تم التحديث ساعتين ago عن طريق ahmad

‏الحبس الاحتياطي وضوابطه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي

Download PDF

 

الحبس الاحتياطي وضوابطه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي

من أهم الموضوعات التي كانت ولازالت تثير جدلاً واسعاً على المستويات الدولية والعالمية هو موضوع حقوق الإنسان والحريات التي يتمتع بها، ومدى أحقية السلطات المعنية في كل دولة في المساس بتلك الحقوق والحريات أو تقييدها، وهو ما يشكل تحديات بالغة الصعوبة عند قيام المشرع بسن القوانين الإجرائية التي تمثل أحكامها في جوهرها مساساً بل وتقييداً لبعض الحقوق والحريات الخاصة بالأشخاص، لاسيما خلال مراحل التحقيق معهم أو محاكمتهم عن مختلف الاتهامات التي توجه إليهم، خاصة وأن الدستور الكويتي يكفل الحريات الأساسية للفرد فيما تضمنه من أحكام، حيث نص في مادته رقم (30) على أن “الحرية الشخصية مكفولة”.

ومن أهم وأبرز تلك الإجراءات هو إجراء الحبس الاحتياطي، والذي تتمحور إشكاليته في كونه إجراء يمس بحرية الفرد ويقيدها بعض الشيء على الرغم من أن هذا الشخص لا يكون قد أُدين بعد، حيث يتم اتخاذ هذا الإجراء في مرحلة ما قبل المحاكمة والتي تنصب على تحضير الدعوى وتجهيزها وإعداد التحقيقات اللازمة والوافية، وهو ما يحتم إحاطة هذا الإجراء بسياج من الضمانات القوية والكافية التي تكفل عدم التوسع فيه أو التعسف في استخدامه، والاقتصار على اتخاذه في أضيق الحدود وفي حالة ما إذا دعت الحاجة إليه.

وقد تولى المشرع الكويتي مهمة تنظيم الحبس الاحتياطي وتحديد أحكامه وضوابطه وشروطه وغيرها من الأوجه المتعلقة بهذا الإجراء، وذلك في إطار مواد ونصوص قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 وتعديلاته، والذي حرص المشرع على تطويره وصقله بالتعديلات المتتالية، والتي اشتملت على تعديلات في الحبس الاحتياطي، وذلك لضمان توافقه ومواكبته للتطورات التي تطرأ على المجتمع الدولي فيما يخص نزرة المجتمع إلى العلاقة بين الإجراءات الجزائية وحقوق الإنسان وحرياته.

وسوف نتناول في مقامنا هذا وضع الحبس الاحتياطي في ظل أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي سواء قبل التعديلات التي تم إدخالها عليه أو بعد إعمال تلك التعديلات، متضمنين في سياق ذلك الطرح بياناً بأهم أوجه وجوانب الحبس الاحتياطي كإجراء قانوني.

وتكتسب هذه الدراسة حول الحبس الاحتياطي وضوابطه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي أهميتها من عدة جوانب تتشابك فيها الأبعاد القانونية والنظرية والتطبيقية، ويمكن إجمال هذه الأهمية في النقاط التالية:

أولاً: الأهمية الموضوعية:

  • يمثل الحبس الاحتياطي أحد أخطر الإجراءات الجزائية التي تمس حرية الأفراد، حيث يتيح للسلطة القضائية حبس شخص لا يزال متمتعاً بقرينة البراءة، وهو ما يجعله في قلب الصراع بين مصلحة التحقيق وحقوق الإنسان.
  • يرتبط الحبس الاحتياطي ارتباطاً وثيقاً بموضوع حقوق الإنسان والحريات العامة، حيث أن أي مساس بحرية الفرد – ولو كان مؤقتاً – يستدعي تدقيقاً قانونياً كبيراً وضوابط صارمة تحول دون تحوله إلى وسيلة للضغط على المتهم أو عقاب مسبق له.
  • تكمن أهمية الموضوع في أن الحبس الاحتياطي لا يعد مجرد إجراء شكلي، بل هو إجراء مؤثر في مجريات الدعوى الجزائية، حيث قد يؤثر على نفسية المتهم ووضعه المعيشي وأسرته، فضلاً عن آثاره القانونية في احتساب مدة الحبس من العقوبة في حالة الإدانة.

ثانياً: الأهمية التشريعية:

  • تسلط الدراسة الضوء على التعديلات التشريعية المتعلقة بالحبس الاحتياطي، وخاصة تعديل سنة 2021 الذي استثنى جرائم الرأي من نطاق تطبيقه، مما يبرز اتجاه المشرع الكويتي نحو مزيد من حماية الحقوق والحريات.
  • تسهم الدراسة في تحليل مدى كفاية النصوص القانونية الحالية في تحقيق التوازن بين مصلحة التحقيق وحماية حقوق المتهمين، وتحديد مواطن القصور التي قد تحتاج إلى مزيد من التنظيم والتطوير.
  • تقدم الدراسة رؤية حول مدى تناسب المدد المقررة للحبس الاحتياطي مع طبيعة الجرائم وخطورتها، وما إذا كانت هذه المدد بحاجة إلى إعادة نظر في ضوء المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ثالثاً: الأهمية القضائية والعملية:

  • تساعد الدراسة في توضيح الشروط والإجراءات الواجب اتباعها عند إصدار أمر الحبس الاحتياطي، مما يوجه العمل القضائي والأمني نحو التطبيق الصحيح للقانون، ويحد من حالات التجاوز في استخدام هذا الإجراء.
  • تقدم الدراسة إطاراً قانونياً واضحاً للجهات المختصة حول ضوابط تجديد الحبس الاحتياطي والسلطات المختصة بذلك، مما يسهم في توحيد الممارسات القضائية وتعزيز العدالة.
  • تفيد الدراسة في تعريف الموظفين القضائيين والأمنيين بأحقية المتهم في التظلم من أمر الحبس الاحتياطي، والإجراءات الواجب اتباعها في ذلك.

رابعاً: الأهمية الأكاديمية:

  • تسد الدراسة ثغرة في المكتبة القانونية الكويتية من خلال تقديم بحث متكامل حول الحبس الاحتياطي وضوابطه، مستعرضاً مختلف جوانبه القانونية والفقهية.
  • تسهم الدراسة في إثراء النقاش الفقهي حول طبيعة الحبس الاحتياطي وتكييفه القانوني، وما إذا كان إجراء احترازياً أم إجراء تحقيقياً أم إجراء تحفظياً، وهو ما يثري الفكر القانوني في هذا المجال.
  • تقدم الدراسة مادة علمية غنية يمكن الاستفادة منها في تدريس مقررات قانون الإجراءات الجزائية في كليات الحقوق والمعاهد الأكاديمية.

خامساً: الأهمية المجتمعية:

  • تعمل الدراسة على تعزيز ثقة المواطنين في القضاء والنظام القانوني، من خلال التأكيد على وجود ضوابط قانونية صارمة تحكم الحبس الاحتياطي وتمنع التعسف في استخدامه.
  • تسهم في نشر الوعي بحقوق المتهمين في مرحلة التحقيق، خاصة فيما يتعلق بحقهم في عدم احتجازهم إلا في أضيق الحدود، وحقهم في التظلم من أمر الحبس الاحتياطي.
  • تؤكد الدراسة على التزام القانون الكويتي بحماية حرية الرأي والتعبير، من خلال استثناء جرائم الرأي من الحبس الاحتياطي، وهو ما يعكس احترام الدولة للحقوق الأساسية.

أهداف البحث

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تتوزع بين الأهداف العلمية النظرية والأهداف التطبيقية العملية، ويمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الأهداف العلمية النظرية:

  • تقديم تعريف شامل ومحدد للحبس الاحتياطي، وذلك من خلال استعراض مختلف التعاريف الفقهية، والخروج بتعريف جامع يحدد ماهيته وطبيعته القانونية، خاصة في ظل خلو قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي من تعريف نصي له.
  • تحليل التكييف القانوني للحبس الاحتياطي، وذلك من خلال استعراض الآراء الفقهية المختلفة حول طبيعته القانونية، وبيان موقف المشرع الكويتي الذي اعتبره إجراءً قانونياً تحفظياً استثنائياً وقائياً مؤقتاً.
  • تحديد المبررات الداعية إلى الحبس الاحتياطي، والتي تتمثل في الخشية من هروب المتهم، وخشية تأثيره على سير التحقيقات، وحماية المجتمع من خطورته الإجرامية، وحماية المتهم نفسه من انتقام المجني عليه أو ذويه.
  • التمييز بين الحبس الاحتياطي والإجراءات المشتبهة معه، كالاستيقاف والعقوبة السالبة للحرية والقبض، وذلك من خلال بيان أوجه التشابه والاختلاف بينها لإزالة أي لبس أو غموض حولها.

