تم التحديث 3 ساعات ago عن طريق ahmad

‏دور المجتمع الكويتي في مواجهة الجريمة الرقمية

Download PDF

 

دور المجتمع الكويتي في مواجهة الجريمة الرقمية

 

مقدمة: من المسؤول عن حماية الفضاء الرقمي؟

في زمن أصبحت فيه الحياة اليومية في الكويت لا تخلو من الاتصال بالإنترنت، وتحولت فيه المعاملات الحكومية والتواصل الاجتماعي والتجارة إلى فضاء رقمي مفتوح، برز سؤال ملح على الساحة: من المسؤول عن حماية هذا الفضاء؟ هل هي القوانين وحدها؟ هل هي وزارة الداخلية وأجهزة مكافحة الجرائم الإلكترونية؟ أم أن للمجتمع بكافة مؤسساته وأفراده دوراً لا يقل أهمية في هذه المعركة؟

الحقيقة أن مواجهة الجريمة الإلكترونية معركة لا تخاض بالقوانين والتقنيات فقط، فالقوانين مهما كانت رادعة تظل عاجزة إذا لم يساندها مجتمع واع ومتيقظ.

والدور الاجتماعي في هذا المجال يعني تحمل الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام ومنظمات المجتمع المدني والأفراد مسؤولياتهم في خلق ثقافة رقمية سليمة تحصن الناس من الوقوع ضحايا أو جناة، وأيضاً الدور الاجتماعي الذي يمارسه الإعلام الأمني في تأسيس وعي أمني لدى أفراد المجتمع، بما يحقق الأمن والسلامة لهم من تلك الجرائم[1]، وهذا المقال المتواضع يسعى لاستكشاف هذا الدور الحيوي، مسلطاً الضوء على آليات العمل الاجتماعي الفعال، والتحديات التي تعترضه، وسبل تطويره لبناء مجتمع كويتي آمن رقمياً.

 

أولاً: أهمية الدور الاجتماعي مهم في مكافحة الجرائم الإلكترونية؟

قد يتساءل البعض: لماذا كل هذا التركيز على المجتمع، طالما أن هناك قوانين تحاسب وتجرم؟ الإجابة تكمن في طبيعة الجريمة الإلكترونية نفسها.

١: الجريمة الإلكترونية جريمة مجتمعية بامتياز

الجرائم الإلكترونية في الكويت،  ليست مجرد اختراقات تقنية يقوم بها قراصنة محترفون في غرف مظلمة كثير منها يبدأ بعلاقات اجتماعية مثل: زميل عمل ينتقم من زميله، شريك حياة سابق يبتز شريكته، مراهق يتنمر على زميل في المدرسة، ولهذا فإن الجذور اجتماعية، والحلول إذن لا بد أن تكون اجتماعية أيضاً.

٢: القانون يعالج النتيجة، المجتمع يعالج الأسباب

القانون يأتي بعد وقوع الجريمة ليعاقب الجاني وينصف الضحية. وإن كان هذا ضروري وهام إلا أن الدور الاجتماعي يسبق الجريمة، فهو يعمل على منع حدوثها من الأساس من خلال التوعية وبناء القيم وتعزيز الرقابة الذاتية، حيث أن المجتمع الجيد ينتج أفراداً لا يفكرون في ارتكاب الجريمة أصلاً.

٣: القانون وحده لا يكفي لخلق بيئة آمنة

تخيل أن شرطة قوية تطارد اللصوص وتلقيهم في السجون، لكن المجتمع لا يهتم بتعليم أبنائه قيم الأمانة واحترام الممتلكات، هل ستختفي السرقة؟ بالتأكيد لا. كذلك الحال في الفضاء الرقمي، فالقوانين وحدها لا تخلق مجتمعاً رقمياً أخلاقياً ما لم يساندها وعي جمعي بأهمية الخصوصية والصدق والمسؤولية.

