الاسم التجاري والترخيص والسجل التجاري، وانتهى بعبارة “أو أي وسيلة أخرى” وهي صيغة عامة تشمل أي وسيلة جديدة أو مستحدثة لم تكن موجودة عند وضع النص القانوني، مما يجعل القانون مسايرا لتطور الأساليب الإجرامية في مجال التستر التجاري.
ثالثاً: عناصر جريمة التستر التجاري
هناك ثلاث عناصر أساسية تقوم عليها جريمة التستر التجاري، ولا تتحقق إلا بتحقق تلك العناصر الثلاث معاً، وتتمثل هذه العناصر في:
(1) المتستر
يقصد به الشخص الذي يمنح المستتر القدرة والإمكانية على ممارسة النشاط الذي يُحظر عليه ممارسته قانوناً، ويستوي الأمر سواء كان المتستر شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، وسواء كان يحمل الجنسية الكويتية أو كان أجنبياً، وإن كان الواقع العملي يغلب عليه أن يكون المتستر هو شخصاً يحمل الجنسية الكويتية.
(2) المستتر (المتستر عليه)
وهو الشخص الذي يقوم بممارسة النشاط المحظور عليه ممارسته قانوناً، متخذاً الشخص المتستر ستاراً له، ويستوي الأمر بالنسبة للشخص المستتر أيضاً أن يكون شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، وسواء كان يحمل الجنسية الكويتية أو أجنبياً، ويفرض الواقع العملي في غالبية الحالات أن يكون الشخص المستتر أجنبياً.
(3) فعل التستر
فعل التستر هو الفعل الذي ينشأ بموجب الاتفاق الذي يتم بين المتستر والمستتر، وهو اتفاق غير معلن لتحقق العلم لدى طرفيه بأنه يخالف القانون، وبموجبه يكون رأس المال والنشاط والأرباح بأكملها – أو بعض منها – في ملكية المستتر، بينما يكون المتستر مجرد واجهة قانونية للنشاط، وذلك إما بدون مقابل أو بمقابل متفق عليه، نظير تغطيته على النشاط الذي يمارسه المستتر[3].
رابعاً: الطبيعة القانونية لجرائم التستر التجاري
جرائم التستر التجاري تعد من طائفة الجرائم الاقتصادية، والتي تمثل اعتداءً على النظام الاقتصادي للدولة، فالاقتصاد الوطني يقوم على مجموعة من الأسس والضوابط التي تنظم عملية الاستثمار وممارسة الأنشطة التجارية، وأهم هذه الأسس هو وجوب الحصول على التراخيص اللازمة والالتزام بالقوانين المنظمة لنسب الملكية.
وجرائم التستر التجاري تؤثر مباشرة على هذه الأسس، إذ تخلق حالة من عدم المساواة بين المستثمرين، وتشجع على الاقتصاد غير الرسمي، وتؤدي إلى فقدان الدولة لعوائد مالية كانت ستحصل عليها لو تمت الممارسة بشكل قانوني، كما قد ترتبط هذه الجرائم بجرائم أخرى كغسل الأموال والتهرب الضريبي.
كما تعد جرائم التستر التجاري أيضاً من الجرائم المخالفة للقوانين التي تنظم النشاط الاقتصادي، بمعنى أنها جرائم تقوم على مخالفة قيد أو شرط وضعه المشرع لتنظيم مزاولة نشاط معين، فالمشرع الكويتي وضع قيوداً على ممارسة الأنشطة الاقتصادية، منها وجوب الحصول على ترخيص، ومنها تحديد نسب الملكية للأجانب في بعض الأنشطة، ومنها حظر مزاولة بعض الأنشطة على غير الكويتيين، وجريمة التستر التجاري تقوم على مخالفة هذه القيود عن طريق التحايل عليها.
وهذا النوع من الجرائم لا يتطلب ضرورة تحقق ضرر مادي محدد، بل يكفي لقيامها مجرد مخالفة النظام المقرر، لأن المشرع هنا لا يحمي مصالح خاصة بقدر ما يحمي النظام العام الاقتصادي بأسره، فكل مخالفة لأحكام الترخيص أو نسب الملكية تعد اعتداءً على هذا النظام بغض النظر عن نتائجها الفعلية.
خامساً: أركان جريمة التستر التجاري
تتكون جرائم التستر التجاري من ثلاث أركان مثلها في ذلك مثل سائر الجرائم الأخرى، وتتمثل هذه الأركان في الركن القانوني، والركن المادي، والركن المعنوي.
(1) الركن القانوني (الأساس التشريعي)
يجد هذا الركن أساسه في قاعدة “لا جريمة بدون نص”، حيث يقوم الركن القانوني لجريمة التستر التجاري على وجود نص تشريعي يجرم الفعل ويعاقب عليه، وهذا الركن متوفر بوضوح في المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026، حيث نصت المادة الثانية على حظر التستر التجاري، ونصت المواد من الثالثة وحتى الثامنة من ذات المرسوم بقانون على العقوبات المقررة لمخالفة هذا الحظر.
والركن القانوني في جرائم التستر التجاري يتميز بكونه من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على مخالفته أو التنازل عنه، كما أن القواعد الإجرائية المتعلقة بهذه الجرائم تعد من القواعد الآمرة التي لا يجوز مخالفتها.
(2) الركن المادي
يتشكل الركن المادي في الجرائم بوجه عام من سلوك أو نشاط إرادي ينتج عنه نتيجة إجرامية ترتبط بهذا السلوك أو النشاط برابطة مادية، وهو ما يتحقق معه الإسناد المادي للجريمة طبقاً للنموذج القانوني المعتمد[4].