ثانياً: الأهداف التطبيقية العملية:

  • تحديد الشروط الشكلية والموضوعية اللازم توافرها لصحة الأمر بالحبس الاحتياطي، والتي تتمثل في صدوره من السلطة المختصة، وكتابته، واشتماله على بيانات أساسية، ووجود دلائل كافية على اتهام المتهم، واستجوابه قبل الحبس.
  • بيان إجراءات تظلم المتهم من أمر الحبس الاحتياطي، والسلطة المختصة بنظر هذا التظلم، والمدة الزمنية المقررة لذلك، والآثار المترتبة على قبول التظلم أو رفضه.
  • استعراض المدد المقررة للحبس الاحتياطي في الجنايات والجنح، وبيان ضوابط تجديدها من قبل رئيس المحكمة ومن قبل محكمة الموضوع، والحدود القصوى لمدة الحبس الاحتياطي في كل حالة.
  • تحليل استثناء جرائم الرأي من نطاق الحبس الاحتياطي، وذلك في ضوء التعديل التشريعي الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2021، وبيان مبررات هذا الاستثناء ومداه.

ثالثاً: الأهداف المنهجية:

  • اعتماد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص القانونية والأحكام القضائية ذات الصلة بالحبس الاحتياطي.
  • تحليل النصوص القانونية الكويتية ذات الصلة، وفي مقدمتها المواد (69، 70) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، وكذلك المادة (9) منه، والقانون رقم 1 لسنة 2021.
  • استعراض آراء الفقه القانوني المختلفة حول طبيعة الحبس الاحتياطي وشروطه ومدده، والخروج بتصور متكامل حول هذا الإجراء.

رابعاً: الأهداف الإصلاحية والتطويرية:

  • تقديم توصيات للجهات التشريعية والقضائية يمكن من خلالها تطوير النصوص القانونية المنظمة للحبس الاحتياطي، وتعزيز الضمانات القانونية للمتهمين.
  • المساهمة في تطوير الممارسات القضائية والأمنية المتعلقة بالحبس الاحتياطي، وذلك من خلال التأكيد على الضوابط والشروط الواجب مراعاتها.
  • نشر الوعي بحقوق المتهمين في مرحلة التحقيق، وأهمية عدم اللجوء إلى الحبس الاحتياطي إلا في أضيق الحدود وبعد استيفاء كافة الضمانات القانوني

أولاً: مفهوم الحبس الاحتياطي

يدور مفهوم الحبس الاحتياطي في فلك حرمان الشخص الذي يتم توجيه الاتهام إليه بارتكاب جريمة ما من حريته، ويكون ذلك الحرمان لمدة محددة من الزمن، ويتم عن طريق إيداعه في سجن من السجون حتى تمام انتهاء إجراءات التحقيق معه بشأن تلك الجريمة المنسوبة إليه، أي أنه إجراء مؤقت لمدة زمنية محددة والغرض منه ضمان وجود هذا الشخص تحت يد سلطة التحقيق لحين انتهائها من التحقيق معه، ولا يعد الحبس الاحتياطي بمثابة عقوبة بل هو إجراء من إجراءات التحقيق والذي يتم اتخاذه بغرض تحقيق مصلحة للتحقيق وليس معاقبة من يُتخذ ضده هذا الإجراء.

وعلى الرغم من عدم تعرض المشرع الكويتي لتعريف الحبس الاحتياطي، حيث لم يرد بشأنه تعريفاً مستقلاً وواضحاً في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، واكتفى المشرع بوضع القواعد والضوابط المنظمة له، إلا أن الفقه القانوني قد تعرض له بأكثر من تعريف، ومن أبرز تلك التعاريف:

  • عرف جانب من الفقه الحبس الاحتياطي بأنه يمثل وسيلة تهديد وإكراه يشتمل على حبس الشخص للوقوف على مدى صحة الادعاءات المقدمة ضده بارتكاب جريمة ما[1].
  • ذهب جانب آخر إلى تعريف الحبس الاحتياطي على أنه سلب الحرية الخاصة بشخص يكون متهماً بارتكاب جريمة، ويكون هذا الحبس محدداً بمدة زمنية محددة، ويصدر بناء على ما تقرره أحكام القانون وبغرض تحقيق لمقتضيات التحقيق معه[2].
  • تم تعريفه أيضاً بأنه إجراء احتياطي يتم بموجب أمر يصدر من الجهة القضائية المختصة، ويتم بمقتضاه وضع الشخص المشتكى عليه في الحبس بإحدى دور التوقيف التي تعتمدها السلطات المختصة، وذلك لمدة معينة يحددها القانون ويذكرها الأمر الصادر بالحبس، وطبقاً لما تقتضيه مصلحة التحقيق.
  • بينما عرفه البعض بأنه تقييد حرية الشخص الذي يتم اتهامه بارتكاب جريمة، وذلك لفترة زمنية مؤقتة ومحددة على ذمة التحقيقات التي تُجرى معه بشأن تلك الجريمة، على أن تكون هذه الجريمة من الجرائم التي يجيز فيها القانون لسلطة التحقيق أن تتخذ مثل هذا الإجراء، وأن تتوافر الشروط التي استلزمها القانون في شأنه.

مما يمكننا معه أن نستخلص تعريفاً للحبس الاحتياطي بأنه إجراء من الإجراءات القانونية التي يُستهدف من خلاله الحفاظ على المتهم لتحقيق مصلحة يقتضيها التحقيق معه في جريمة يُتهم بارتكابها، وبموجبه يتم وضعه في الحبس بشكل احتياطي ولمدة محددة ووفقاً لقواعد وضوابط يقررها القانون.

ثانياً: التكييف القانوني للحبس الاحتياطي

ثار جدلاً واختلافاً واسعاً بين الفقه القانوني بشأن تكييف الحبس الاحتياطي والطبيعة القانونية الخاصة به، وأثمر هذا الجدل عن العديد من الآراء المختلفة في هذا الشأن، وهناك رأيين رئيسيين نوضحهما على النحو التالي:

(1) الرأي الأول: أن الحبس الاحتياطي هو إجراء من الإجراءات الاحترازية والوقائية

من أهم مؤيدي هذا الرأي هم معتنقي نظرية الدفاع الاجتماعي، وقد ذهب أنصار هذا الرأي إلى تكييف الطبيعة القانونية للحبس الاحتياطي بأنه إجراء احترازي وقائي، واستندوا في هذا التكييف إلى أن الغرض الرئيسي والأساسي منه هو الحفاظ على سلامة التحقيقات، وذلك عن طريق وضع المتهم تحت تصرف الجهة القائمة بإجراء التحقيق، بحيث يمكنها إخضاعه للاستجواب في أي وقت طالما لازالت التحقيقات جارية، بجانب أن الحبس الاحتياطي يقي المجتمع من الخطورة الإجرامية لهذا المتهم، ويحول بينه وبين تكرار ارتكاب جريمة مماثلة للجريمة التي يتم التحقيق معه بشأنها، وأيضاً وقاية وحماية للمتهم من انتقام المجني عليه أو ذويه، ولذلك فإن الهدف من هذا الإجراء هو هدف احترازي ووقائي في آن واحد.

وقد وجهت بعض أوجه النقد إلى هذا الرأي، كان أبرزها عدم جواز وصف الحبس الاحتياطي بأنه إجراء أو تدبير احترازي، لاسيما وأن هناك فارق كبير بين طبيعة الإجراء أو التدبير الاحترازي وبين طبيعة الحبس الاحتياطي، فالإجراء أو التدبير الاحترازي لا يتم اتخاذه ضد أي شخص إلا بعد ثبوت ارتكابه للجريمة، ويكون الغرض منه مواجهة الخطورة الإجرامية لدى هذا الشخص وإسباغ الحماية منها على المجتمع، في حين أن الحبس الاحتياطي هو إجراء يتم اتخاذه ضد شخص لا يزال في مرحلة التحقيقات ولم تثبت عليه أي إدانة، بل هو لا يزال تحت مظلة مبدأ أن الأصل في المتهم البراءة إلى أن تثبت إدانته.

كما انتده البعض أيضاً بوجه نقد قوامه أن القول بأن الحبس الاحتياطي يمثل إجراء احترازي هو خروج بالحبس الاحتياطي عن الأساس والهدف الذي شرع من أجله، حيث تم النص عليه لغرض الحفاظ على سير التحقيقات وتحقيق صالحها، وليس كتدبير احترازي يكون الغرض الأساسي منه هو سلب حرية المتهم، بما يجعله وفقاً لهذا التكييف متعارضاً مع مبدأ الحرية الشخصية المكفولة للجميع.