٤: مؤسسات المجتمع ودورها في المكافحة

الدور الاجتماعي لا يعني مجرد شعارات، بل هو عمل منظم تقوم به مؤسسات المجتمع المختلفة، لكل منها دورها المحدد، وسنوضح ذلك فيما يلي :

  • الأسرة خط الدفاع الأول

تبدأ المسؤولية الاجتماعية من المنزل، فالأسرة الكويتية المعاصرة تواجه تحديات كبيرة في العصر الرقمي، خاصة مع انشغال الوالدين وتوفر الأجهزة الذكية للأطفال في سن مبكرة، بحيث يمكن حصر الدور المطلوب من الأسرة في الاتي:

 

  • المراقبة الواعية: ليس معنى المراقبة التجسس على الأبناء، بل متابعة استخدامهم للإنترنت بطريقة غير مباشرة، ومعرفة التطبيقات التي يستخدمونها والأصدقاء الذين يتواصلون معهم.
  • الحوار المفتوح: بناء جسور من الثقة مع الأبناء تمكنهم من البوح بأي موقف مزعج يتعرضون له على الإنترنت دون خوف من التوبيخ أو العقاب.
  • وضع قواعد واضحة: مثل تحديد أوقات معينة لاستخدام الإنترنت، وعدم مشاركة المعلومات الشخصية أو الصور مع الغرباء، وتعزيز فكرة أن ما ينشر على الإنترنت قد يبقى إلى الأبد.
  • التربية على القيم: غرس القيم الدينية والأخلاقية التي تجعل من الأبناء أشخاصاً لا يفكرون في إيذاء الآخرين حتى خلف شاشات هواتفهم.
  • محاربة العزلة: حيث ترتب على انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وشبكة الإنترنت انعزال أفراد الأسرة الواحدة عن بعضهم البعض، لذلك يجب أن تحرص كل أسرة على الاجتماع بشكل دائم، وأن يتبادل أفراد الأسرة أطراف الحديث كما كان يحدث قبل أن تظهر وسائل التواصل الحديثة[2].

 

ثانياً: المدرسة حاضنة التوعية الرقمية

المؤسسة التعليمية هي الشريك الأهم للأسرة في بناء وعي النشء. في الكويت، لا يزال دور المدرسة في مجال الأمن السيبراني بحاجة إلى مزيد من التطوير، ودور المدرسة يمكن أن يتمثل في الآتي:

1: إدراج التربية الرقمية في المناهج: ليس كمادة منفصلة فقط، بل كقيم ومفاهيم تدمج في مناهج التربية الإسلامية واللغة العربية والاجتماعيات، تتحدث عن أخلاقيات التعامل الرقمي، ومخاطر التنمر الإلكتروني، وكيفية حماية الخصوصية.

2: تنظيم ورش عمل ومحاضرات: دعوة مختصين من وزارة الداخلية أو خبراء أمن معلومات لتوعية الطلاب بمخاطر الجرائم الإلكترونية، وتعريفهم بعقوباتها القانونية.

3: خلق بيئة مدرسية آمنة: التصدي بحزم لظاهرة التنمر الإلكتروني بين الطلاب، وتشجيع ثقافة الإبلاغ عن أي سلوك مشبوه دون خوف من الوصم الاجتماعي.

4: تثقيف المعلمين: تدريب المعلمين أنفسهم على التعرف على علامات تعرض الطلاب للابتزاز أو التنمر، وكيفية التعامل معها بحكمة.

5: تعميم الوعي: وذلك من خلال نشر الوعي بين جميع مستخدمي شبكة الإنترنت من طلاب وطالبات المدارس والجامعات[3].

 

ثالثاً: المسجد والمؤسسة الدينية تعزيز الوازع الأخلاقي

متى كان الوازع الديني والأخلاقي لدى الفرد واهياً وضعيفاً فإن ذلك يكفي بذاته لكي يكون باعثاً قوياً يدفعه لارتكاب الجريمة، سواء الجريمة التقليدية أو الإلكترونية[4]، لذلك لا يمكن إغفال دور المسجد في المجتمع الكويتي المحافظ، فالخطاب الديني يمكن أن يكون له أثر عميق في ترسيخ القيم التي تحصن ضد الجريمة الإلكترونية:

1: ربط الأخلاق الرقمية بالدين: تخصيص خطب الجمعة وندوات المساجد للحديث عن حرمة خصوصية الآخرين في الإسلام، وأن الغيبة والنميمة والتنمر لا تصبح حلالاً لمجرد أنها تمت عبر واتساب أو تويتر.

2: تحذير من التلصص وانتهاك الحرمات: التذكير بالحديث النبوي الشريف “من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه”، وقياس ذلك على الاطلاع على خصوصيات الناس في هواتفهم وحساباتهم.

3: توعية الأسر: حث الآباء على رعاية أبنائهم رقمياً كما يرعونهم في الواقع.

