تم التحديث 13 ساعة ago عن طريق ahmad
قراءة في الأسباب الاجتماعية والنفسية لارتكاب الجرائم الالكترونية في الكويت
تحولت الكويت مؤخراً إلى واحدة من أكثر المجتمعات العربية الخليجية اتصالاً واختراقاً للفضاء الرقمي، فقد أدى انتشار الهواتف المحمولة، وسرعات الإنترنت الفائقة، وتحول معظم الخدمات الحكومية والمصرفية إلى منصات إلكترونية، إلى اتصال المواطن الكويتي بالعالم الافتراضي بشكل مستمر ودائم، ولكن هذا التحول الرقمي السريع، رغم فوائده الاقتصادية والتنموية، حمل معه وجها آخر مظلماً تمثل في تصاعد مقلق لمعدلات الجرائم الإلكترونية، حيث كشفت دراسة حكومية أن الجرائم الإلكترونية في الكويت قفزت في الفترة الأخيرة، محذرة من تعرض جهات حكومية حيوية للاختراق.
ولم تعد الجريمة الإلكترونية مجرد اختراق تقني عابر، بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية ونفسية شديدة التعقيد تهدد الأفراد والمجتمع، ولمكافحة هذه الظاهرة بشكل فعال، لا يكفي فقط تحديث التشريعات الكويتية التي فرضت عدد من الضوابط بموجب قانون مكافحة تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015 والتي حارب فيها بشكل واضح كافة أشكال الجرائم الالكترونية، بل لابد من فهم الجذور الاجتماعية والدوافع النفسية التي تدفع الشخص العادي، وليس فقط القراصنة المحترفين، لارتكاب هذه الجرائم.
وفيما يلي سنحلل الأسباب الاجتماعية وهي : ( ضعف الوازع الديني، وأصدقاء السوء، والإدمان الرقمي) وكذا الأسباب النفسية مثل دوافع الانتقام، والبحث عن القوة، والاضطرابات النفسية التي تقف وراء تنامي الجرائم الالكترونية في دولة الكويت الحبيبة، وذلك فيما يلي :
أولاً: نبذة عن الواقع الرقمي للجريمة الااكترونية في دولة الكويت
تؤكد الدراسات أن المجتمع الكويتي أصبح بيئة خصبة للجريمة الإلكترونية، فأغلب المواطنين والمقيمين يستخدمون الإنترنت يومياً، مما يوفر قاعدة عريضة من الضحايا المحتملين، وبالتالي مجموعة كبيرة من الجناة المحتملين، وأكثر الجرائم وقوعاً تتمثل في إساءة استخدام الهاتف بالسب والقذف، والتشهير، وانتحال الشخصية، والابتزاز الإلكتروني، والاحتيال المالي، ونشير أن النساء الكويتيات، خاصة غير المتزوجات، يتعرضن لدرجة مرتفعة من التنمر والتحرش والإرهاب الإلكتروني، وهذا التنوع في الجرائم والضحايا يعكس تنوعاً في دوافع وأوساط الجناة، مما يستدعي تحليلاً اجتماعياً ونفسياً سنحاول تداركه في مقالنا الحالي.
ثانياً: الأسباب الاجتماعية للجريمة الإلكترونية في المجتمع الكويتي
السلوك الإجرامي في الفضاء الافتراضي هو نتاج لتفاعل الفرد مع محيطه الاجتماعي ويمكن حصر أبرز الأسباب الاجتماعية في عدد من النقاط:
1. تراجع الوازع الديني والأخلاقي
أجمع علماء الاجتماع على أن تراجع الوازع الديني والأخلاقي يعد أحد الأسباب الأساسية لانتهاك حرمات الآخرين في العالم الرقمي، فغياب الرقابة الذاتية والخوف من الله يدفع البعض لاستغلال ميزة “الإفلات من العقاب” التي يوهمهم بها الفضاء الإلكتروني عندما يضعف الإيمان بأن الله رقيب على النوايا والأفعال يسهل على الفرد تبرير سلوكه العدواني، سواء بالتشهير بالآخرين أو بالوقوع في شباك الابتزاز المادي .