(2) الرأي الثاني: أن الحبس الاحتياطي هو إجراء من إجراءات التحقيق

ذهب السواد الأعظم من الفقه القانوني إلى الأخذ بالرأي القائل بأن الحبس الاحتياطي يمثل أحد الإجراءات الخاصة بالتحقيق، وذلك باعتباره إجراء تستلزمه وتقتضيه مصلحة التحقيق، والتي يلزم ترجيحها على المصلحة الشخصية للمتهم[3].

وعلى الرغم من التأييد الكبير الذي وجده هذا الرأي لدى الفقه القانوني، إلا أنه لم يسلم أيضاً من النقد، حيث انتقده جانب من الفقه الذي رأى أن الحبس الاحتياطي لا يجوز اعتباره إجراء من إجراءات التحقيق، لكون إجراءات التحقيق دائماً ما تستهدف إيجاد الأدلة التي تساعد على كشف الجريمة ومعرفة فاعلها، وهو ما لا يحققه الحبس الاحتياطي بأي حال من الأحوال، وإن كان من الممكن اعتباره أمر من أوامر التحقيق باعتباره يكفل الحماية للأدلة من عبث أو تلاعب المتهم بها، أو يضمن عدم فراره خارج البلاد أثناء التحقيقات.

وتم انتقاده أيضاً بناء على أن مسمى إجراء من إجراءات التحقيق يضع الحبس الاحتياطي في مصاف الإجراءات اللازم اتخاذها من قبل جهة التحقيق، في حين أن الحبس الاحتياطي ليس إجراءاً واجباً اتخاذه من قل جهة التحقيق بل هو إجراء استثنائي يجوز لها اتخاذه متى رأت أن مصلحة التحقيق تقتضيه، كما يجوز لها أن تلتفت عنه ولا تتخذه متى لم تقتضي الحاجة إلى ذلك.

(3) موقف المشرع الكويتي بشأن التكييف القانوني للحبس الاحتياطي

بالنظر إلى موقع نصوص المواد المنظمة للحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، سنجد أن المشرع الكويتي قد وضعها ضمن الفصل الثاني من القانون والمعنون بـ (الإجراءات التحفظية)، وهو ما يجعلنا بداية نرى أن المشرع الكويتي قد اعتبر أن الحبس الاحتياطي هو إجراء تحفظي.

كما يتبين من نص المادة رقم (69) من ذات القانون أن الحبس الاحتياطي هو إجراء قانوني استثنائي أجاز القانون للمحقق أن يصدره بناء على رؤيته أن مقتضيات التحقيق تستلزم ذلك، وهو ما يجعله إجراءاً قانونياً استثنائياً.

ومن ذات نص المادة آنفة الذكر يتبين لنا أن المشرع قد قيد الحبس الاحتياطي بمدة محددة، وهو ما نستدل منه على أنه إجراءاً مؤقتاً.

ونصت نفس المادة أيضاً على أهم مبررات الأمر بالحبس الاحتياطي، والتي تمثلت في منع المتهم من الهرب أو من التأثير في سير التحقيقات، وهي تعد مبررات وقائية تحول دون تحقق أي أمر من الأمور التي قد تؤثر على سير التحقيقات، مما يمنح الحبس الاحتياطي الصفة الوقائية.

ومن خلال ما سبق جميعه يمكننا أن نستوضح موقف المشرع الكويتي من التكييف القانوني للحبس الاحتياطي، حيث لم يعتنق أياً من الرأيين الفقهيين سالفي البيان، بل اعتبر أن الحبس الاحتياطي هو إجراء قانوني تحفظي استثنائي وقائي مؤقت، ولا يصدر إلا من سلطة التحقيق المختصة.

ثالثاً: المبررات الداعية للحبس الاحتياطي

كما سبق وأن أشرنا فإن الحبس الاحتياطي هو إجراء مقرر من حيث الأصل لمقتضيات التحقيق مع الشخص المتهم بارتكاب جريمة، وهذه المقتضيات في جوهرها – بجانب بعض الدواعي الأخرى – تعد بمثابة المبررات التي تعتمد عليها الجهة القضائية المختصة عند إصدارها للأمر بالحبس الاحتياطي، ويمكننا أن نوجز أهم وأبرز تلك المقتضيات والمبررات التي ذكرتها مؤلفات الفقه القانوني في النقاط الآتي بيانها:

  • من أهم مبررات ومقتضيات الأمر بحبس المتهم احتياطياً على ذمة التحقيقات هو خشية قيامه بالهروب خارج البلاد قبل إتمام التحقيقات معه بشأن الجريمة المنسوبة إليه، فيكون وضعه قيد الحبس الاحتياطي هو أفضل سبيل لتجنب تحقق تلك المخاوف، وذلك حتى انتهاء التحقيقات وإحالته للمحاكمة أو إخلاء سبيله.
  • الحبس الاحتياطي للمتهم يساعد في حماية أدلة الجريمة من تلاعب وعبث المتهم بها وتغييره لمعالم وحقائق الجريمة، وأيضاً حماية الشهود على الجريمة من تهديد المتهم لهم وبطشه بهم لدفعهم على تغيير شهادتهم، والذب حال تحققه قد يؤثر بشكل سلبي كبير على سير التحقيقات وسلامتها.
  • في حالة ضبط المتهم متلبساً بارتكاب الجريمة يكون الدافع لحبسه احتياطياً هو قوة الأدلة على ارتكابه لتلك الجريمة، حيث يعد ضبطه متلبساً بارتكابها من أقوى الأدلة على إدانته، بجانب ما تؤكده حالة التلبس من خطورة إجرامية للمتهم تستدعي إبعاده عن المجتمع خلال فترة التحقيقات حماية للمجتمع، لاسيما وأن تلك الخطورة الإجرامية قد تجعله يقوم بارتكاب جريمة مماثلة للجريمة التي ارتكبها متى تم إطلاق سراحه خلال فترة التحقيقات، فيعد الحبس الاحتياطي عندئذ بمثابة إجراءاً وقائياً.
  • في بعض الأحيان قد يجد الحبس الاحتياطي مبرره في حماية المتهم والحفاظ عليه من أي اعتداء قد يصيبه من المجني عليه أو ذويه، حيث أن عدم حبسه وإطلاق سراحه قد يجعله سهل المنال وعرضة للضرر، وبالتالي يكون حبسه احتياطياً هو إجراء للحيلولة بينه وبين ذلك.

ولم يقم المشرع الكويتي بذكر كافة تلك المبررات لصدور أمر الحبس الاحتياطي في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، بل اقتصر على ذكر حالة الحفاظ على مصلحة التحقيق سواء للخشية من هروب المتهم أو تأثيره على سير التحقيقات، وذلك طبقاً لما جاء بصدر المادة رقم (69) من القانون، ونرى أن سائر المبررات الأخرى يفرضها الواقع وظروف الحال، وتعد مستمدة من المبدأ العام الذي قرره المشرع بنص المادة آنفة الذكر والمتمثل في الحفاظ على مصلحة التحقيقات، ولعل ذلك هو ما دعا الفقه القانوني إلى تقرير مثل تلك الحالات على الرغم من عدم النص عليها في القانون.

رابعاً: التفرقة بين الحبس الاحتياطي وما يشتبه معه من إجراءات

باعتبار أن الحبس الاحتياطي يُعد إجراء من الإجراءات الاستثنائية التي ينص عليها قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، فهو ليس الإجراء الاستثنائي الوحيد الذي ينص عليه هذا القانون، بل هناك العديد من تلك الإجراءات الاستثنائية التي تستمد وجودها منه، والتي قد يختلط العديد منها لدى البعض وتتشابه في نظرهم مع الحبس الاحتياطي، لذا فقد كان لزاماً علينا أن نتعرض لبعض تلك الإجراءات ونضع الحدود الفاصلة بينها وبين الحبس الاحتياطي، وذلك لإزالة أي لبس أو غموض بخصوص هذا الأمر.

(1) التفرقة بين الحبس الاحتياطي والاستيقاف

الاستيقاف هو إجراء قانوني نظم المشرع الكويتي أحكامه بموجب نص المادة رقم (52) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، ويقصد بالاستيقاف الإجراء الذي يجيز لرجل الشرطة إيقاف أي شخص وطلب الاطلاع على هويته وأي بيانات أخرى قد تفيد في معرفة شخصيته، وذلك متى كان استيقاف هذا الشخص لازماً للتحريات التي يباشرها، وله في حال رفض هذا الشخص إبراز ما يفيد هويته أو صرح بمعلومات وبيانات كاذبة عن حقيقة شخصه أو لاح لرجل الشرطة قرائن على ارتكاب هذا الشخص لجناية أو جنحة أن يقوم باصطحابه إلى مركز الشرطة.