ويتحقق الركن المادي لجريمة التستر التجاري من خلال فعل أو نشاط إيجابي، ويتمثل في تمكين الغير من ممارسة نشاط محظور عليه، كما يمكن أن يتحقق من فعل سلبي من خلال الامتناع عن فعل كان يجب القيام به لمنع حدوث التستر، ويتضمن الركن المادي العناصر التالية:
- سلوك الجاني: ويتمثل في قيام المتستر (المُمَكِن) بفعل التمكين، سواء كان هذا الفعل مادياً كمنح الغير حق استخدام المحل أو المعدات أو الترخيص، أو قانونياً كتوقيع عقود صورية أو تحويل ملكية الأسهم بشكل مؤقت، وقد اشترط المشرع لقيام الجريمة أن يكون التمكين بقصد تمكين الغير من ممارسة النشاط المحظور، فإذا كان التمكين دون قصد أو دون علم بطبيعة النشاط المحظور فقد ينتفي الركن المعنوي وإن توفر الركن المادي.
- النتيجة الإجرامية: وتتمثل في قيام الشخص المُمكّن بممارسة النشاط الاقتصادي المحظور عليه، وهذه النتيجة هي الغاية التي يسعى إليها الجاني من وراء فعله، وهي التي تحقق الغرض من التستر.
- علاقة السببية: يجب أن يكون هناك رابط سببي بين سلوك الجاني (فعل التمكين) والنتيجة (ممارسة النشاط المحظور)، بمعنى أن تكون ممارسة النشاط قد تمت فعلاً بواسطة التمكين الذي قام به المتستر، وأنه لولا هذا التمكين لما تمكن الشخص من ممارسة النشاط.
(3) الركن المعنوي
الركن المعنوي لجريمة التستر التجاري يتمثل في القصد الجنائي، وهو اتجاه إرادة الجاني إلى تحقيق الفعل المكون للجريمة مع علمه بجميع عناصره، ويتطلب القصد الجنائي في جرائم التستر التجاري توافر عنصرين:
- عنصر العلم: ويتمثل في أن يكون الجاني عالماً بأنه يقوم بتمكين شخص من ممارسة نشاط محظور عليه، وأن يكون عالماً بالصفة القانونية للشخص المُمكّن (كونه أجنبياً مثلاً أو أنه يفتقد شرط الترخيص) وبأن النشاط محظور عليه، وأن يكون على بينة من أن تمكين هذا الشخص من ممارسة ذلك النشاط يمثل مخالفة لأحكام القانون، ويمثل جريمة يعاقب عليها القانون.
- عنصر الإرادة: أن يكون الجاني قد أرتكب فعل التمكين بإرادته الحرة، ويتحقق ذلك بأن يكون قد قام بتمكين الغير من ممارسة النشاط بشكل متعمد ومقصود، وليس على سبيل الخطأ أو السهو.
والقصد الجنائي في هذه الجريمة يتخذ صورة القصد الجني العام، حيث لا يشترط أن يكون الجاني قد قصد تحقيق نتيجة محددة مثل الحصول على أرباح، بل يكفي أن يكون قد تعمد مخالفة القانون مع علمه بذلك، وهذا ما يميز جرائم التستر التجاري عن بعض الجرائم الاقتصادية الأخرى التي قد تتطلب قصداً خاصاً.
سادساً: صور وأشكال التستر التجاري
يتخذ التستر التجاري العديد من الصور والأشكال المختلفة، والتي على الرغم من تعددها واختلافها إلا أنها تتفق في النتيجة المتحققة عنها وهي وقوع جريمة التستر التجاري، ويمكننا أن نحصر تلك الصور والأشكال في الطوائف الآتي بيانها:
(1) التستر المباشر
تمثل تلك الصورة الشكل التقليدي للتستر التجاري، وتتمثل في قيام المواطن (الكويتي) بتسجيل نشاط تجاري باسمه، ثم تمكين الأجنبي من إدارة هذا النشاط وممارسته فعلياً لحسابه الخاص، مع الاحتفاظ بالشكل القانوني الذي يوحي بأن النشاط مملوك – ظاهرياً – للشخص الكويتي.
وتتفق هذه الصورة من صور التستر مع الحظر الذي أورده المشرع الكويتي في نص المادة رقم (23) من المرسوم بقانون رقم 68 لسنة 1980 بإصدار قانون التجارة الكويتي، والتي حظرت على الأجنبي – غير الكويتي – أن يشتغل بالتجارة في الكويت دون أن يكون له شريك كويتي.
(2) التستر غير المباشر
ويتمثل هذا الشكل من التستر التجاري في قيام الشخص الاعتباري (الشركة) بممارسة النشاط لحساب الأجنبي، وذلك من خلال الالتفاف على نسب الملكية المقررة، كأن يقوم بتوزيع الأسهم بين عدد من المواطنين بشكل صوري مع اتفاق ضمني على أن تكون السيطرة الفعلية للأجنبي، أو استخدام شركات وهمية أو شركات ذات غطاء قانوني لإخفاء الملكية الحقيقية.
وهو ما يتفق مع الحظر الوارد في المادة رقم (23) من قانون التجارة الكويتي، والتي أجازت للشخص الأجنبي أن يعمل بالتجارة في دولة الكويت مع شريك كويتي، شريطة أن تكون نسبة المشاركة للشريك الكويتي هي (51%) على الأقل، وفي حالة التلاعب في نسب الملكية والالتفاف عليها يعد ذلك ارتكاباً لجريمة التستر التجاري.
(3) التستر بالشراكة
ويتمثل في قيام المواطن الكويتي بالاشتراك مع الأجنبي في ممارسة نشاط محظور على الأجنبي بمفرده، بحيث يظهر المواطن وكأنه الشريك الفعلي بينما هو في الحقيقة مجرد ستار لإضفاء الشرعية على النشاط الذي يمارسه الأجنبي فعلياً، ولا يكون للمواطن الظاهر أي سيطرة فعلية على هذا النشاط.