 

رابعاً: الإعلامصانع الوعي الجمعي

وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، ووسائل التواصل الاجتماعي نفسها، تتحمل مسؤولية كبرى في توعية المجتمع. الدور الإعلامي يشمل:

  • الدراما الهادفة: تقديم أعمال درامية تتناول قضايا الابتزاز الإلكتروني والتنمر بشكل واقعي، وتظهر آثارها المدمرة على الضحايا، مما يخلق تعاطفاً مجتمعياً مع القضية.
  • البرامج التوعوية: استضافة خبراء وأخصائيين نفسيين وقانونيين في برامج حوارية لمناقشة الظاهرة بجدية وتقديم نصائح عملية للجمهور.
  • الحملات الإعلامية: إطلاق حملات توعوية مكثفة على مختلف الوسائل، بلغة بسيطة ومباشرة، تشرح كيفية حماية الحسابات، وكيفية التصرف إذا تعرض الشخص للابتزاز، وأهمية الإبلاغ الفوري.
  • مسؤولية المؤثرين: توعية مشاهير التواصل الاجتماعي (الانفلونسرز) بخطورة تأثيرهم، وحثهم على نشر محتوى هادف وعدم الترويج لسلوكيات خاطئة.

 

خامساً: منظمات المجتمع المدني جسور التواصل

الجمعيات الأهلية والنفع العام في الكويت يمكن أن تلعب دوراً مهماً كحلقة وصل بين المواطن والمؤسسات الرسمية:

1: تقدييم الاستشارات: إنشاء خطوط ساخنة أو مراكز استشارية قانونية ونفسية لمساعدة ضحايا الجرائم الإلكترونية.

2: تنظيم الفعاليات: القيام بحملات ميدانية وندوات في المناطق والديوانيات للوصول إلى شرائح مجتمعية مختلفة.

3: الضغط من أجل التطوير: رفع توصيات إلى الجهات الرسمية حول الثغرات في القوانين أو الإجراءات، بناء على خبرتهم الميدانية مع الجمهور.

 

سادساً: الفرد كعضو في المجتمع مسؤولية ذاتية

في النهاية، كل هذه المؤسسات تهدف إلى التأثير في الفرد، لكن الفرد نفسه يتحمل مسؤولية شخصية لا يمكن أن ينوب عنه فيها أحد، فدور الفرد في محاربة الجريمة الإلكترونية يتجلى في:

  • المسؤولية عن السلوك الشخصي: أن يلتزم الفرد بعدم مشاركة الشائعات، وعدم التنمر على الآخرين، وعدم اختراق خصوصياتهم، حتى لو كان ذلك متاحاً تقنياً.
  • حماية النفس: تعلم أساسيات الأمن السيبراني: استخدام كلمات مرور قوية، تفعيل التحقق بخطوتين، عدم فتح روابط مشبوهة.
  • الإبلاغ عن الجرائم: إذا تعرض للابتزاز أو شاهد جريمة إلكترونية، أن يبادر فوراً بالإبلاغ للجهات المختصة، ولا يخجل أو يتردد.
  • نشر الوعي: أن يكون الفرد سفيراً للتوعية بين أهله وأصدقائه، ينصحهم ويحذرهم مما قد يتعرضون له.

 

سابعاً: تحديات تواجه الدور الاجتماعي في الكويت

رغم أهمية هذا الدور، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع في الكويت يواجه عدة تحديات:

  1. الفجوة الرقمية بين الأجيال: كثير من الآباء لا يمتلكون المهارات التقنية الكافية لمراقبة أبنائهم أو حتى فهم طبيعة التهديدات التي يواجهونها على الإنترنت، وهذه الفجوة تجعل الأبناء أكثر عرضة للخطر دون تدخل أبوي فعال.
  2. غياب التنسيق المؤسسي: أحياناً تعمل الأسرة والمدرسة والإعلام بشكل منعزل عن بعضها، وتحتاج الكويت إلى استراتيجية وطنية متكاملة للتوعية الرقمية تشارك فيها كل هذه المؤسسات برؤية موحدة وأهداف واضحة.
  3. ثقافة الوصم الاجتماعي: كثير من ضحايا الابتزاز، خاصة الفتيات، يترددن في الإبلاغ أو حتى البوح لأهلهن خوفاً من ثقافة “أهلاً وسهلاً بالعار” أو لوم الضحية، وهذه الثقافة تحتاج إلى تغيير جذري من خلال التوعية المستمرة.
  4. تأثير وسائل التواصل السلبي: بينما يمكن أن تكون وسائل التواصل أداة توعية، فهي أيضاً بيئة خصبة لانتشار الشائعات والمحتوى الهابط الذي يرسخ قيماً خاطئة لدى الشباب، وتعد وسائل التواصل الاجتماعي من أهم وسائل تهديد المجتمع بالجرائم الإلكترونية، لاسيما وأن نشر الشائعات – على سبيل المثال – عبر تلك الوسائل يتخذ منحى سريعاً وواسع التأثير[5].