كما أن الانحطاط الأخلاقي الناجم عن تراجع الوازع الديني يجعل من وقوع الفرد في طريق ارتكاب الجريمة الإلكترونية أكثر سهولة ويسر[1].
2. رفاق السوء والجماعات الافتراضية
لا يختلف الواقع الافتراضي عن الواقع المادي في تأثير “رفيق السوء” فوفقاً للخبراء، تعتبر الجماعات المنحرفة في قنوات الدردشة والتطبيقات المشبوهة بيئة حاضنة للسلوك الإجرامي، فالشاب الذي يتردد على غرف دردشة غير أخلاقية أو ينضم إلى مجموعات مغلقة تتباهى باختراق الحسابات، يتعرض لضغط اجتماعي لمحاكاة هذه السلوكيات، هذا “التعلم بالملاحظة” يجعل الجريمة الإلكترونية تبدو وكأنها لعبة أو مهارة تقنية، وليست فعلاً يعاقب عليه القانون.
3. غياب القدوة والرقابة الأسرية
تلعب الأسرة دوراً محورياً في حماية الأبناء من الانزلاق في متاهات الجرائم الإلكترونية، سواء كجناة أو كضحايا، مع انشغال الوالدين وتوفر الأجهزة الذكية للأطفال والمراهقين دون رقابة، يترك الأبناء فريسة للمحتوى الهابط والممارسات الخاطئة، والإهمال الأسري والخلافات الزوجية أو التفكك الأسري يعد من الأمور الرئيسية التي تؤدي إلى نمو الجرائم الالكترونية[2]، وعدم توجيه الأبناء لاستخدام التكنولوجيا بطريقة آمنة وأخلاقية يؤدي كذلك إلى تنشئة جيل يفتقر إلى الوعي بخطورة أفعاله، مثل إعادة نشر الإشاعات، أو المشاركة في التنمر على زملاء المدرسة، وعدم مراعاة الخصوصية.
4. سوء استخدام التكنولوجيا والرغبة في التباهي
يتحول الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي إلى دافع للجريمة، فالكثيرون، بحثاً عن الشهرة أو تحقيق نسب مشاهدة عالية، يقومون بنشر أخبار كاذبة، أو التعدي على خصوصية المشاهير، أو فبركة صور وفيديوهات بهدف السخرية من الآخرين، وهذا السلوك، الذي قد يبدو للوهلة الأولى “مجرد دعابة”، يندرج تحت طائلة القانون، خاصة في جرائم التشهير وانتحال الشخصية المنصوص عليها في قانون الجرائم الإلكترونية.
بجانب أيضاً الرغبة في التباهي بإظهار التفوق العلمي، وخاصة لدى الشباب صغار السن الذين يتمتعون بذكاء شديد، فيكون هدفهم من ارتكاب جرائم الاختراق هو إثبات تفوفهم العلمي وقهر نظام الحاسب الآلي، وذلك من خلال تخطي حواجز الحماية لبرامجه، دون الالتفات إلى ما قد يترتب على ذلك من مشكلات[3].
5. الطمع المادي السريع (ثقافة الكسب غير المشروع)
في ظل التحديات الاقتصادية، يرى البعض في الجرائم الإلكترونية وسيلة سريعة لتحقيق الثراء، ويندرج تحت هذا الباب جرائم الاحتيال المالي، والتصيد الاحتيالي، والنصب عبر الإعلانات الوهمية، وبرامج الفدية، وتصل عقوبات هذه الجرائم في القانون الكويتي إلى السجن والغرامات المالية الكبيرة، إلا أن إغراء الربح السريع يطغى على حسابات المخاطرة خاصة مع تأزم الوضع الاجتماعي والاقتصادي نظير الظروف الجيوسياسية المحيطة بدولة الكويت.
ولعل ذلك هو ما يجعل القطاع الاثتصادي والمالي هو أكثر القطاعات التي يتم استهدافها من خلال الجرائم الإلكترونية[4].