(4) التستر باستخدام الترخيص أو السجل التجاري
وهي الصورة التي أشارت إليها المادة الثانية من المرسوم بقانون، وتتمثل في السماح للغير باستخدام الاسم التجاري أو الترخيص أو الموافقة الصادرة للشخص المتستر، أو السجل التجاري الخاص به، وذلك لتمكينه من ممارسة النشاط الاقتصادي المحظور عليه ممارسته.
سابعاً: العقوبات المقررة لجريمة التستر التجاري
قرر المشرع الكويتي أكثر من عقوبة لمن يرتكب الجرائم التي يجرمها في المرسوم بقانون، والتي لا تقتصر فقط على جريمة التستر التجاري فقط، بل تشكل أيضاً جريمة عرقلة أعمال الضبطية القضائية، ونوضح ذلك على النحو التالي:
(1) عقوبة مخالفة حظر التستر التجاري (المادة الثالثة)
نصت المادة الثالثة من المرسوم بقانون على أن: “دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون الجزاء أو أي قانون آخر، يُعاقب من يخالف الحظر المنصوص عليه في المادة الثانية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن (10,000 د.ك) عشرة آلاف دينار ولا تزيد على (100,000 د.ك) مائة ألف دينار، أو بما يعادل قيمة الأرباح المتحصلة أيهما أكبر، أو بإحدى هاتين العقوبتين”، والمادة الثانية المشار إليها في النص آنف الذكر هي مادة تجريم الصور المختلفة لفعل التستر التجاري، والتي سبق وأن ذكرناها تفصيلاً في البند ثانياً من هذا المقال.
ويلاحظ من خلال مطالعة نص المادة الثالثة ما يلي:
- تقرير عقوبة مزدوجة: أجاز المشرع الكويتي للقاضي توقيع عقوبتي الحبس والغرامة معاً أو إحداهما فقط، وهو ما يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في اختيار العقوبة المناسبة وفقاً لظروف كل قضية ومدى جسامتها.
- تحديد حد أدنى للعقوبة: حدد المشرع حداً أدنى لعقوبة الحبس (سنة) وأيضاً للغرامة (10,000 دينار كويتي)، وهو ما يحول دون نزول القاضي عن هذا الحد، ويعكس جدية المشرع في التصدي للجريمة بعقوبة صارمة.
- الغرامة بما يعادل الأرباح: أتاح المشرع للقاضي إمكانية فرض غرامة تعادل قيمة الأرباح المتحصلة من الجريمة إذا كانت هذه الأرباح تزيد على الحد الأقصى للغرامة المقررة (100,000 دينار)، وهذا النص يضمن تجريد الجاني من أي مكاسب غير مشروعة.
- الإشارة إلى العقوبات الأشد: ذيلت المادة بعبارة “دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون الجزاء أو أي قانون آخر”، وهذا يعني أن العقوبات الواردة في هذا القانون لا تمنع من تطبيق عقوبات أشد واردة في تشريعات أخرى إذا كانت واقعة الجريمة تشكل جريمة أشد، كما هو الحال أن تكون جريمة التستر التجاري تشكل جريمة غسل الأموال أو الاحتيال.
(2) عقوبة عرقلة أعمال الضبطية القضائية (المادة الرابعة)
جرم المشرع الكويتي أي فعل يمثل عرقلة أعمال الضبطية القضائية، وذلك بموجب نص المادة رقم (11) من المرسوم بقانون، والتي نصت على أنه “يُحظر على أي شخص عرقلة أو منع موظفي الوزارة المختصة ممن لديهم صفة الضبطية القضائية من أداء مهامهم أو ممارسة صلاحياتهم المقررة بموجب هذا المرسوم بقانون بأي وسيلة كانت، بما في ذلك الامتناع عن تقديم المعلومات أو المستندات المطلوبة، أو تقديم بيانات أو معلومات غير صحيحة أو مضللة للموظفين”.
ومن خلال هذا النص يتضح أن جريمة عرقلة أعمال الضبطية القضائية قد تتحقق سواء عن فعل إيجابي كتقديم معلومات خاطئة، أو سلبي كالامتناع عن تقديم المستندات أو المعلومات التي يتم طلبها من قبل موظفي الوزارة.
وقد نصت المادة الرابعة على عقوبة خاصة لمخالفة الحظر المنصوص عليه في شأن عرقلة أعمال موظفي الضبطية القضائية، حيث جاء النص في تلك المادة على أنه “دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون الجزاء أو أي قانون آخر، يُعاقب من يخالف الحظر المنصوص عليه في المادة الحادية عشرة بالحبس مدة لا تجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تجاوز (10,000 د.ك) عشرة آلاف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين”.
وهذه العقوبة أخف نسبياً من عقوبة التستر التجاري الأساسية، وذلك لأن عرقلة أعمال الضبطية تعتبر جريمة قائمة بذاتها وإن كانت مرتبطة بجريمة التستر في كثير من الأحيان.
(3) تعدد الغرامات
يمطالعة نص المادتين الثالثة والرابعة من المرسوم بقانون يتبين لنا أنهما قد تضمنتا نصاً ختامياً مشابهاً، وهذا النص قوامه كالتالي “وتتعدد الغرامات بتعدد الأشخاص المخالفين أو الأنشطة المخالفة”.
وهذا النص يقرر مبدأ تعدد الغرامات في حالتين:
- الحالة الأولى: تعدد الأشخاص المخالفين: وذلك متى كان الفعل المخالف صادراً من عدة أشخاص، فإن الغرامة تتعدد بحسب عددهم بحيث يتحمل كلاً منهما غرامة مستقلة.
- الحالة الثانية: تعدد الأنشطة المخالفة: وذلك متى كان الشخص قد ارتكب مخالفات تتعلق بأنشطة متعددة، فإن الغرامة تتعدد بحسب عدد الأنشطة، بحيث يتحمل هذا الشخص غرامات بعدد الأنشطة التي وقعت بها المخالفة.
وهذا النص هو نص موفق لكونه يعزز الجانب الردعي للغرامات، حيث لا يمكن للجاني أن يفلت من العقاب بتعدد الأنشطة أو الأشخاص الممارسين لها.