ومن التعريف السابق للاستيقاف يتبين لنا الاختلاف الكبير بينه وبين الحبس الاحتياطي، فبداية نجد أن الاستيقاف – بخلاف الحبس الاحتياطي – لا يشترط صدور أمر به من الجهة القضائية المختصة، بل يقوم رجل الشرطة به من تلقاء نفسه متى تراءت له أن هناك قرائن أو شبهات تحيط بالشخص محل الاستيقاف.

كما أن الاستيقاف ليس إجراءاً يلزم اتخاذه من قبل السلطة القضائية، بل هو إجراء يكفي لاتخاذه أن يكون القائم به متمتعاً بصفة الضبطية الإدارية، حيث أنه إجراء وقائي يهدف إلى منع وقوع الجريمة وليس – كالحبس الاحتياطي – إجراءاً قضائياً يتم تنفيذه من قبل من يحمل صفة الضبطية القضائية، ويتم باعتباره من مقتضيات التحقيق في جريمة وقعت بالفعل.

بجانب ما سبق فإن الاستيقاف لا يترتب عليه بشكل حتمي تقييد حرية الشخص محل الاستيقاف، إلا إذا ترتب على استيقافه اكتشاف أدلة على ارتكابه لجناية أو جنحة، بينما الحبس الاحتياطي في حد ذاته هو إجراء يترتب عليه تقييد الحرية بشكل مؤقت لمن يتم اتخاذ هذا الإجراء ضده.

(2) التفرقة بين الحبس الاحتياطي والعقوبة السالبة للحرية

على الرغم من أن الحبس الاحتياطي مثله في ذلك مثل العقوبات السالبة للحرية يترتب عليه تقييد حرية الشخص لفترة زمنية محددة، إلا أن كلاً منهما يختلف عن الآخر في الطبيعة القانونية لكل منهما، فالحبس الاحتياطي في جوهره هو إجراء تحفظي مؤقت يتم اتخاذه من قل جهات التحقيق بغرض سلامة التحقيق الذي يتم مع الشخص الذي يتم اتخاذ قرار الحبس الاحتياطي بشأنه، بينما العقوبة السالبة للحرية كالحبس أو السجن فهي جزاء جنائي يتم فرضه بناء على حكم قضائي نهائي يصدر بإدانة المتهم بغرض تحقيق الردع بنوعيه العام والخاص.

بجانب ذلك فالمتهم الذي يتم توقيع الحبس الاحتياطي عليه يكون بريئاً حتى تثبت إدانته، لكونه لا يزال قيد التحقيقات التي قد تثبت إدانته وتحيله إلى المحاكمة أو تثبت براءته ويتم إخلاء سبيله، بينما العقوبة السالبة للحرية تكون نهائية بعد ثبوت إدانة المحكوم عليه بارتكاب الجريمة ومعاقبته عليها.

(3) التفرقة بين الحبس الاحتياطي والقبض

عرف المشرع الكويتي القبض بموجب نص المادة رقم (48) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، وذلك على أنه “القبض هو ضبط الشخص وإحضاره ولو جبراً أمام المحكمة أو المحقق بموجب أمر صادر منه أو بغير أمر في الحالات التي ينص عليها القانون)، وبالتالي فإن القبض مثله في ذلك مثل الحبس الاحتياطي إجراء من إجراءات التحقيق، والذي يستهدف منه حرمان الشخص من الحرية التي يتمتع بها في الانتقال والتجول، وذلك لمدة قصيرة يوضع خلالها تحت يد سلطة التحقيق، وذلك لحين الوقوف على مدى ضرورة حبسه بصورة احتياطية أو إخلاء سبيله.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين القبض والحبس الاحتياطي، إلا أنهما يختلفان في جوهرهما أكثر من من اختلاف، وتتمثل تلك الاختلافات في:

  • يُشترط في الحبس الاحتياطي أن يتم صدور الأمر به من قبل الجهة المختصة والمتمثلة في المحقق أو النيابة العامة ولا يجوز أن يصدر من أي جهة أخرى، بينما أمر القبض يكون سليماً وخالية من ثمة شائبة تبطله متى تم في حالة من الحالات التي يقرها القانون، وذلك بغض النظر عن القائم بتنفيذه سواء كان رجل شرطة أو من حاملي صفة الضبطية القضائية أو حتى كان شخص عادي.
  • يصبح أمر الحبس الاحتياطي باطلاً متى لم يقم المحقق أو النيابة العامة باستجواب الشخص الصادر ضده الأمر بعد مثوله أمامها، لاسيما وأن الاستجواب هو حق من حقوقه لكونه يدخل في إطار حقوقه للدفاع عن نفسه، في حين أن القبض لا يستلزم استجواب الشخص المقبوض عليه، بل يمكن أن يتم إخلاء سبيله بعد القبض عليه ودون إجراء أي استجواب معه.
  • يختلف القبض عن الحبس الاحتياطي من حيث المدة المقررة لكل منهما، حيث أن الشخص المقبوض عليه لا يجوز أن تمتد فترة القبض عليه أكثر من 48 ساعة متى كان متهماً في جنحة أو أكثر من 4 أيام متى كان متهماً في جناية، بينما في الحبس الاحتياطي لا يجوز أن تتجاوز مدته 10 أيام في حالة الاتهام بارتكاب جنحة أو ثلاثة أسابيع متى كان الاتهام بارتكاب جناية[4].

خامساً: الشروط اللازم توافرها لصحة الأمر بالحبس الاحتياطي

لا يتم اتخاذ إجراء الحبس الاحتياطي إلا بموجب أمر تصدره جهة التحقيق المختصة بإجراء التحقيقات مع المتهم الصادر ضده الأمر، وحتى يكون الأمر بالحبس الاحتياطي صادراً بشكل قانوني سليم يرتب آثاره القانونية فإنه يلزم أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط، وتلك الشروط تنقسم إلى نوعين، النوع الأول هو الشروط الشكلية، والنوع الثاني هو الشروط الموضوعية.

(1) الشروط الشكلية

النوع الأول من الشروط التي يلزم أن تتوافر في الأمر بالحبس الاحتياطي هو الشروط الشكلية، والتي يمكننا أن نوجزها على النحو التالي:

  • بداية يجب أن يكون الأمر بالحبس الاحتياطي صادراً من السلطة المختصة بإصداره، وهو أمر بديهي ومنطقي حيث أنه لا مجال للحديث عن صحة أي أمر أو إجراء إلا إذا صدر من الجهة التي خصها القانون بسلطة إجراؤه أو اتخاذه، وقد منح قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي سلطة إصدار أمر الحبس الاحتياطي إلى جهة التحقيق التي تجري التحقيق مع المتهم الصادر بشأنه أمر الحبس الاحتياطي، وجهة التحقيق في ذلك الأمر وفقاً لنص المادة التاسعة من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي لا تخرج عن جهتين، الأولى هي النيابة العامة في حال كانت الجريمة التي يتم إجراء التحقيق فيها مصنفة كجناية، والثانية هي المحقق المختص متى كانت الجريمة مصنفة كجنحة.
  • يلزم أيضاً لتوافر صحة الشكل في الأمر بالحبس الاحتياطي أن يتحقق شرط الكتابة، حيث يجب أن يكون أمر الحبس الاحتياطي صادراً في شكل مكتوب، وأن يتم تذييله بتوقيع من أصدره – وكيل النيابة أو المحقق – ومختوماً بالختم الخاص بالجهة التي أصدرته.
  • يجب أن يتضمن أمر الحبس الاحتياطي مجموعة من البيانات الأساسية والجوهرية التي لا يصح هذا الأمر بدونها، وتتمثل هذه البيانات في الآتي:
  • اسم ومحل إقامة وجنسية وسن المتهم المطلوب حبسه احتياطياً بشكل واضح ونافي للجهالة وكافياً لتحديده.
  • رقم القضية التي يتم التحقيق فيها والمطلوب حبسه احتياطياً على ذمة التحقيقات الخاصة بها.
  • السبب الذي دعا إلى إصدار هذا الأمر.
  • الوصف القانوني للجريمة المنسوبة إلى المتهم، وأنها من الجرائم التي يجوز فيها إصدار أمر بالحبس الاحتياطي.
  • المدة المحددة للحبس الاحتياطي.
  • تاريخ إصدار أمر الحبس الاحتياطي.
  • تاريخ تنفيذ الأمر، وتاريخ ووقت القبض على المتهم.
  • يلزم أن يتضمن الأمر بالحبس الاحتياطي ذكراً واضحاً للمدة التي سيتم حبس المتهم خلالها، ويجب ألا تزيد عن المدة التي يحددها القانون في هذا الشأن، وسوف نوضح قدر تلك المدة في موضعها، فإذا خلا أمر الحبس الاحتياطي من مدته بات باطلاً.