ثالثاً: الأسباب النفسية لارتكاب الجرائم الإلكترونية
إذا كانت الأسباب الاجتماعية تمثل “البيئة” الحاضنة للجريمة، فإن الأسباب النفسية تمثل “البذرة” التي تنمو في تلك البيئة، والدوافع النفسية للجاني الإلكتروني معقدة ومتشعبة، حيث يشعر مرتكبي تلك الجرائم بالاحباط وعدم الرضا عن حياتهم مما قد يحفزهم للبحث عن مصادر تعوض هذا القصور أو النقص لتعويض حدة الألم، وفيما يلي تفاصيل ذلك :
1. دافع الانتقام والغيرة والحقد
كثير من جرائم الابتزاز والتشهير والاختراق تكون بدافع شخصي، فقد يكون الجاني شخصاً مقرباً من الضحية كشريك حياة سابق، أو زميل عمل، أو قريب من العائلة يشعر بالغيرة أو الرغبة في الانتقام لإخفاق عاطفي أو مهني، وفي هذه الحالة يستخدم الجاني معرفته بأسرار الضحية كسلاح لتدمير سمعتها أو ابتزازها، وهذا السلوك يعكس اضطراباً في العلاقات الشخصية وعدم قدرة على التعامل مع الفشل أو الرفض بطريقة ناضجة كمن يتعمد التشهير بفتاة رفضت الارتباط به، أو من يتعمد التشهير بزوجة سابقة له، أو من تتعمد التشهير بفتاة أخرى لتفوقها جمالياً عليها لتعوض نقصها.
وهناك أيضاً دافع الانتقام لدى الموظف في شركة أو مؤسسة، والذي قد يتم تجاهله في حركة الترقيات أو اضطهاده في عمله، فيكون انتقامه في صورة استغلال ما تحت يده من معلومات بحكم وظيفته، وارتكاب جريمته الإلكترونية في حق الشركة أو المؤسسة التي يعمل لديها استناداً إلى تلك المعلومات، وذلك للإضرار بها وتحميلها بخسائر مالية أو إضعاف سمعتها[5].
2. الشعور بالضعف والرغبة في إثبات الذات (عقدة القوة)
لا شك أن الفضاء الإلكتروني يمنح الفرد إحساساً زائفاً بالقوة، فالشخص الذي يشعر بالتهميش أو الضعف في واقعه الاجتماعي وإن تعددت الأسباب سواء بسبب الخجل، أو الفشل الدراسي، أو ضعف المكانة الاجتماعية قد يجد في عالم الجرائم الإلكترونية متنفساً لتعويض هذا النقص، فحينما ينجح في ابتزاز شخص آخر أو اختراق حسابه، مما يقد يشعره بالسيطرة والتفوق، حيث أن المبتزون يعملون وفق نهج محدد، يعتمد على تعميق إحساس الضحية بالضعف، مما يعني أن المبتز نفسه غالباً ما يكون في صراع داخلي مع مشاعر الضعف لديه، وهذا أمر بالتأكيد يحتاج لدور كبير للإخصائيين النفسيين لمعالجة هذا الأمر.
3. غياب التعاطف والتلصص المرضي
فالرغبة في التلصص والتجسس على حياة الآخرين هي صفة موجودة في البشر، لكنها تتحول إلى داء عند البعض، والتطور التكنولوجي ساهم في توسيع آفاق هذا “الداء” بشكل غير مسبوق، بحيث أن اقتحام خصوصية الآخرين ومشاهدة صورهم ورسائلهم الخاصة يمنح الجاني متعة مرضية، لدرجة أنه لا يكترث للأذى النفسي الذي يسببه للضحية، مثل القلق، الاكتئاب، العزلة الاجتماعية، أو التفكير في الانتحار في بعض الأحيان.
4. غياب الإدراك الواعي للمخاطر (الاندفاع لدى المراهقين)
تتميز الفئة العمرية الصغيرة (المراهقون والشبابب) بالاندفاع وعدم تقدير العواقب، حيث أشارت الدراسات إلى أن الأطفال والمراهقين يتعرضون باستمرار للاستغلال من قبل المجرمين الإلكترونيين بسبب قلة خبرتهم، وقد يكونون جناة أيضاً دون قصد، فعندما يقوم مراهق بإنشاء حساب وهمي للسخرية من معلمه أو زميله، فإنه لا يدرك العواقب القانونية والنفسية الخطيرة التي تنتظره، مثل التعرض للمساءلة القانونية.