(4) المصادرة وغلق المنشأة وإلغاء الترخيص (المادة السادسة)
نصت المادة السادسة على أنه “مع عدم الإخلال بحقوق الغير حسني النية يجب على المحكمة – في حالة الإدانة بإحدى الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون – أن تحكم بمصادرة الأموال أو الأرباح الناتجة عن الجريمة وكافة الأدوات والمعدات والوسائل المستخدمة في النشاط المخالف مع غلق المنشأة نهائياً وإلغاء الترخيص”.
ويلاحظ من هذا النص ما يلي:
- الإلزامية: استخدم المشرع كلمة “يجب”، مما يعني أن المحكمة ملزمة بتوقيع هذه التدابير – المصادرة والغلق – في حالة الإدانة، وليس لها سلطة تقديرية في ذلك، وبالتالي فهي تعتبر عقوبات أصلية وليست عقوبات تكميلية.
- مصادرة الأموال والأرباح: يتم مصادرة كل ما نتج عن الجريمة من أموال أو أرباح، مما يجرد الجاني من ثمار جريمته.
- مصادرة الأدوات والمعدات والوسائل: تشمل المصادرة كل ما استخدم في النشاط المخالف من معدات وأدوات وغيرها من الوسائل الأخرى التي تم ارتكاب المخالفة باستخدامها.
- غلق المنشأة نهائياً: تمثل عقوبة غلق المنشأة بشكل نهائي عقوبة شديدة، وهي تعكس إرادة المشرع وإصراره على القضاء على ظاهرة التستر التجاري من جذورها.
- إلغاء الترخيص: وهو تدبير يمنع المتستر من استخدام الترخيص لأي غرض آخر في المستقبل.
- استثناء حقوق الغير حسني النية: حماية للغير الذين قد يكونوا قد اكتسبوا حقوقاً على الأموال أو المعدات دون علمهم بالجريمة، فقد استثنى المشرع حقوقهم التي قد تترتب على المخالفة.
(5) إبعاد الأجنبي المخالف (المادة السادسة)
جاء في ختام المادة السادسة من المرسوم بقانون أنه “ويُحكم بإبعاد الأجنبي المخالف بعد تنفيذ العقوبة، ويُنشر الحكم النهائي في الوسائل المقررة”.
وإبعاد الأجنبي هو تدبير إداري وقائي وليس عقوبة، ويهدف إلى حماية النظام الاقتصادي للدولة من خلال منع الأجنبي المخالف من العودة إلى الكويت لمزاولة الأنشطة الاقتصادية مرة أخرى، ويتم تنفيذه بعد تنفيذ العقوبة الأصلية (الحبس أو الغرامة أو كليهما)، وقد اشترط المشرع أن يكون الحكم بالإبعاد قضائياً، أي يصدر عن المحكمة في حكم الإدانة، مما يعطي ضمانات للمحكوم عليه بأن تدبير الإبعاد لا يتم إلا بناءً على إدانة قضائية ثابتة.
كما نصت المادة على نشر الحكم النهائي في الوسائل المقررة، والغرض من النشر هو تحقيق الردع العام والخاص، وإعلام المجتمع والمتعاملين مع المحكوم عليه بأنه ارتكب جريمة تستوجب هذه العقوبة، مما يحميهم من الوقوع في التعامل معه مستقبلاً.
(6) مضاعفة العقوبة في حالة العود (المادة السابعة)
نصت المادة السابعة من المرسوم بقانون على أنه (تُضاعف العقوبة المرتبة لأي من الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون في حالة العود خلال خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم النهائي في تلك الجرائم).
بداية فإن العود يقصد به تكرار ارتكاب الجريمة بعد الحكم النهائي على الجاني في جريمة مماثلة[5]، وقد حدد المشرع الكويتي مدة خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم النهائي كمهلة لتحقق العود، فإذا ارتكب الجاني جريمة جديدة خلال هذه المدة، فإن العقوبة المقررة لجريمته يتم مضاعفتها، وهذا النص يعزز الجانب الردعي، ويمنع الجاني من الاستخفاف بالعقوبات السابقة.
ثامناً: المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري
جاءت المادة الخامسة من المرسوم بقانون لتنظم المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري، حيث نصت على أنه (يُعاقب المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري المخالف بذات العقوبات المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا المرسوم بقانون متى ثبت علمه بها، أو إذا ثبت أن المخالفة وقعت نتيجة إخلاله بالواجبات التي تفرضها إدارته أو ساهم في وقوعها، ويكون الشخص الاعتباري مسؤولاً بالتضامن عن الوفاء بما يُحكم به من عقوبة مالية أو تعويضات إذا ارتكبت المخالفة من أحد العاملين لديه باسم الشخص الاعتباري أو لصالحه).
وهذا النص يتضمن مبدأين هامين قوامهما كالتالي:
المبدأ الأول: المسؤولية الجنائية للمسؤول عن الإدارة الفعلية
وضع المشرع المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري على عاتق المسؤول عن إدارته الفعلية، وقد اشترط المشرع لقيام هذه المسؤولية توافر أحد حالتين:
(1) ثبوت علمه بالمخالفة
وتتمثل تلك الحالة في أن تكون المخالفة قد وقعت عن علم من قبل المدير الفعلي للشخص المعنوي، أي أن يتحقق لديه العلم بكونها مخالفة لأحكام المرسوم بقانون.
(2) وقوع المخالفة نتيجة إخلاله بواجبات الإدارة
تتحقق تلك الحالة متى كانت المخالفة قد وقعت بناء على إخلال المدير الفعلي للشخص الاعتباري بالواجبات التي تفرضها عليه إدارته، أو ساهم بفعله – إيجابياً كان أو سلبياً – في وقوعها.