(2) الشروط الموضوعية

بجانب الشروط الشكلية آنفة البيان والتي يلزم توافرها لصحة الأمر بالحبس الاحتياطي، فإن هناك أيضاً مجموعة من الشروط الموضوعية التي يجب أن تتوافر فيه هي الأخرى، وتتمثل هذا الشروط الموضوعية في:

  • يجب أن تكون الجريمة التي يتم التحقيق فيها من الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي، وبالرجوع إلى نص المادة رقم (69) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي يتبين لنا أن المشرع قد أجاز الحبس الاحتياطي في الجرائم المصنفة كجنح أو جنايات بوجه عام[5]، وبالتالي يكون أمر الحبس الاحتياطي سليماً متى صدر ضد متهم بارتكاب جنحة أو جناية أياً كان نوعها، ولا يجوز إصداره في المخالفات وذلك لكونها لا تدخل في إطار الجرائم التي يجيز القانون حبس المتهم بها احتياطياً.
  • يجب أيضاً أن يستند أمر الحبس الاحتياطي إلى وجود دلائل واضحة وكافية لترجيح ارتكاب المتهم الصادر بشأنه أمر الحبس الاحتياطي للجريمة محل التحقيق، ولا يُقصد بالدلائل مجرد ظنون المحقق أو شعوره بأن المتهم هو ارتكب الجريمة، بل يلزم وجود أدلة تكفي لحمله على تلك الظنون وهذا الشعور، وأن تكون تلك الأدلة قائمة على أسس صحيحة وقوية، حتى وإن كانت تتمتع بذلك من وجهة نظر المحقق فقط، وفي جميع الأحوال يكون تقدير تلك الأدلة خاضعاً لرقابة محكمة الموضوع، ويعد ذلك الشرط من ضمانات حماية الحرية الشخصية للمتهم، حيث لا يترك قرار الحبس الاحتياطي للأهواء ولكنه يجعله مؤيداً بأسانيد ودلائل تدعمه وتبرره.
  • يجب أن يقوم المحقق باستجواب المتهم وسماع أقواله بعد القبض عليه وقبل تنفيذ أو الحبس الاحتياطي، ويعد هذا الشرط استكمالاً للشروط الموضوعية للحبس الاحتياطي، بحيث يعد هذا الإجراء باطلاً متى لم يتم استجواب المتهم وسماع أقواله قبل حبسه، ويعد هذا الشرط ضمانة لحقوق المتهم في الدفاع، حيث يمنحه فرصة الإدلاء بأقواله وإبداء دفوعه والعلم بما هو موجه إليه من اتهامات.

سادساً: تظلم المتهم من أمر الحبس الاحتياطي

بعد صدور الأمر بحبس المتهم احتياطياً من قبل جهة التحقيق المختصة، وضبط المتهم والقبض عليه تمهيداً لتنفيذ الأمر، فإن القانون قد أجاز للمتهم أن يتظلم من أمر الحبس الاحتياطي الصادر ضده، وتكون الجهة المختصة بنظر هذا التظلم هي رئيس المحكمة المختصة بنظر طلبات تجديد الحبس.

وبعد عرض التظلم على رئيس المحكمة المختصة بتجديد الحبس الاحتياطي فإنه يلتزم بأن ينظر التظلم ويُصدر قراره فيه بالقبول أو الرفض خلال مدة محددة قررها المشرع، وتتمثل تلك المدة في ثمان وأربعين ساعة من تاريخ تقديم المتهم للتظلم، وهذا الموعد هو موعد إلزامي لا يجوز لرئيس المحكمة أن يتعداه ويجب أن يصدر قراره قبل مروره.

فإذا وجد رئيس المحكمة أن التظلم في محله، وأن الأسباب التي استند إليها المتهم في تظلمه هي أسباب وجيهة وقوية، وأن مبررات الحبس الاحتياطي غير متحققة، فإنه يصدر قراره بقبول التظلم وإلغاء قرار الحبس الاحتياطي الصادر ضد المتهم، وإصدار الأمر بإخلاء سبيل المتهم.

أما إذا انتهى رئيس المحكمة إلى رفض التظلم المقدم من المتهم والاستمرار في تنفيذ أمر الحبس الاحتياطي الصادر ضده، فإن المشرع قد ألزمه في تلك الحالة بتسبيب قراره برفض التظلم، أي أن رئيس المحكمة يلتزم بتضمين قراره برفض التظلم الأسباب التي استند إليها في هذا الرفض.

سابعاً: مدة الحبس الاحتياطي

نظراً لما يمثله الحبس الاحتياطي من تقييد لحق المتهم في حريته على الرغم من كونه ليس مداناً بعد بارتكاب أي جريمة، فقد حرص المشرع على أن يكون الحبس الاحتياطي – باعتباره إجراءاً استثنائياً – مؤقتاً ولمدة محددة.

وقد وضع المشرع الكويتي تحديداً واضحاً لأقصى مدة حبس للمتهم يمكن أن يتضمنها أمر الحبس الاحتياطي، ولكنه فرق في شأن ذلك إلى نوعين مختلفين من مدد الحبس الاحتياطي، وذلك ما سنوضحه على النحو التالي:

  • النوع الأول: يتمثل في المدة المحددة كحد أقصى للحبس الاحتياطي للمتهم في الجرائم المصنفة كجناية، والتي لا يجوز للأمر بالحبس الاحتياطي أن يتجاوزها، وهذه المدة هي ثلاثة أسابيع كحد أقصى.
  • النوع الثاني: يتمثل في المدة المحددة كحد أقصى للحبس الاحتياطي للمتهم في الجرائم المصنفة كجنحة، والتي لا يجوز للأمر بالحبس الاحتياطي أن يتجاوزها، وهذه المدة هي عشرة أيام كحد أقصى.

وهاتين المدتين هما الحد الأقصى للحبس الاحتياطي في كل نوع، حيث أن الأمر بالحبس الاحتياطي قد يتضمن مدة أقل ولكنه لا يجوز أن يتعدى الحد الأقصى الموضح سلفاً، وفي كلتا الحالتين يتم احتساب مدة الحبس الاحتياطي الصادر بها الأمر من تاريخ القبض على المتهم وليس من تاريخ صدور الأمر.

ثامناً: هل يجوز تمديد مدة الحبس الاحتياطي؟

بعد أن يصدر الأمر بالحبس الاحتياطي من الجهة المختصة بإصداره والمتمثلة في النيابة العامة أو المحقق، ويتم ضبط المتهم وحبسه احتياطياً نفاذاً لهذا الأمر، فإنه وبمجرد انتهاء تلك المدة يصبح الأمر واجباً بالإفراج عن المتهم وإخلاء سبيله، لاسيما وأن النيابة العامة أو المحقق قد تخلي سبيله مبكراً وقبل انتهاء مدة الحبس الاحتياطي المذكورة في الأمر، وذلك متى انتهت التحقيقات مع المتهم وانتهت الدوافع والمبررات التي تبقيه قيد الحبس الاحتياطي.

ولكن التساؤل هنا يثور بشأن الحالة التي تنتهي فيها مدة الحبس الاحتياطي الصادر بها الأمر، وتكون جهة التحقيق مازالت تجري تحقيقاتها وترغب في أن يظل المتهم قيد الحبس الاحتياطي لفترة أطول، فهل يجوز تمديد أمر الحبس الاحتياطي في تلك الحالة؟

وضع المشرع الكويتي الإجابة على هذا التساؤل بصورة جلية وواضحة، وذلك فيما جاء بنص المادتين رقمي (69) و(70) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي وتعديلاته، حيث حدد القواعد والأحكام السارية والواجب تطبيقها في حالة رغبت جهة التحقيق في تمديد مدة الحبس الاحتياطي للمتهم، وسنوضح ذلك على النحو التالي:

(1) عرض المتهم على رئيس المحكمة

متى ارتأت جهة التحقيق أن مدة الحبس الاحتياطي للمتهم يلزم تجديدها، فإن القانون يلزمها بأن تقوم بعرض ملف القضية والمتهم المحبوس احتياطياً على ذمتها على رئيس المحكمة المختصة، شريطة أن يتم هذا العرض قبل انتهاء مدة الحبس الاحتياطي، فلا يجوز لجهة التحقيق أن تقوم بمد أو تجديد مدة الحبس الاحتياطي من تلقاء ذاتها، كما لا يجوز لها عرض المتهم على المحكمة المختصة لتجديد حبسه احتياطيا بعد انتهاء مدة الحبس الاحتياطي الصادر بها الأمر، بل يجب أن يتم العرض قبل انتهاء تلك المدة، وفي الغالب يتم عرض المتهم في اليوم الأخير من مدة الحبس الاحتياطي.