تشكل الأسباب الاجتماعية والنفسية حلقة مفرغة، فالتفكك الأسري (سبب اجتماعي) قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية لدى الأبناء (كالحاجة للانتقام أو الشعور بالنقص) تدفعهم لارتكاب الجرائم الإلكترونية.
وللأسباب السابقة ولمعالجة هذه الظاهرة، لا بد من تظافر جهود مؤسسات دولة الكويت فيما يلي:
- تعزيز التوعية الأسرية: يجب تدريب الأسر على أدوات الرقابة الوالدية الرقمية وذلك بالتوعية بالمعدل الطبيعي لاستخدام المواقع ومخاطر الاستخدام المفرط على انحراف الأسرة.
- تعزيز التوعية المدرسية : وتدعيم المناهج الدراسية بمحتوى يعزز الأمن السيبراني والاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا.32. برامج الإرشاد النفسي: ضرورة توفير خطوط مساعدة ودعم نفسي للشباب الذين تورطوا في قضايا ابتزاز أو يشعرون بميول عدوانية في الفضاء الرقمي، لمساعدتهم على إعادة دمجهم بشكل إيجابي.
- تغليظ العقوبات مع إصلاح الجناة: مع التطبيق الأمثل للقانون فيتعين كذلك أن تتضمن الأحكام القضائية برامج تأهيل نفسي للمدانين في جرائم التشهير والابتزاز خاصة من هم في سن المراهقة.
- 4. حملات إعلامية مستدامة: مواصلة الجهود الإعلامية لتوعية الجمهور بمخاطر مشاركة المعلومات الشخصية والصور، وكيفية الإبلاغ الفوري عن الجرائم عبر القنوات الرسمية مثل إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية بوزارة الداخلية .
5- دراسة أوضاع الشباب العاطلين عن العمل : وتوفير فرص عمل تناسب مؤهلاتهم حيث أن الانشغال بالعمل وسيلة لتفادي الانجرار خلف تلك الجرائم التي تتولد نتيجة للفراغ.
الخاتمة :
الجرائم الإلكترونية في الكويت هي نتاج طبيعي لتفاعل معقد بين متغيرات اجتماعية سريعة وتحولات نفسية يعيشها الأفراد في عصر التحول الرقمي، وتعتبر مرآة تعكس أزمات المجتمع الحقيقية من ضعف في الروابط الأسرية، وتراجع في القيم، وصعوبات في التكيف النفسي، ومواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من قوانين رادعة، بحيث أنها تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً لإنسان الكويت الرقمي، ليحصن الأجيال القادمة ضد إغراءات العالم الافتراضي وأمراضه المختلفة، ويعيد تكوين الوازع الديني.
[1] – وفاء محمد علي – الأبعاد الاجتماعية للجرائم الإلكترونية – مجلة كلية التربية -0 ع (27) – ج 3 – جامعة عين شمس – مصر – 2021 – ص464.
[2] – جعفر بن محمد بن ذيب – العوامل الاجتماعية المؤدية لارتكاب الجرائم الإلكترونية في المجتمع السعودي – مجلة كلية الخدمة الاجتماعية للدراسات والبحوث الاجتماعية – مج 1 – ع(27) – جامعة الفيوم – مصر – إبريل 2022 – ص242.
[3] – محمد الشناوي – جرائم الإنترنت وبطاقات الائتمان والجريمة المنظمة – دار الكتاب الحديث – مصر – 2007 – ص46.
[4] – اللجنة العلمية بمعهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية – الجرائم الإلكترونية – 2018/2019 – ص17.
[5] – نسرين عبد الحميد نبيه – الجريمة المعلوماتية والمجرم المعلوماتي – منشأة المعارف – مصر – 2008 – ص44.