وهذا النص يضع عبئاً على المسؤولين عن إدارة الشركات بأن يكونوا على علم بما يجري في مؤسساتهم، وأن يتخذوا الإجراءات الكافية لمنع وقوع مخالفات التستر التجاري، وإلا تحمّلوا المسؤولية الجنائية عن إهمالهم في أداء الواجبات التي يناط بهم القيام بها.
المبدأ الثاني: المسؤولية التضامنية في العقوبات المالية والتعويضات
ألقى المشرع على عاتق الشخص الاعتباري مسؤولية تضامنية للشخص الاعتباري عن العقوبات المالية والتعويضات، وذلك بالتضامن مع مرتكب المخالفة متى ارتكبت المخالفة من أحد العاملين لدى الشخص الاعتباري باسمه أو لصالحه، وهذا النص يعكس فكرة أن الشركة تتحمل تبعات أفعال عمالها إذا تمت في إطار عملهم ولصالحها.
تاسعاً: الأحكام الإجرائية والدعوى الجزائية
توجد مجموعة من الأحكام الإجرائية التي تحكم جرائم التستر التجاري، والتي تمهد لتحريك الدعوى الجزائية ضد مرتكبها، وسوف نتناول تلك الإجراءات في النقاط الآتي بيانها:
(1) صفة الضبطية القضائية لموظفي الوزارة
منح المشرع الكويتي صفة الضبطية القضائية لمن يتم تحديده من موظفين بوزارة التجارة والصناعة، وذلك بموجب قرار يصدر من قبل وزير التجارة، وفقاً لما نصت عليه المادة رقم (10) من المرسوم بقانون، والتي تضمنت أنه (يكون للموظفين المختصين الذين يصدر بتحديدهم قرار من الوزير المختص أو من يفوضه، صفة الضبطية القضائية بضبط الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا المرسوم بقانون والقرارات المنفذة له).
وصفة الضبطية القضائية تخول هؤلاء الموظفين مجموعة واسعة من السلطات في ضبط الجرائم، ومن أهم هذه السلطات:
- التفتيش: ولهم في سبيل ذلك القيام بأعمال التفتيش على المنشآت والأماكن المشتبه فيها.
- الرقابة: يتمتع هؤلاء الموظفين بسلطة مراقبة الأنشطة الاقتصادية والتأكد من التزامها بالقوانين.
- الضبط: تتضمن سلطات موظفي الوزارة سلطة ضبط المخالفات المرتكبة وإثباتها، وتعد تلك السلطة هي جوهر عملهم.
(2) الالتزام بتقديم التسهيلات
ألقى المرسوم بقانون في مادته رقم (10) التزاماً على عاتق أي شخص أو جهة يتم الاشتباه في ارتكابهم مخالفة من المخالفات التي تضمنها، ويتمثل هذا الالتزام في تقديم أي مستندات أو بيانات أو معلومات أو تسهيلات يتم طلبها منهم من قبل موظفي الوزارة ممن يتمتعون بالضبطية القضائية، وذلك لكي يتمكنوا من أداء مهام عملهم والتحقق من وجود مخالفة لأحكام المرسوم بقانون من عدمه، وإلا تعرضوا للمساءلة القانونية وفقاً للمادة الرابعة من ذات المرسوم بقانون، باعتبار أن امتناعهم عن معاونة موظفي الوزارة يمثل عرقلة لأعمال الضبطية، وهذه المادة آنفة الذكر تُجرم صوراً متعددة من العرقلة والتي منها على سبيل المثال:
- المنع المباشر للموظف من أداء مهامه.
- الامتناع عن تقديم المعلومات أو المستندات.
- تقديم بيانات غير صحيحة أو مضللة.
وقد جاءت عبارة “بأي وسيلة كانت” في تلك المادة لتشمل كل صورة من صور العرقلة مهما تنوعت، ولتؤكد أن الصور التي نصت عليها كانت فقط على سبيل المثال وليس الحصر.
(3) التصالح في جرائم التستر التجاري
يعد التصالح في جرائم التستر التجاري من قبيل الأحكام الإجرائية التي تمهد لتحريك الدعوى الجزائية، ويرجع ذلك إلى أن إتمام التصالح وتحققه يؤثر على تحريك الدعوى الجزائية متى تم قبل تحريكها، كما يؤثر على سيرها متى تم أثناء محاكمة المتهم بارتكابها، وهو سيتضح بصورة جلية في النقاط الآتي بيانها:
- شروط التصالح
نصت المادة الثامنة من المرسوم بقانون على أنه: “يجوز للوزير المختص أو من يفوضه التصالح في الجرائم المنصوص عليها في هذا المرسوم بقانون قبل تحريك الدعوى إلى المحكمة المختصة أو أثناء نظرها أو قبل صدور حكم نهائي فيها، وذلك مقابل أداء مبلغ لا يقل عن نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة”.
ويتبين من نص تلك المادة أن المشرع الكويتي قد وضع عدة شروط لقبول التصالح في جرائم التستر التجاري، وتتمثل هذه الشروط في:
– الجهة المختصة بالتصالح: منح المشرع الكويتي سلطة إجراء التصالح مع المتهم بجريمة من جرائم التستر التجاري للوزير المختص – وهو وزير التجارة والصناعة – أو من يفوضه، ولم يمنح هذا الاختصاص للنيابة العامة أو المحكمة، وبالتالي متى أراد المتهم إجراء التصالح فعليه أن يتوجه بطلب التصالح إلى الوزير المختص.
– توقيت التصالح: أجاز المشرع الكويتي للمتهم التقدم بطلب التصالح في أكثر من مرحلة، حيث أجاز له التصالح في مرحلة ما قبل تحريك الدعوى، كما أجاز له أيضاً تقديم طلب التصالح أثناء نظر المحكمة لها، أو في أي وقت آخر قبل صدور حكم نهائي، أما إذا صدرلا حكم نهائي ضد المتهم فعندئذ يسثط حقه في طلب التصالح.
– قيمة مبلغ الصلح: وضع المشرع الكويتي حداً أدنى لا يجوز النزول عنه وذلك لقيمة مقابل الصلح الذي يقوم المتهم بسداده، ويتمثل ذلك الحد الأدنى في نصف قيمة الحد الأقصى للغرامة المقررة، وذلك لضمان جدية التصالح.
– إزالة المخالفة: لا يقتصر التصالح على دفع المبلغ المحدد له فقط، بل يشترط أيضاً إزالة المخالفة وتعديل الوضع القانوني، وهو ما يعني أن المتصالح يجب أن يعيد الأمور إلى نصابها القانوني، كأن يقوم بتسوية أوضاعه، أو تعديل نسب الملكية، أو إلغاء التراخيص المخالفة.
- إثار التصالح:
متى تم تقديم طلب التصالح للجهة المختصة، وفي الموعد المحدد الذي يجيز فيه المرسوم بقانون تقديمه (أي قبل صدور حكم نهائي)، وقام المتهم المتصالح بسداد قيمة المبلغ المحدد للتصالح، وأزال المخالفة محل التصالح وقام بتعديل وضعه القانوني بشأنها، فإن طلب التصالح يتم قبوله، وتترتب آثاره المتمثلة في انقضاء الدعوى الجزائية، مما يعني سقوط حق الدولة في توقيع العقوبة.
- حالات عدم جواز التصالح
حظر المشرع الكويتي التصالح في حالة وحيدة، وتتمثل في الحالة التي نصت عليها المادة الثامنة من المرسوم بقانون، والتي يكون فيها المتهم عائداً لارتكاب الجريمة، فإذا كان الجاني قد سبق إدانته بجريمة مماثلة وعاد لارتكابها، فلا يجوز التصالح معه، مما يعكس تشديد المشرع على معالجة المتمردين على القانون.
- التصالح لا يحول دون عقوبة الإبعاد
قرر المشرع الكويتي أنه متى كان المتهم بارتكاب جريمة التستر التجاري أجنبياً، وقام بتقديم طلب التصالح الذي يستوفي كافة الشروط المطلوبة، فحتى إذا تم قبول التصالح وكانت المصلحة الوطنية تقتضي إبعاده إدارياً عن اراضي الدولة، فإن السلطات المختصة تقوم باتخاذ إجراءات إبعاده بعد انتهاء إجراءات التصالح، لا سيما وأن الإبعاد هو تدبير إداري وقائي وليس عقوبة جنائية، والتصالح تنقضي به الدعوى الجزائية فقط.
(4) الدعوى الجزائية في جرائم التستر التجاري
لا تعد جرائم التستر التجاري من الجرائم التي تتحرك فيها الدعوى الجزائية بناءً على شكوى أو إبلاغ، حيث أن المشرع الكويتي قد أسبغ عليها صفة الجرائم التي تمس بالنظام العام، مما يعني أن النيابة العامة تتحرك فيها من تلقاء نفسها إذا علمت بوقوعها، ولا تتوقف على شكوى المجني عليه، وهذا ما يستفاد من إسناد صفة الضبطية القضائية لموظفي الوزارة، حيث يقومون بضبط الجرائم وتحرير المحاضر، ثم إحالتها إلى النيابة العامة التي تتولى التحقيق وإصدار قرار الاتهام إذا توافرت الأدلة الكافية، وهذا الدور يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الوزارة والنيابة العامة، لضمان سرعة وفعالية الإجراءات.
وإن كان المشرع لم يحدد بنص خاص في المرسوم بقانون الجهة المختصة بالتحقيق في جرائم التستر التجاري، والتي لها سلطة حفظ التحقيق أو إحالته للمحكمة المختصة بحسب الأحوال، فإن الأمر يقتضي الرجوع للأصل العام المتمثل في اختصاص النيابة العامة بالتحقيق والتصرف في مثل تلك الجرائم.
مكافحة التستر التجاري في السعودية :
صدر نظام مكافحة التستر بالمرسوم الملكي رقم (م/4) بتاريخ 1/1/1442هـ (الموافق 20 أغسطس 2020م)، وحل محل النظام القديم الصادر عام 1425هـ. يهدف النظام إلى القضاء على ظاهرة التستر التجاري، وحماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز المنافسة العادلة، وتوفير فرص عمل واستثمار للسعوديين، والحد من اقتصاد الظل وخروج الأموال غير المشروعة.
أهميته
- حماية السوق من الممارسات غير النظامية التي تضر بالسعوديين والمستثمرين النظاميين.
- تعزيز الشفافية والامتثال، وربط التستر بجرائم أخرى مثل غسل الأموال (حيث تُعتبر الأموال المتحصلة من التستر متحصلات جريمة).
- دعم رؤية 2030 من خلال توفير فرص اقتصادية للمواطنين، وتقليل اقتصاد الظل.
- تكثيف الرقابة عبر البرنامج الوطني لمكافحة التستر، الذي ينفذ آلاف الجولات الرقابية شهرياً ويستهدف الأنشطة عالية المخاطر.
أهم المواد المتعلقة بنوعيات الجرائم والمخالفات
المادة الثالثة (الجرائم المعاقب عليها):
أ) تمكين شخص (غالباً سعودي) غير السعودي من ممارسة نشاط اقتصادي لحسابه الخاص غير مرخص له، بما في ذلك استخدام اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري أو اسمه التجاري.
ب) ممارسة غير السعودي نفسه لنشاط اقتصادي لحسابه الخاص عبر الشخص الممكّن له.
ج) الاشتراك في أي من الجريمتين السابقتين (التحريض أو المساعدة أو تقديم المشورة مع العلم).
د) عرقلة أو منع المكلفين بتنفيذ النظام من أداء واجباتهم (مثل عدم الإفصاح أو تقديم معلومات مضللة).
المادة الرابعة (المخالفات، أخف من الجرائم):
- منح منشأة لغير السعودي أدوات تؤدي إلى التصرف المطلق في المنشأة بصورة غير نظامية.