(2) إصدار رئيس المحكمة لقراره في طلب تجديد الحبس الاحتياطي

بعد ان يتم عرض المتهم المحبوس احتياطياً على رئيس المحكمة المختصة لتجديد حبسه احتياطياً، وبعد اطلاعه على ملف القضية وما تم فيها من تحقيقات، فإذا ما رأى أن طلب تجديد الحبس الاحتياطي له ما يبرره وأن مقتضيات التحقيق تقتضي استمرار حبس المتهم، فيصدر رئيس المحكمة أمره بتجديد الحبس الاحتياطي، وتختلف مدة هذا الحبس بحسب نوع القضية الموجه فيها الاتهام للمتهم وذلك على النحو التالي:

  • إذا كانت القضية الموجه فيها الاتهام للمتهم هي جناية، فإن أقصى مدة حبس احتياطي يجوز لرئيس المحكمة أن يجدد أمر حبس المتهم احتياطياً خلالها هي خمسة عشر يوماً كحد أقصى لا يجوز له أن يتجاوزه، ويجوز أن يتم طلب تجديد مدة الحبس لأكثر من مرة وفي كل مرة منها يجوز لرئيس المحكمة أن يصدر أمره بتجديد الحبس متقيداً فيه بالحد الأقصى سالف البيان، إلا أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مجملها عن ثمانين يوماً فقط لا غير.
  • إذا كانت القضية الموجه فيها الاتهام للمتهم هي جنحة، فإن أقصى مدة حبس احتياطي يجوز لرئيس المحكمة أن يجدد أمر حبس المتهم احتياطياً خلالها هي عشرة أيام كحد أقصى لا يجوز له أن يتجاوزه، ويجوز أن يتم طلب تجديد مدة الحبس لأكثر من مرة وفي كل مرة منها يجوز لرئيس المحكمة أن يصدر أمره بتجديد الحبس متقيداً فيه بالحد الأقصى سالف البيان، إلا أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مجملها عن أربعين يوماً فقط لا غير.

(3) طلب تجديد الحبس الاحتياطي بعد انتهاء الحد الأقصى المسموح به

في بعض الأحوال قد تبلغ مدة الحبس الاحتياطي حدها الأقصى آنف البيان – ثمانين يوماً في الجنايات وأربعين يوماً في الجنح – دون أن تنتهي التحقيقات، وبالتالي قد يقتضي استكمال التحقيقات استمرار حبس المتهم احتياطياً، فهل توجد إمكانية لذلك؟

أجاب المشرع الكويتي على ذلك التساؤل أيضاً، وذلك بموجب ما جاء بنص المادة رقم (70) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، حيث أجاز في تلك الحالة لجهة التحقيق أن تتقدم بطلب تجديد مدة الحبس الاحتياطي للمتهم، ويكون الاختصاص بنظر هذا الطلب لمحكمة الموضوع المختصة بنظر القضية بعد انتهاء التحقيقات فيها، والتي يتم عرض المتهم عليها رفق أوراق القضية وما تم فيها من تحقيقات، حيث تطلع المحكمة على التحقيقات التي تمت في القضية، وتستمع إلى أقوال المتهم ودفوعه، وإذا ما ارتأت أن مصلحة التحقيق تقتضي استمرار حبس المتهم احتياطياً، فيجوز للمحكمة عندئذ أن تصدر أمرها بتجديد مدة الحبس الاحتياطي للمتهم لمدة قدرها ثلاثين يوماً، ويمكن أن يتم طلب التجديد للمحكمة لأكثر من مرة، ويكون كل أمر بتجديد مدة الحبس مقيداً بمدة الثلاثين يوماً آنفة البيان، إلا أنه في حال كانت القضية التي يتم التحقيق فيها مع المتهم هي جناية فلا يجوز أن تتجاوز المدة الإجمالية للحبس الاحتياطي الذي تأمر به محكمة الموضوع عن ستة أشهر، وفي حال كانت القضية التي يتم التحقيق فيها مع المتهم هي جنحة فلا يجوز أن تتجاوز المدة الإجمالية للحبس الاحتياطي الذي تأمر به محكمة الموضوع عن ثلاثة أشهر.

تاسعاً: الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي 

يعد التعبير عن الرأي من الحقوق التي كقلها الدستور للفرد، طالما كان استخدام هذا الحق في سياق وحدود الأطر القانونية والتشريعية السارية، ولم يتم استخدام هذا الحق للنيل من الغير أو المساس بهم بصورة تمثل مخالفة للقانون.

وقد كان هناك جدلاً وخلافاً واسعاً حول مدى جواز إخضاع الجرائم التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير لأحكام الحبس الاحتياطي، لاسيما وأنه ووفقاً للمعيار الذي حدده قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية فإن الحبس الاحتياطي يسري على الجنايات والجنح بمختلف أنواعها، والتي يدخل من ضمنها القضايا المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، لما يعد مساساً بتلك الحرية وقيداً يحول دون تحققها بشكل يتوافق مع ما أقره الدستور، وانقسمت الآراء ما بين مؤيد ومعارض لإخضاع جرائم الرأي لأحكام الحبس الاحتياطي، واستند الجانب المعارض إلى أن الحبس الاحتياطي يمثل قيداً على حرية الرأي والتعبير، في حين استند الجانب المؤيد إلى أن جرائم الرأي تتضمن جرائم قد تكون آثارها على المجتمع أكثر خطورة من من الجرائم الجنائية.

وقد وضع المشرع الكويتي حداً لذلك الجدل والخلاف، وذلك بإصداره للقانون رقم 1 لسنة 2021 بشأن تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960، حيث تضمنت تلك التعديلات تعديلاً على نص المادة رقم (69) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، وذلك بإضافة عبارة في ختام تلك المادة، وكان فحوى هذا التعديل هو “وفي جميع الأحوال لا تسري أحكام الحبس الاحتياطي على من يمارس حقه في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو الرسم أو غير ذلك، بما في ذلك أن يكون التعبير عن الرأي عن طريق وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي”.

ومفاد هذا التعديل والعبارة المضافة إلى نص المادة آنفة الذكر أن المشرع قد استثنى جرائم التعبير عن الرأي وجرائم النشر من أحكام الحبس الاحتياطي، بحيث لا يجوز الحبس الاحتياطي للمتهمين بارتكابها خلال فترة التحقيقات، وذلك بغض النظر عن الوسيلة التي تم من خلالها التعبير عن الرأي، سواء كانت النشر في الصحافة أو البث الإذاعي والتلفزيوني أو عبر البث الفضائي، أو حتى على وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت أحد أهم قنوات التعبير عن الرأي في ظل التقدم التقني الهائل الذي نحياه في العصر الحالي.

ونحن نؤيد المشرع الكويتي في إصداره لهذا التعديل، حيث أن الحبس الاحتياطي بالفعل قد يعد قيداً يهدد حرية التعبير عن الرأي، والذي يمكن الاستعاضة عنه في تلك القضايا ببديل آخر يتمثل في سرعة إجراء التحقيقات اللازمة في تلك النوعية من القضايا، وإحالتها للمحكمة المختصة للفصل فيها، بحيث لا يكون هناك أي خشية من تحقق أياً من المبررات التي شرع الحبس الاحتياطي للوقاية منها، كهروب المتهم للخارج أو تأثيره على سير التحقيقات.