 

ثامناً: رؤية مستقبلية كيف نطور الدور الاجتماعي؟

لمواجهة هذه التحديات، يمكن اقتراح الرؤية التالية:

  • إطلاق برنامج وطني للتوعية الرقمية: يكون تحت مظلة وزارة الداخلية أو مجلس الأمن الوطني، ويضم في عضويته ممثلين عن وزارات التربية والإعلام والأوقاف، ومنظمات المجتمع المدني. يضع هذا البرنامج خطة سنوية واضحة الأهداف والوسائل.
  • تأهيل كوادر وطنية متخصصة: تدريب مجموعة من الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين والمعلمين ليكونوا “سفراء للأمن الرقمي” في مدارسهم ومناطقهم، قادرين على توعية الجمهور وتقديم الدعم الأولي للضحايا.
  • إنشاء منصة رقمية موحدة للتوعية والإبلاغ: منصة تفاعلية تقدم محتوى توعوياً مبسطاً بالفيديو والإنفوغرافيك، وتشرح خطوات الإبلاغ عن الجرائم، وتوفر استشارات فورية مع مختصين.
  • تكريس مفهوم “المواطنة الرقمية” في المناهج: العمل على مشروع تطوير مناهج دراسية تدمج قيم ومهارات المواطنة الرقمية بشكل تدريجي من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية.

 

الخاتمة: مجتمع آمن رقمياًمسؤولية الجميع

في النهاية، يمكن القول إن محاربة الجريمة الإلكترونية في الكويت ليست مهمة الحكومة وحدها، ولا الشرطة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية متكاملة تبدء من الأسرة التي تغرس القيم، إلى المدرسة التي توعي وتعلم، إلى المسجد الذي يعزز الوازع الديني، إلى الإعلام الذي يشكل الوعي، إلى منظمات المجتمع التي تقدم الدعم، وأخيراً إلى الفرد الذي يتحمل مسؤولية نفسه وغيره.

 

وبناء مجتمع كويتي آمن رقمياً يتطلب عملاً دؤوباً وتعاوناً وثيقاً بين كل هذه الأطراف. إنه استثمار في المستقبل، لحماية الأبناء والبنات، والحفاظ على خصوصيتهم وكرامتهم، وضمان أن يظل الفضاء الرقمي فضاءً للتواصل والإبداع، لا ساحة للجريمة والخوف، فالكويت قادرة على تحقيق ذلك بإرادة مجتمعية واعية، تدرك أن الأمن الرقمي جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الشامل.

[1] – باسل سعود العنزي – دور الإعلام الأمني في مواجهة الجرائم الإلكترونية والحد منها من وجهة نظر العاملين في الأجهزة الأمنية في دولة الكويت – أطروحة دكتوراة غير منشورة – كلية الدراسات العليا – جامعة مؤتة – الأردن – 2020 – ص1.

[2] – منال فهمي البطران – مؤشرات التطور التكنولوجي في العالم العربي – مجلة السياسة الدولية – ع (178) – يناير 2010 –  ص100.

[3] – محمود شوقي وصلاح الدين جبار – مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية – ع (12) – كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية – جامعة لونيسي علي البليدة2 – الجزائر – 2015 – ص9.

[4] – د/ عبد الرحيم محمد – الجريمة الإلكترونية في المجتمع الخليجي وكيفية مواجهتها – الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية – 2016 – ص48.

[5] – بدر عدنان الخبيزي – أثر وسائل التواصل الاجتماعي على الجريمة في المجتمع الكويتي – مجلة العلوم الاجتماعية – مج 52 – ع (2) – مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت – 2024 – ص28.

 

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية