تم التحديث 13 ساعة ago عن طريق ahmad
جريمة التزوير الإلكتروني
على الرغم من خطورة الجريمة المعلوماتية بشتى صورها على الفرد والمجتمع في آن واحد، إلا أن جريمة التزوير الإلكتروتي تعد أكثرها خطورة، وذلك لما تلقي به من تأثير سلبي بالغ على مستوى الثقة سواء التي تربط بين أفراد المجتمع بعضهم ببعض، أو التي تربط أفراد المجتمع بمجتمعهم، لذا تعد هذه الجريمة من أبلغ صور إساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة والتقنيات المتطورة واستغلالها في مجال الجريمة، لاسيما وأنها لا تختلف عن جريمة التزوير التقليدية كثيراً، حيث يمكن الاختلاف الجوهري بينهما في البيئة التي يتم ارتكاب الجريمة في نطاقه، ففي حين أن جريمة التزوير التقليدية تتم في البيئة الطبيعية نجد أن جريمة التزوير الإلكتروني في البيئة الإلكترونية.
ونظراً لخطورة هذه الجريمة فقد تصدى لها المشرع الكويتي بالتجريم في نصوص القانون رقم 63 لسنة 2015 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وكذلك القانون رقم 20 لسنة 2014 في شأن المعاملات الإلكترونية، ووضع لمرتكبها عقوبات صارمة، وتقديراً منا للخطورة الجسيمة التي تمثلها تلك الجريمة وأثارها السلبية الجسيمة التي تنعكس على الفرد والمجتمع، فسوف نتناولها بالشرح المفصل في هذا المقال، حيث سنتعرض لأهم جوانبها التي تساعد في تسليط الضوء على ماهية تلك الجريمة، سواء من حيث التعريف بماهيتها وأركانها والعقوبة التي قررها لها المشرع الكويتي أو غيرها من الجوانب الأخرى لتلك الجريمة.
أولاً: المقصود بجريمة التزوير الإلكتروني
تصدى الفقه القانوني بالتعريف إلى التزوير بوجه عام على أنه فعل ينصب على تغيير الحقيقة في مستند أو وثيقة أو أي محرر آخر بطريقة من الطرق التي قررها القانون، وذلك بغرض إدخال الغش على الغير، ويكون من شأن هذا التغيير أن يُحدث ضرراً بمصالح شخصية للغير أو بمصالح عامة، على أن يقترن هذا التغيير بنية استخدام المحرر الذي تم تغيير فحواه في الغرض المُعد من أجله.
كما عرف المشرع الكويتي التزوير بموجب نص المادة رقم (257) من قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته على أنه “كل تغيير للحقيقة في محرر بقصد استعماله على نحو يوهم بأنه مطابق للحقيقة إذا كان المحرر بعد تغييره صالحاً لأن يستعمل على هذا النحو”، كما تطرق في نفس المادة إلى الطرق التي يتم بموجبها فعل التزوير، من اصطناع المحرر ونسبته للغير، أو التعديل على محرر موجود بالفعل، وغيرها من الطرق الأخرى التي يتم بموجبها التزوير.
إلا أن المشرع الكويتي لم يسلك ذات المسلك بشأن تعريف جريمة التزوير الإلكتروني، حيث لم يتصدى لتعريفها في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، بل اكتفى ببيان الطرق التي يتم بموجبها ارتكاب جريمة التزوير الإلكتروني، بالإضافة إلى العقوبة المقررة لمرتكبها، دون الإشارة من قريب أو بعيد للتعريف بماهية تلك الجريمة.
وعلى ذات المنوال لم يتضمن قانون المعاملات الإلكترونية الكويتي رقم 20 لسنة 2014 تعريفاً للتزوير الإلكتروني، بل اقتصر فقط على بيان طرق ارتكابها ومحلها والعقوبة المقررة لمرتكب تلك الجريمة، وذلك بموجب نص المادة رقم (37/ج) منه ، مع ملاحظة أن المشرع في صدر تلك المادة قد أشار إلى تطبيق أي عقوبة أخرى أشد تم النص عليها في أي قانون آخر.