- حيازة أو استخدام غير السعودي لهذه الأدوات بصورة غير نظامية.
- استخدام المنشأة حساباً بنكياً غير عائد لها في تعاملاتها.
العقوبات الرئيسية (المادة التاسعة وما يليها)
الجرائم: السجن مدة لا تزيد على 5 سنوات، وغرامة لا تزيد على 5 ملايين ريال، أو إحدى العقوبتين (مع مراعاة حجم النشاط وإيراداته ومدة ممارسته وآثاره). تتضاعف العقوبة في حال العود خلال 3 سنوات.
عقوبات تبعية: مصادرة المتحصلات، إغلاق المنشأة وتصفية النشاط وشطب السجل التجاري، منع مزاولة النشاط لمدة 5 سنوات، استيفاء الزكاة والضرائب والرسوم، التشهير بنشر الحكم، وإبعاد غير السعودي بعد تنفيذ العقوبة ومنعه من العودة للعمل.
للمخالفات عقوبات أخف (غرامة تصل إلى 500 ألف ريال غالباً).
إمكانية التخفيف أو الإعفاء الجزئي لمن يقدم معلومات تساعد في كشف الجريمة.
يكما أنل التنفيذ يتم عبر وزارة التجارة والنيابة العامة والمحاكم الجزائية، مع مكافآت للمبلغين تصل إلى 30% من الغرامات المحصلة. النظام جزء من منظومة رقابية متكاملة تعتمد على البيانات والمؤشرات، ويساهم في رفع مستوى الامتثال وحماية الاقتصاد الوطني.
نتائج الدراسة :
توصلت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج المهمة التي يمكن إجمالها على النحو التالي:
النتائج المتعلقة بالمفاهيم والأركان
أولاً: توصلت الدراسة إلى أن المشرع الكويتي قد اعتمد في تعريف التستر التجاري على عنصرين أساسيين: تمكين الغير من ممارسة النشاط الاقتصادي، وأن يكون هذا النشاط محظوراً على هذا الشخص وفقاً للتشريعات النافذة. وقد تميز التعريف الكويتي بالتوسع والشمولية، إذ لم يقتصر على الشخص الأجنبي فقط كما هو الحال في بعض التشريعات العربية الأخرى، بل شمل أي شخص سواء كان كويتياً أو أجنبياً، مما يعكس إرادة المشرع في ملاحقة كافة صور التستر التجاري مهما تنوعت أساليبها.
ثانياً: تبين للدراسة أن جريمة التستر التجاري تقوم على ثلاثة عناصر أساسية هي المتستر والمستتر (المتستر عليه) وفعل التستر، ولا تتحقق الجريمة إلا بتحقق هذه العناصر الثلاث معاً. كما أن للجريمة أركاناً ثلاثة هي الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي، وقد أوضحت الدراسة محتوى كل ركن منها وشروطه.
ثالثاً: كشفت الدراسة أن القصد الجنائي في جرائم التستر التجاري يتخذ صورة القصد الجنائي العام، حيث لا يشترط أن يكون الجاني قد قصد تحقيق نتيجة محددة مثل الحصول على أرباح، بل يكفي أن يكون قد تعمد مخالفة القانون مع علمه بذلك، مما يسهل إثبات هذه الجرائم مقارنة ببعض الجرائم الاقتصادية الأخرى التي قد تتطلب قصداً خاصاً.
النتائج المتعلقة بالعقوبات والتدابير
رابعاً: قرر المشرع الكويتي نظاماً عقابياً متكاملاً وشديداً لجرائم التستر التجاري، يشمل عقوبات سالبة للحرية (الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات)، وعقوبات مالية (غرامة لا تقل عن 10,000 دينار ولا تزيد على 100,000 دينار أو ما يعادل قيمة الأرباح المتحصلة أيهما أكبر). كما أقر المشرع مبدأ تعدد الغرامات بتعدد الأشخاص المخالفين أو الأنشطة المخالفة، مما يعزز الجانب الردعي للغرامات.
خامساً: فرض المشرع تدابير عقابية إضافية إلزامية في حالة الإدانة، تتمثل في مصادرة الأموال أو الأرباح الناتجة عن الجريمة وكافة الأدوات والمعدات والوسائل المستخدمة في النشاط المخالف، مع غلق المنشأة نهائياً وإلغاء الترخيص. كما أقر المشرع إبعاد الأجنبي المخالف بعد تنفيذ العقوبة، وهو تدبير إداري وقائي وليس عقوبة، يهدف إلى حماية النظام الاقتصادي للدولة.
سادساً: تضاعف العقوبة في حالة العود خلال خمس سنوات من تاريخ صدور الحكم النهائي، وهو ما يعزز الجانب الردعي ويمنع الجاني من الاستخفاف بالعقوبات السابقة.
النتائج المتعلقة بالمسؤولية الجنائية
سابعاً: أوجد المشرع الكويتي آلية متقدمة للمسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري، حيث جعل المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري مسؤولاً جنائياً متى ثبت علمه بالمخالفة، أو إذا ثبت أن المخالفة وقعت نتيجة إخلاله بالواجبات التي تفرضها إدارته أو ساهم في وقوعها. كما جعل الشخص الاعتباري مسؤولاً بالتضامن عن الوفاء بما يُحكم به من عقوبة مالية أو تعويضات إذا ارتكبت المخالفة من أحد العاملين لديه باسم الشخص الاعتباري أو لصالحه.
النتائج المتعلقة بالأحكام الإجرائية
ثامناً: منح المشرع صفة الضبطية القضائية لموظفي وزارة التجارة والصناعة، مما يخولهم سلطات التفتيش والرقابة والضبط، وألقى التزاماً على عاتق أي شخص أو جهة يتم الاشتباه في ارتكابهم مخالفة بتقديم التسهيلات والمستندات والبيانات المطلوبة.
تاسعاً: أقر المشرع نظام التصالح في جرائم التستر التجاري، حيث يجوز للوزير المختص أو من يفوضه التصالح قبل تحريك الدعوى أو أثناء نظرها أو قبل صدور حكم نهائي، مقابل أداء مبلغ لا يقل عن نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة، مع إزالة المخالفة وتعديل الوضع القانوني. غير أن المشرع حظر التصالح في حالة العود.
عاشراً: لا تعد جرائم التستر التجاري من الجرائم التي تتحرك فيها الدعوى الجزائية بناءً على شكوى أو إبلاغ، بل هي من الجرائم التي تمس بالنظام العام، مما يعني أن النيابة العامة تتحرك فيها من تلقاء نفسها إذا علمت بوقوعها.
النتائج العامة
الحادي عشر: يمثل المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 نقلة تشريعية نوعية في مسيرة تطوير البيئة الاقتصادية في الكويت، حيث جسد توجه الدولة نحو ترسيخ الشفافية في ممارسة الأنشطة الاقتصادية بما يعزز المنافسة العادلة، وينقل مخالفة التستر التجاري من نطاق البطلان التجاري إلى جريمة جنائية بعقوبات مشددة.
الثاني عشر: يسهم التطبيق الصارم لهذا القانون في فتح آفاق رحبة للتوظيف والاستثمار للشباب الكويتي، لا سيما في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما يعزز حماية المستهلك من خلال ضمان جودة السلع والخدمات، حيث ستخضع المنشآت التجارية لإشراف حكومي مباشر ومتطلبات امتثال لمعايير الجودة الرسمية.
الثالث عشر: يتضمن المرسوم بقانون نظاماً للحوافز المالية للمبلغين عن جرائم التستر التجاري، حيث يمنح المبلغين ما يصل إلى 10% من الغرامات المحصلة، شريطة تقديم أدلة موثوقة تؤدي إلى إدانة نهائية. وهذه الآلية تشجع المجتمع على المشاركة الفاعلة في مكافحة الظاهرة.
رابعاً: الخاتمة
في ختام هذه الدراسة التحليلية لجرائم التستر التجاري وفق المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 الكويتي، يمكن القول إن المشرع الكويتي قد خطا خطوة تشريعية جريئة ومتقدمة في مواجهة واحدة من أخطر الظواهر الاقتصادية التي تهدد استقرار السوق وتُخل بمبادئ المنافسة العادلة وتُضعف قدرة الدولة على تحصيل إيراداتها.
لقد جاء المرسوم بقانون ليعالج تشوهات مزمنة في السوق المحلي، أبرزها قيام بعض العمالة الوافدة بإدارة وتشغيل الشركات والمحلات التجارية لحسابهم الخاص بشكل غير قانوني، مقابل منح المواطن صاحب الرخص مبالغ مالية زهيدة سنوياً. وقد وضع القانون إطاراً تشريعياً متكاملاً للتصدي لهذه الظاهرة، من خلال تعريف دقيق للتستر التجاري، وتحديد أركان الجريمة وعناصرها، وتقرير عقوبات رادعة تصل إلى الحبس لمدة ثلاث سنوات وغرامات مالية كبيرة ومصادرة الأموال وغلق المنشآت وإلغاء التراخيص وإبعاد الأجانب المخالفين، مع مضاعفة العقوبة في حالة العود.
كما تميز المرسوم بقانون بتوسيع نطاق المسؤولية الجنائية لتشمل المسؤولين عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري، وإقرار المسؤولية التضامنية للشخص الاعتباري عن العقوبات المالية والتعويضات، مما يضمن عدم إفلات أي طرف من المساءلة الجنائية.
ولم يغفل المشرع الجانب الإجرائي، حيث منح صفة الضبطية القضائية لموظفي الوزارة المختصة، وألزم الجميع بتقديم التسهيلات اللازمة لأعمال الضبط والتحقيق، وأقر نظاماً للتصالح شريطة إزالة المخالفة وتعديل الوضع القانوني، مع حظر التصالح في حالة العود، كما أقر نظاماً للحوافز المالية للمبلغين عن جرائم التستر التجاري.
وفي النهاية، يمثل المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 تتويجاً لجهود الدولة في إصلاح بيئة الأعمال وتقنين الأنشطة الاقتصادية، وهو يعكس إرادة سياسية قوية في مواجهة الظواهر الاقتصادية غير المشروعة. ومع التطبيق الصارم والعادل لأحكامه، ومع وعي المجتمع بأخطار التستر التجاري، يمكن لهذا التشريع أن يحقق نقلة نوعية في بيئة الأعمال الكويتية، ويعزز مكانة الكويت كوجهة استثمارية جاذبة وموثوقة، ويحمي الاقتصاد الوطني من التشوهات التي طالما أضعفت قدرته على النمو المستدام والعادل.
[1] – نظام مكافحة التستر التجاري السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/4) وتاريخ 1/1/1442هـ – المادى رقم (2).
[2] – قانون مكافحة التستر على ممارسة غير القطريين للأنشطة التجارية والاقتصادية والمهنية بالمخالفة للقانون رقم 3 لسنة 2023 – المادة رقم (1).
[3] – فواز بن خلف المطيري – جريمة التستر التجاري في النظام السعودي: دراسة تحليلية مقارنة – المجلة العربية للدراسات الأمنية – مج 39 – ع (1) – 2023 – ص7 وما بعدها.
[4] – عبد الفتاح مصطفى الصيفي – الأحكام العامة للنظام الجنائي في الشريعة الإسلامية والقانون – دار المطبوعات الجامعية – مصر – 2019 – ص159.
[5] – قطاف تمام عامر – دور السياسة الجنائية في معالجة العود إلى الجريمة – مذكرة مكملة لنيل شهادة الماستر غير منشورة – جامعة محمد خيضر بسكرة – الجزائر – 2013/2014 – ص22.