 

التوصيات:

بعد إتمام هذه الدراسة وتحليل مختلف جوانب الحبس الاحتياطي وضوابطه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، توصلنا إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. خلو قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية من تعريف نصي للحبس الاحتياطي: تبين أن المشرع الكويتي لم يعرف الحبس الاحتياطي تعريفاً مستقلاً في القانون، واكتفى بوضع القواعد والضوابط المنظمة له في المواد (69 وما بعدها)، مما جعل مهمة تعريفه منوطة بالفقه القانوني الذي عرفه بأنه إجراء قانوني يهدف إلى الحفاظ على المتهم لتحقيق مصلحة يقتضيها التحقيق، ويتم بموجبه وضعه في الحبس بشكل احتياطي ولمدة محددة ووفقاً لقواعد وضوابط يقررها القانون.
  2. اختلاف الفقه في التكييف القانوني للحبس الاحتياطي: أثبتت الدراسة أن الفقه القانوني انقسم حول طبيعة الحبس الاحتياطي إلى رأيين رئيسيين: رأي يعتبره إجراء احترازياً وقائياً يستهدف الحفاظ على سلامة التحقيقات ووقاية المجتمع من خطورة المتهم، ورأي آخر يعتبره إجراء من إجراءات التحقيق التي تستلزمها مصلحة التحقيق، وقد وجه النقد لكلا الرأيين، في حين أن المشرع الكويتي لم يعتنق أياً منهما، بل اعتبر الحبس الاحتياطي إجراءً قانونياً تحفظياً استثنائياً وقائياً مؤقتاً، وهو ما يستفاد من موقعه ضمن الفصل الخاص بالإجراءات التحفظية، ومن نصوص المواد المنظمة له.
  3. تعدد المبررات الداعية للحبس الاحتياطي: توصلت الدراسة إلى أن الحبس الاحتياطي يقوم على عدة مبررات، أبرزها: خشية هروب المتهم خارج البلاد، وخشية تأثيره على سير التحقيقات من خلال العبث بالأدلة أو التهديد للشهود، وقوة الأدلة ضده خاصة في حالة التلبس، وحماية المتهم نفسه من بطش المجني عليه أو ذويه. وقد اقتصر المشرع الكويتي في نص المادة (69) على ذكر مبرري الخشية من الهروب والتأثير على سير التحقيقات، فيما ترك سائر المبررات للفقه والقضاء وظروف الحال.
  4. وجود فروق جوهرية بين الحبس الاحتياطي والإجراءات المشتبهة معه: بينت الدراسة وجود فروق واضحة بين الحبس الاحتياطي وكل من الاستيقاف والعقوبة السالبة للحرية والقبض، وتتمثل هذه الفروق في الجهة المختصة بإصدار الأمر، والغرض من الإجراء، ومدة الإجراء، والشروط الواجب توافرها، والآثار المترتبة عليه، مما يستدعي عدم الخلط بين هذه الإجراءات المختلفة في طبيعتها وأحكامها.
  5. اشتراط شروط شكلية وموضوعية لصحة الأمر بالحبس الاحتياطي: أثبتت الدراسة أن صحة الأمر بالحبس الاحتياطي تستلزم توافر شروط شكلية تتمثل في صدوره من السلطة المختصة (النيابة العامة في الجنايات، والمحقق في الجنح)، وكتابته وتذييله بالتوقيع والختم، واشتماله على بيانات أساسية كاسم المتهم ووصف الجريمة والمدة وتاريخ الإصدار، وكذلك شروط موضوعية تتمثل في أن تكون الجريمة من الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي (جناية أو جنحة)، وأن تستند إلى دلائل كافية على الاتهام، وأن يتم استجواب المتهم قبل الحبس، وأن تخلف أي من هذه الشروط يؤدي إلى بطلان الأمر.
  6. إقرار حق المتهم في التظلم من أمر الحبس الاحتياطي: تبين أن المشرع الكويتي قد أجاز للمتهم التظلم من أمر الحبس الاحتياطي الصادر ضده، وأن الجهة المختصة بنظر هذا التظلم هي رئيس المحكمة المختصة بنظر طلبات تجديد الحبس، وأن رئيس المحكمة ملزم بإصدار قراره في التظلم خلال ثمان وأربعين ساعة من تاريخ تقديمه، مع إلزامه بتسبيب قراره إذا كان بالرفض، وهو ما يمثل ضمانة هامة لحقوق المتهمين.
  7. تحديد المشرع لمدد الحبس الاحتياطي وضوابط تجديده: خلصت الدراسة إلى أن المشرع الكويتي حدد مدة الحبس الاحتياطي في الأمر الأول بثلاثة أسابيع للجنايات وعشرة أيام للجنح، وأجاز تجديدها من قبل رئيس المحكمة لمدة خمسة عشر يوماً للجنايات وعشرة أيام للجنح، وبحد أقصى إجمالي ثمانين يوماً للجنايات وأربعين يوماً للجنح، كما أجاز في حالة عدم انتهاء التحقيقات بعد هذه المدد التقدم بطلب تجديد لمحكمة الموضوع لمدة ثلاثين يوماً لكل تجديد، وبحد أقصى إجمالي ستة أشهر للجنايات وثلاثة أشهر للجنح، وهو ما يعكس حرص المشرع على أن يكون الحبس الاحتياطي إجراءً مؤقتاً لا يتحول إلى عقوبة مقنعة.
  8. استثناء جرائم الرأي من نطاق الحبس الاحتياطي: كشفت الدراسة عن تعديل تشريعي هام تم بموجب القانون رقم 1 لسنة 2021، حيث أضاف المشرع عبارة إلى نص المادة (69) تنص على أنه “وفي جميع الأحوال لا تسري أحكام الحبس الاحتياطي على من يمارس حقه في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو الرسم أو غير ذلك، بما في ذلك أن يكون التعبير عن الرأي عن طريق وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي”، وهو استثناء يعكس اتجاه المشرع نحو حماية حرية التعبير وعدم معاقبة المتهمين في جرائم الرأي بالحبس الاحتياطي، وهو ما نؤيده لأنه يمثل حماية لحق دستوري ويمكن الاستعاضة عنه بسرعة إجراءات التحقيق في هذه القضايا.
  9. تعدد الجهات المختصة بالحبس الاحتياطي: بينت الدراسة أن الجهات المختصة بإصدار أو تجديد الحبس الاحتياطي تتعدد بحسب مرحلة الدعوى ونوع الجريمة، فهناك النيابة العامة (في الجنايات) والمحقق (في الجنح) في مرحلة الأمر الأول، وهناك رئيس المحكمة المختصة في مرحلة التجديد الأولى، وهناك محكمة الموضوع بعد انتهاء المدد القصوى للتجديد من قبل رئيس المحكمة، وهو ما يتطلب تنسيقاً بين هذه الجهات لضمان حماية حقوق المتهمين.
  10. ضرورة احتساب مدة الحبس الاحتياطي من تاريخ القبض على المتهم: توصلت الدراسة إلى أن مدة الحبس الاحتياطي تحسب من تاريخ القبض على المتهم وليس من تاريخ صدور الأمر، وهو ما يعزز حماية حقوق المتهمين ويضمن عدم حرمانهم من أي يوم من مدة الحبس المحتسبة لهم في حالة الإدانة، عملاً بقاعدة أن مدة الحبس الاحتياطي تحتسب من العقوبة المحكوم بها.

 

التوصيات

بناءً على ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج وما تم تحليله من نصوص قانونية وآراء فقهية حول الحبس الاحتياطي وضوابطه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي من شأنها تطوير النصوص القانونية المنظمة لهذا الإجراء، وتعزيز الضمانات القانونية للمتهمين، ونشر الوعي بأهمية ضوابطه بين العاملين في المجالين القضائي والأمني، وذلك على النحو التالي:

أولاً: التوصيات التشريعية:

  1. إدراج تعريف قانوني للحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بأن يتضمن قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية تعريفاً واضحاً للحبس الاحتياطي، يحدد ماهيته وطبيعته القانونية، وأهدافه، والضوابط الحاكمة له، وذلك لضمان الوضوح القانوني وتجنب الاجتهادات المتضاربة في تفسيره، حيث أن خلو القانون من تعريف للحبس الاحتياطي يترك المجال لتفسيرات مختلفة قد تؤدي إلى تباين في التطبيق.
  2. تحديد حالات جواز الحبس الاحتياطي على سبيل الحصر: توصي الدراسة بأن يحدد المشرع حالات جواز الحبس الاحتياطي على سبيل الحصر، وأن تكون هذه الحالات مقيدة بضوابط صارمة تمنع التوسع في استخدام هذا الإجراء، بحيث لا يجوز اللجوء إليه إلا في الجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن العام أو التي تتوافر فيها قرائن قوية على ارتكاب المتهم لها، وذلك تماشياً مع مبدأ أن الاستثناءات تُفسر تفسيراً ضيقاً.
  3. تقليص المدد القصوى للحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بإعادة النظر في المدد القصوى للحبس الاحتياطي، وخاصة في الجنايات التي تصل فيها المدة الإجمالية إلى ستة أشهر، وذلك في ضوء المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تدعو إلى جعل الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائياً قصير المدة، مع إمكانية الاستعاضة عنه ببدائل أخرى كالمراقبة الإلكترونية أو الكفالة المالية أو التعهد بعدم السفر، خاصة في الجرائم غير العنيفة أو التي لا تشكل خطراً على المجتمع.
  4. تنظيم استثناء جرائم الرأي بشكل أكثر دقة: على الرغم من تأييدنا للتعديل التشريعي الذي استثنى جرائم الرأي من الحبس الاحتياطي، إلا أننا نوصي بتنظيم هذا الاستثناء بشكل أكثر دقة لتجنب أي التباس حول ماهية جرائم الرأي، وذلك بوضع تعريف واضح لها أو تحديد ضوابط لتمييزها عن الجرائم الأخرى، مع التأكيد على أن هذا الاستثناء لا يشمل جرائم التحريض على العنف أو الكراهية أو الإخلال بالأمن العام.
  5. إدراج النص على بدائل الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بأن يتضمن القانون نصوصاً تحدد بدائل الحبس الاحتياطي التي يجوز للسلطة القضائية اللجوء إليها بدلاً من الحبس، مثل الكفالة المالية، والتعهد بعدم السفر، والمراقبة الإلكترونية، والإقامة الجبرية، وذلك بما يحقق التوازن بين مصلحة التحقيق وحماية حقوق المتهم، ويتيح للقضاء سلطة تقديرية أوسع في اختيار الإجراء الأنسب لكل حالة.