ووفقاً لما سبق فإنه يمكن أن يتم التعريف بجريمة التزوير الإلكتروني وبيان المقصود بها بالقياس على تعريف جريمة التزوير التقليدية الوارد في قانون الجزاء الكويتي، ولكنه قياساً مع الفارق نظراً للطبيعة الخاصة بجريمة التزوير الإلكتروني، واختلافها عن جريمة التزوير التقليدي من حيث الطرق التي يتم ارتكابها من خلالها، حيث يمكننا أن نعرفها بأنها كل تغيير للحقيقة في محرر أو سجل أو توقيع إلكتروني أو نظام معالجة إلكترونية للبيانات أو نظام إلكتروني مؤتمت أو نظام حاسب آلي أو نظام إلكتروني، وذلك عن طريق استخدام أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.
ثانياً: محل جريمة التزوير الإلكتروني
يٌقصد بمحل الجريمة الكيان المادى الذي تقع عليه جريمة التزوير، وبالرجوع إلى القوانين ذات العلاقة بجريمة التزوير الإلكتروني – قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون المعاملات الإلكترونية – يتبين لنا أن محل تلك الجريمة يتمثل في المستند أو السجل الإلكتروني، والوسائط الإلكترونية، والتوقيع الإلكتروني، وسوف نتناول كل محلاً منهم بالشرح في النقاط اللآتي بيانها:
(1) المستند أو السجل الإلكتروني
المستند أو السجل الإلكتروني أو كما يطلق عليه البعض المحرر الإلكتروني، ووفقاً لتعريف المشرع الكويتي له في المادة الأولى من قانون المعاملات الإلكترونية الكويتي، هو “مجموعة من البيانات أو المعلومات التي يتم إنشاؤها أو تخزينها أو استخراجها أو نسخها أو إرسالها أو إبلاغها أو استقبالها جزئياً أو كلياً بوسيلة إلكترونية على وسيط ملموس أو على أي وسيط إلكتروني آخر، وتكون قابلة للاسترجاع بشكل يمكن فهمه”.
مما نستخلص منه أن المستند او السجل الإلكتروني الذي يصلح أن يكون محلاً لجريمة التزوير الإلكتروني ليس محرراً ورقياً كما هو الحال في جريمة التزوير التقليدية، بل هو ملف رقمي توجد به البيانات والمعلومات التي ينصب عليها فعل التزوير.
(2) الوسائط الإلكترونية
تشمل الوسائط الإلكترونية كلاً من النظام الإلكتروني المؤتمت، ونظام المعالجة الإلكترونية للبيانات، ونظام الحاسب الآلي، والنظام الإلكتروني، وسنتعرض لبيان ماهية كلاً من هذه الوسائط الإلكترونية على حدة وفقاً لتعريفاتها في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على النحو التالي:
- النظام الإلكتروني المؤتمت: يقصد به أي برنامج أو نظام إلكتروني يتم استخدامه في الحاسب الآلي، ويكون قد تم إعداده ليتصرف أو يستجيب لتصرف بشكل مستقل كلياً كان أو جزئياً، ودون تدخل أو إشراف من قبل أي شخص طبيعي في هذا التصرف أو الاستجابة.
- نظام المعالجة الإلكترونية للبيانات: هو النظام الإلكتروني المخصص لإنشاء أو لإدخال أو لاسترجاع أو لإرسال أو لاستلام أو لإستخراج أو لتخزين أو لعرض أو لمعالجة المعلومات أو الرسائل الإلكترونية.
- نظام الحاسب الآلي: هو مجموعة البرامج من البرامج والأنظمة المعلوماتية التي تم إعدادها بغرض تحليل المعلومات والبيانات والأوامر، وبرمجتها وإظهارها وإظهارها أو حفظها أو إرسالها أو استلامها، ويمكن لتلك البرامج والأنظمة المعلوماتية أن تعمل إما بصورة مستقلة أو بالاتصال مع أجهزة أو أمظمة معلوماتية أخرى.
- النظام الإلكتروني: لم يرد له تعريفاً في قانوني مكافحة جرائم تقنية المعلومات والمعلملات الإلكترونية، إلا أن الفقه القانوني قد عرفه بأنه مجموعة من الوسائل التقنية والشبكات والبرمجيات التي تترابط معاً بغرض إنشاء أو تخزين أو معالجة أو إرسال أو استقبال المعلومات والرسائل بشكل إلكتروني.
(3) التوقيع الإلكتروني
يمثل التوقيع الإلكتروني أداة يمكن بموجبها الوقوف على هوية الشخص الذي يتم نسبة هذا التوقيع إليه، فهو على الصعيد العملي يقوم بذات المهمة التي يؤديها التوقيع العادي الذي يذيل به الشخص أي محرر ورقي تقليدي بنية نسبته إلى شخصه، وهو ما يمكننا أن نستخلصه من تعريف التوقيع الإلكتروني الذي ورد في نص المادة رقم (1) من قانون مكافجة الجرائم الإلكترونية، وأيضاً في المادة الأولى من قأنون المعاملات الإلكترونية، والذي جاء متفقاً عليه في القانونين، حيث عرفا التوقيع الإلكتروني بذات التعريف وهو أنه “البيانات التي تتخذ هيئة حروف أو أرقام أو رموز أو إشارات أو غيرها، وتكون مدرجة بشكل إلكتروني أو رقمي أو ضوئي أو أي وسيلة أخرى مماثلة في مستند أو سجل إلكتروني أو مضافة عليه أو مرتبطة بها بالضرورة، ولها طابع يسمح لنحديد هوية تاشخص الذي وقعها ويميزه عن غيره”.
ويكون التوقيع الإلكتروني محلاً لجريمة التزوير الإلكنروني من خلال قيام الجاني باصطناعه أو تقليده أو التعديل عليه أو تحويره بغرض إظهاره في صورة توقيع إلكتروني منسوب إلى شخص آخر من الغير.
ثالثاً: أركان جريمة التزوير الإلكتروني
تقوم جريمة التزوير الإلكتروني بتحقق ركنين رئيسيين وهما الركن المادي والركن المعنوي، وسوف نتناول كلاً من هذين الركنين بشكل مستقل على النحو التالي.
(1) الركن المادي لجريمة التزوير الإلكتروني
يتمثل الركن المادي لجريمة التزوير الإلكتروني في ثلاث عناصر رئيسية وهي تغيير في حقيقة محل الجريمة، ووسيلة أو طريقة تغيير الحقيقة، وأخيراً الضرر الذي يقع على المجني عليه.
- التغيير في حقيقة محل الجريمة: يُقصد بتغيير الحقيقة هو استبدال تلك الحقيقة بما يخالفها أو يغايرها، وهذا التغيير يعد بمثابة السلوك أو الفعل الإجرامي في جريمة التزوير الإلكتروني، والذي في حال عدم تحققه لا تتحقق الجريمة من حيث الأصل.
ويتم ارتكاب فعل تغيير الحقيقة متى انصب هذا التغيير على كل أو جزء من البيانات والمعلومات التي تتواجد في البرنامج أو الجهاز الإلكتروني محل الجريمة، مع ملاحظة أن إتلاف البرنامج أو الجهاز ذاته لا يعد جريمة تزوير إلكتروني، بل يدخل في إطار جريمة الإتلاف الإلكتروني.
- وسيلة أو طريقة تغيير الحقيقة: لم يكتفي المشرع في الركن المادي لجريمة التزوير الإلكتروني مجرد تغيير الحقيقة، ولكنه استلزم أن يتم هذا التغيير باستخدام طريقة من طرق محددة نص عليها في القانون، وتتمثل تلك الطرق في:
- الاصطناع: ويقصد به خلق أو إنشاء محرر أو توقيع إلكتروني كامل من العدم، ونسبته إلى شخص لا علاقة له به تماماً، كما هو الحال في خلق توقيع إلكتروني أو عقد إلكتروني وهمي.
- التغيير: ويقصد به تغيير الحقيقة بشكل مادي، كما هو الحال في إضافة بيانات أو حذفها.
- التحوير: ويقصد به تغيير الحقيقة بشكل معنوي، كما هو الحال في إدخال بيانات وهمية في قاعدة بيانات بشكل يترتب عليه ظهور محرر ناتج عن تلك البيانات في شكل صحيح.
- وأخيراً فقد استلزم القانون أن يكون فعل الاصطناع أو التغيير أو التحوير قد تم باستخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.
ونلاحظ أن المشرع قد سلك مسلكاً محموداً في شأن تحديد طرق ووسائل ارتكاب فعل تغيير الحقيقة، وذلك لكونه قد ترك المجال متاحاً لأي طريقة حديثة قد تظهر لتغيير الحقيقة في جريمة التزوير الإلكتروني، حيث نص في ختام ذكره للوسائل والطرق المقررة لتغيير الحقيقة على عبارة “أو بأي طريقة أخرى”، لاسيما وأنه قد فطن إلى عدم القدرة على حصر تلك الوسائل والطرق بشكل كامل.
- الضرر الذي يقع على المجني عليه: لم يشترط المشرع وقوع ضرر فعلي على المجني عليه في جريمة التزوير الإلكتروني، حيث لم يضع في سياق مادة التجريم بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات أي ذكر لاشتراط وقوع ضرر على المجني عليه، وبالتالي فإن الضرر المحتمل للمجني عليه يكفي لتحقق جريمة التزوير الإلكتروني، بمعنى آخر يكون فعل التزوير الإلكتروني مجرماً بمجرد تحقق مساس هذا الفعل بمصلحة مشروعة للمجني عليه يسبغ لها القانون الحماية.
(2) الركن المعنوي لجريمة التزوير الإلكتروني
تعد جريمة التزوير الإلكتروني من جرائم العمد، أي الجرائم التي يستلزم القانون لمعاقبة مرتكبها أن يتحقق لديه القصد الجنائي العام المتمثل في أن يكون الجاني على علم بأنه يرتكب فعل يجرمه القانون، وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل على الرغم من علمه بتجريمه، ولا يشترط القانون توافر القصد الجنائي الخاص المتمثل في نية استخدام الجاني للمحرر الإلكتروني المزور، لاسيما وأن استخدامه يمثل جريمة أخرى يعاقب المشرع عليها بذات عقوبة جريمة التزوير، وذلك متى كان من استخدم المحرر الإلكتروني المزور هو من قام بتزويره أو شخص آخر كان على علم بوجود التزوير.
وقد قضت محكمة التمييز في حكم لها أنه في حالة الدفع من قبل المتهم بعدم تحقق القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة، فيجب على المحكمة أن تتعرض لهذا الدفع وأن تقضي إما بتحققه أو انتفائه، مع تسبيب حكمها في هذا الشأن بأسباب سائغة. (محكمة التمييز – طعن جزائي رقم 326 لسنة 2001 – جلسة 21/5/2002).
رابعاً: العقوبة المقررة لجريمة التزوير الإلكتروني
فرر المشرع عقوبة لمرتكب جريمة التزوير الإلكتروني في قانونين:
(1) العقوبة الأولى: العقوبة الواردة في نص المادة رقم (37) من قانون المعاملات الإلكترونية، والتي قررت معاقبة مرتكب جريمة التزوير الإلكتروني بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، والغرامة التي تتراوح من (5000) دينار وحتى (20000) دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وذلك مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر، أي أن تطبيق تلك العقوبة يرتهن بعدم وجود عقوبة أشد منها لذات الجريمة في أي قانون آخر.
(2) العقوبة الثانية: العقوبة الواردة في نص المادة رقم (3) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي قررت معاقبة مرتكب جريمة التزوير الإلكتروني بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات، والغرامة التي تتراوح من (3000) دينار وحتى (10000) دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتوقع ذات العقوبة على من استخدم المحرر المزور أو البيانات المزورة متى كان عالماً بالتزوير.
وشدد القانون العقوبة في حال أن كان محل جريمة التزوير الإلكتروني هو مستند رسمي أو بنكي أو بيانات حكومية أو بنكية إلكترونية، حيث تصبح العقوبة عندئذ الحبس لمدة لا تزيد عن سبع سنوات، والغرامة التي تتراوح من (5000) دينار وحتى (30000) دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وتوقع ذات العقوبة على من استخدم المحرر المزور أو البيانات المزورة متى كان عالماً بالتزوير.
وبالتالي يتم توقيع العقوبة الأشد من العقوبات الواردة في القانونين، فلا يوجد تعارض بينهما لما تضمنته مادة التجريم في قانون المعاملات الإلكترونية من تطبيق العقوبة الأشد متى وردت في قانون آخر.