ثانياً: التوصيات القضائية والإجرائية:

  1. إلزام جهة التحقيق بتسبيب أمر الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بإلزام جهة التحقيق (النيابة العامة أو المحقق) بتسبيب أمر الحبس الاحتياطي، بحيث يتضمن الأسباب والدلائل التي دفعت إلى إصداره، والمبررات التي تجعل الحبس ضرورياً دون غيره من البدائل، وذلك تعزيزاً لحق المتهم في الدفاع وتمكينه من الطعن على الأمر بشكل موضوعي.
  2. تشديد الرقابة القضائية على تجديد الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بتشديد الرقابة القضائية على إجراءات تجديد الحبس الاحتياطي، وذلك من خلال التأكيد على أن رئيس المحكمة ومحكمة الموضوع ملزمان بفحص مدى استمرار توافر المبررات التي دعت إلى الحبس الاحتياطي، وعدم جواز تجديد الحبس لمجرد استمرار التحقيقات، بل يجب أن يكون هناك مبرر جديد أو استمرار للمبرر السابق مع عدم إمكانية استبداله ببديل آخر.
  3. ضمان سرعة الفصل في تظلمات المتهمين: توصي الدراسة بضمان سرعة الفصل في تظلمات المتهمين من أوامر الحبس الاحتياطي، وذلك من خلال تخصيص دوائر قضائية متخصصة لنظر هذه التظلمات، وتحديد مواعيد إلزامية للفصل فيها لا تتجاوز المدة المقررة قانوناً (ثمان وأربعين ساعة)، مع ضرورة تسبيب القرارات الصادرة برفض التظلم.
  4. تفعيل دور النيابة العامة في مراقبة أوامر الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بتفعيل دور النيابة العامة في مراقبة أوامر الحبس الاحتياطي الصادرة من المحققين في الجنح، وذلك من خلال إلزام المحققين بإبلاغ النيابة العامة بكل أمر حبس احتياطي يصدرونه، وإعطاء النيابة العامة صلاحية إلغاء أو تعديل هذه الأوامر إذا تبين لها عدم توافر شروطها، وذلك تعزيزاً للرقابة على إجراءات الحبس الاحتياطي.

ثالثاً: التوصيات الأمنية والتدريبية:

  1. تدريب رجال الشرطة على ضوابط الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بتكثيف برامج التدريب والتأهيل لرجال الشرطة والعاملين في مجال الضبطية القضائية حول ضوابط الحبس الاحتياطي، والشروط الواجب توافرها لصحة الأمر به، والإجراءات الواجب اتباعها عند تنفيذ أوامر الحبس، وذلك بما يكفل حماية حقوق المتهمين ويحقق العدالة.
  2. إعداد أدلة إرشادية للحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بإعداد أدلة إرشادية عملية للقضاة والمحققين ورجال الشرطة، تتضمن الإجراءات الواجب اتباعها في جميع مراحل الحبس الاحتياطي، من إصدار الأمر إلى التنفيذ إلى التجديد إلى الإفراج، وذلك بهدف توحيد الممارسات وتجنب الأخطاء الإجرائية التي قد تؤدي إلى بطلان الإجراءات.
  3. تطوير آليات المراجعة الداخلية: توصي الدراسة بتطوير آليات المراجعة الداخلية في الأجهزة القضائية والأمنية لمتابعة إجراءات الحبس الاحتياطي، والتأكد من التزام الجهات المختصة بالضوابط القانونية، واتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة في حالات المخالفة أو التجاوز.

رابعاً: التوصيات الأكاديمية والبحثية:

  1. تشجيع البحث العلمي في مجال الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بتشجيع إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث في مجال الحبس الاحتياطي، وخاصة فيما يتعلق بدراسة مدى تطابق الممارسة العملية مع الضوابط القانونية، وقياس أثر الحبس الاحتياطي على المتهمين وأسرهم، وتقييم فعالية البدائل المقترحة، وذلك من خلال تخصيص منح بحثية وتنظيم مؤتمرات وندوات علمية متخصصة في هذا الموضوع.
  2. إجراء دراسات مقارنة بين التشريعات: توصي الدراسة بإجراء دراسات مقارنة موسعة بين التشريعات المختلفة فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي، وذلك للوقوف على أفضل الممارسات التشريعية والقضائية، والاستفادة من التجارب الناجحة في تطوير النصوص القانونية الكويتية، مع مراعاة الخصوصية القانونية والدستورية لدولة الكويت.
  3. تضمين موضوع الحبس الاحتياطي في المناهج التعليمية: توصي الدراسة بتضمين موضوع الحبس الاحتياطي بشكل موسع في مناهج كليات الحقوق والمعاهد الأمنية، وتخصيص جزء من المقررات الدراسية لدراسة هذا الموضوع بشكل متعمق، مع التركيز على الجوانب العملية والتطبيقية، من خلال عرض قضايا واقعية ودراسات حالة.

خامساً: التوصيات المجتمعية والإعلامية:

  1. نشر الوعي بحقوق المتهمين: توصي الدراسة بنشر الوعي بين أوساط المجتمع حول حقوق المتهمين في مرحلة التحقيق، وخاصة فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي وحقهم في التظلم منه، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والحملات التوعوية، والبرامج التعليمية، مما يسهم في ترسيخ ثقافة احترام الحقوق والحريات.
  2. تعزيز الشفافية في إجراءات الحبس الاحتياطي: توصي الدراسة بتعزيز الشفافية في إجراءات الحبس الاحتياطي، وذلك من خلال نشر إحصائيات دورية حول عدد أوامر الحبس الاحتياطي الصادرة، ومتوسط مدتها، ونسب قبول التظلمات منها، مع الحفاظ على خصوصية البيانات الشخصية للمتهمين، وذلك لتعزيز ثقة المواطنين في النظام القضائي.

 

هذا وقد خلصت الدراسة إلى أن الحبس الاحتياطي يمثل أحد أهم الإجراءات الجزائية التي تثير إشكالية الموازنة بين مصلحة التحقيق وحماية حقوق الإنسان، وأن المشرع الكويتي قد أولى هذا الإجراء اهتماماً كبيراً من خلال تنظيمه في نصوص قانونية واضحة، وإحاطته بضمانات قوية تحد من التوسع فيه، وتضمن حقوق المتهمين. وتؤكد الدراسة على أن التعديلات التشريعية الأخيرة، وخاصة استثناء جرائم الرأي من نطاق الحبس الاحتياطي، تعكس توجهاً مهماً نحو مزيد من حماية الحقوق والحريات، بما يتوافق مع الدستور الكويتي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما تشير الدراسة إلى أهمية استمرار تطوير التشريعات والممارسات القضائية المتعلقة بالحبس الاحتياطي، بما يضمن تحقيق العدالة وحماية المجتمع في آن واحد، ويؤكد على أن سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان هما ركيزتان أساسيتان لا يمكن الفصل بينهما في أي نظام قانوني متقدم.

 

[1] – قدري الشهاوي – ضوابط الحبس الاحتياطي في التشريع المصري والمقارن – منشأة المعارف – مصر – 2003 – ص11.

[2] – اللجنة العلمية بمعهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية: القبض والتفتيش والحبس الاحتياطي – وزارة العدل – الكويت – 2019 – ص29.

[3] – محمد حسين العنزي – الإجراءات الجنائية الوقائية في التشريع الكويتي: دراسةى مقارنة – رسالة دكتوراة منشورة – دار الجامعة الجديدة – مصر – 2011 – ص72 وما بعدها.

[4] – غانم المطيري – شرح إجراءات التحقيق الايتدائي في قانون الإجراءات والمحاكمات الكويتي: النظرية والتطبيق – الطبعة الأولى – بدون دار نشر – الكويت – 1997 – ص405.

[5] – فيصل الحسن وآخرون – تعليمات النيابة العامة – معهد الكويت للدراسات القضائية والقانونية – الكويت – 2023 – ص81.

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية