تم التحديث 3 ساعات ago عن طريق ahmad
جرائم النشر الإلكتروني
حرية التعبير عن الرأي تعد من أهم الحقوق التي كفلها الدستور الكويتي في مادته رقم (36) والتي نصت على أن “حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط والأوضاع التي بينها القانون”، وأيضاً بموجب نص المادة رقم (37) منه والتي نصت على أن “حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي بينها القانون”.
إلا أن تلك الحرية كما هو ثابت بنص المادتين آنفتي الذكر وكغيرها من سائر الحريات الأخرى مرهونة في استخدامها بأن تتوافق مع ما يقرره القانون بشأنها من أحكام، لاسيما وأن حرية التعبير لا تقتصر في آثارها على الفرد بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره، لذلك كان من اللازم أن يتم فرض بعض القيود عليها حتى تمنعها من التحول إلى فوضى وعصف بحقوق الآخرين، لاسيما وأنه بعد التطور الهائل لتكنولوجيا وتقنية المعلومات فقد باتت المواقع والصحف الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي من أهم وسائل النشر في العالم الافتراضي، والتي أظهرت الحاجة إلى مزيد من الضوابط التي تتناسب مع طبيعة النشر على تلك التقنيات المعلوماتية، وهو ما حدا بالمشرع الكويتي إلى فرض تلك الضوابط بموجب قانون مكافحة تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015.
أولاً: متى يعد النشر الإلكتروني جريمة؟
في سبيل الوقوف على إجابة هذا التساؤل الهام، ومعرفة متى تتحول حرية الرأي المتمثلة في النشر الإلكتروني من حق لتصبح جريمة، فيلزم أن نستعرض في البداية نصوص تجريم فعل النشر الإلكتروني التي تضمنها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وذلك لبيان متى يعد النشر الإلكتروني جريمة إلكترونية.
بالرجوع إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات يتبين لنا أنه قد تضمن مادتي تجريم للنشر الإلكتروني، وهما المادتين رقمي (6) و(7)، وبيان فحوى هاتين المادتين هو على النحو التالي:
المادة رقم (6): “يعاقب بحسب الأحوال بالعقوبة المنصوص عليها في البنود (1، 2، 3) من المادة (27) من قانون المطبوعات والنشر المشار إليه كل من ارتكب عن طريق الشبكة المعلوماتية أو باستخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات المنصوص عليها في هذا القانون أحد الأفعال بحسب الأحوال المبينة بالمواد (19، 20، 21) من القانون المشار إليه“.
وهو ما يستدعي منا الرجوع إلى قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، وتحديداً في مواده رقم (19) و(20) و(21)، لنتبين الأفعال التي تعد جرائم نشر إلكترونية متى تم ارتكابها عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، وقد تبين أن تلك الأفعال تتمثل في:
- المساس بالذات الإلهية أو القرآن الكريم أو الأنبياء أو الصحابة الأخيار أو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو آل البيت عليهم السلام، سواء عن طريق التعريض أو الطعن أو السخرية أو التجريح (مادة 19).
- التعرض لشخص أمير البلاد بالنقد، أو نسبة أي قول إليه دون الحصول إذن خاص مكتوب بذلك من الديوان الأميري (مادة 20).
- نشر أي شيء من شأنه تحقير أو ازدراء دستور الدولة، أو ما يعد إهانة أو تحقير لرجال القضاء أو أعضاء النيابة العامة، أو ما يمكن اعتباره مساساً بنزاهة القضاء وحياديته، أو نشر ما تقرر المحاكم أو جهات التحقيق سريته، أو نشر ما من شأنه خدش الآداب العامة، أو التحريض على مخالفة النظام العام أو القوانين أو على ارتكاب الجرائم حتى وإن لم تقع تلك الجرائم، أو نشر الأنباء عن الاتصالات السرية الرسمية، أو نشر الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريمة الرسمية دون تصريح بذلك من الجهات المختصة، أو نشر ما من شأنه التأثير على العملة الوطنية أو ما يؤدي إلى زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد، أو نشر أخبار إفلاس التجار أو الشركات التجارية أو المصارف أو الصيارفة إلا بإذن خاص من المحكمة المختصة (المادة 21).
المادة رقم (7): “يعاقب بالعقوبة المقررة بالمادة (29) فقرة أولى من القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم (16) لسنة 1960 كل من ارتكب أحد الأفعال المنصوص عليها بالمادة (28) من قانون المطبوعات والنشر المشار إليه عن طريق الشبكة المعلوماتية أو باستخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات المنصوص عليها في هذا القانون”.
وبالرجوع إلى المادة رقم (28) من قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، نجد أنها قد تضمنت أنه “إذا نشر تحريض على قلب نظام الحكم في البلاد، وكان التحريض متضمناً الحث على تغيير هذا النظام بالقوة أو بطرق غير مشروعة، أو الدعوة إلى استعمال القوة لتغيير النظام الاجتماعي والاقتصادي القائم في البلاد، أو إلى اعتناق مذاهب ترمي إلى هدم النظم الأساسية في الكويت بطريقة غير مشروعة.
وهو ما نخلص معه إلى أن جرائم النشر الإلكتروني لا تختلف عن جرائم النشر التقليدية في شأن الأفعال المثلة للسلوك الإجرامي الذي يرتكبه الجاني، ولكن الاختلاف يكمن في الوسيلة التي يقوم الجاني من خلالها بارتكاب تلك الأفعال، وهي الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات، كما هو الحال في النشر عبر الصحف والمواقع الإلكترونية، أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
ثانياً: الركن المادي لجريمة النشر الإلكتروني
الركن المادي للجريمة هو السلوك الإجرامي الذي يرتكبه الجاني في سبيل تحقيق جريمته، وبالنظر إلى نصوص مواد التجريم المذكورة في البند (أولاً) من هذا المقال يتضح لنا الأفعال أو السلوكيات الإجرامية التي يتحقق معها الركن المادي للجريمة متى قام بها الجاني.
ومن الملاحظ على تلك الأفعال المجرمة أنها في مجملها تخص ثوابت الدين والعقيدة وحقوق المجتمع والأمور المتعلقة بنظام الحكم وسلامة الدولة وأمنها واستقرارها، حيث ترك حقوق الاشخاص إلى الأفعال التي تشكل جرائم أخرى والتي تتنوع بين السب والقذف والاعتداء على حرمة الحياة الخاصة، وغيرها من الجرائم التي تتطلب ركن العلانية الذي يتحقق بالنشر، والتي تمس بحقوق الأفراد وحياتهم الشخصية، مع العلم بأن تحقق ركن العلانية في جرائم النشر الإلكتروني يتحقق بالنشر الإلكتروني عبر الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات.
وبالتالي يمكننا القول أن السلوك الإجرامي الذي يتشكل منه الركن المادي لجريمة النشر الإلكتروني هو ذاته السلوك الإجرامي الذي يقوم عليه الركن المادي لجريمة النشر التقليدية، مع اختلاف وحيد وهو أن تحقق النشر في جريمة النشر الإلكتروني يستلزم القيام به عن طريق إما الشبكة المعلوماتية وإما عن طريق إحدى وسائل تقنية المعلومات، فإن تم ارتكابه بإحدى الطرق الأخرى خلاف ذلك فإنها تعد جريمة نشر تقليدية تخضع في عقاب مرتكبها لقانون المطبوعات والنشر وليس قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ونود أن ننوه إلى ملحوظة هامة وهي أن المشرع الكويتي لم يعتد بتحقق النتيجة الإجرامية لجريمة النشر الإلكتروني أو جريمة النشر في صورتها التقليدية، بل اكتفى في تحقق الركن المادي للجريمة بتحقق الفعل أو السلوك الإجرامي في حد ذاته.
ثالثاً: الركن المعنوي لجريمة النشر الإلكتروني
من خلال نصوص التجريم التي تضمنت الأفعال التي يجرمها المشرع في جرائم النشر الإلكتروني، يتبين لنا أن المشرع لم يتطلب في جرائم النشر الإلكتروني سوى القصد الجنائي العام فقط دون القصد الجنائي الخاص، فلم يعتد بالقصد الذي استهدفه الجاني من ارتكاب جريمته بل اكتفى بصدور الفعل من الجاني في حد ذاته دون النظر إلى تحقق نتيجة إجرامية كأثر لهذا الفعل من عدمه، بحيث يكون الجاني متعمداً للقيام بفعل النشر .
والقصد الجنائي العام الذي يتطلبه المشرع في جرائم النشر الإلكتروني يقوم على عنصرين رئيسيين وهما عنصر العلم وعنصر الإرادة، ونوضحهما على النحو التالي:
- عنصر العلم: المقصود بالعلم كعنصر من عناصر القصد الجنائي العام (الركن المعنوي) هو تحقق العلم لدى الجاني بالعناصر المادية والقانونية للجريمة، فيجب أن يكون على علم بأن فعل النشر الذي يرتكبه للخبر أو للمعلومة أو للمضمون الذي يقوم بنشره بوجه عام هو مضمون يجرم القانون نشره ويضعه موضع التجريم، ويعد العلم مفترضاً لدى الجاني في جرائم النشر الإلكتروني، لاسيما وأن الفعل يجرمه القانون بشكل واضح، والقاعدة القانونية الراسخة هي عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، وهي قاعدة لا يجوز للجاني أن يثبت عكسها.
- عنصر الإرادة: ويقصد بعنصر الإرادة في جرائم النشر الإلكتروني الإرادة الإجرامية، والتي تتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل المشكل للركن المادي للجريمة، دون أن يشوبها أي ضغط أو إكراه أو أي عيب من عيوب الأرادة، بل تكون إرادة حرة ومتجهة لإحداث الفعل الإجرامي الذي يتوافر لدى الجاني العلم بكونه فعلاً إجرامياً يقرر القانون عقوبة لمرتكبه.
رابعاً: العقوبة المقررة لجرائم النشر الإلكتروني
لم يقرر المشرع في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عقوبة مباشرة لجرائم النشر الإلكنروني، بل قرر تلك العقوبات بطريق الإحالة، جيث أنه وكما يتبين من خلال نص مادتي التجريم أنه قد أحال في تحديد عقوبة مرتكبي تلك الجرائم إلى العقوبات الواردة بقوانين أخرى، وهي قانون المطبوعات والنشر رقم (3) لسنة 2006، والقانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم (16) لسنة 1960، وذلك على النحوز التالي:
(1) بالنسبة للجرائم الواردة بنص المادة رقم (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي ذكرناها تفصيلاً في البند (أولاً) من هذا المقال، فقد عاقب عليها المشروع بالعقوبات الواردة بنص المادة رقم (27) من قانون المطبوعات والنشر رقم (3) لسنة 2006، وذلك في بنودها أرقام (1) و(2) و(3)، بحيث يوقع كل بند منها على جريمة من الجرائم الواردة بنصوص المواد أرقام (19) و(20) و(21) من ذات القانون، وتفصيل ذلك في النقاط التالية:
- بالنسبة لجرائم النشر الإلكترونية التي تتضمن ارتكاب الأفعال التي وردت بموجب نص المادة رقم (19) من قانون المطبوعات والنشر فيعاقب مرتكبها بالعقوبة الواردة بنص المادة رقم (27/1) من ذات القانون، والمتمثلة في عقوبة الحبس لمدة تزيد عن سنة واحدة والغرامة التي تتراوح من خمسة آلاف دينار وحتى عشرين ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
- بالنسبة لجرائم النشر الإلكترونية التي تتضمن ارتكاب الأفعال التي وردت بموجب نص المادة رقم (20) من قانون المطبوعات والنشر فيعاقب مرتكبها بالعقوبة الواردة بنص المادة (27/2) من ذات القانون، والمتمثلة في عقوبة الغرامة التي تتراوح من خمسة آلاف دينار وحتى عشرين ألف دينار.
- بالنسبة لجرائم النشر الإلكترونية التي تتضمن ارتكاب الأفعال التي وردت بموجب نص المادة رقم (21) من قانون المطبوعات والنشر فيعاقب مرتكبها بالعقوبة الواردة بنص المادة (27/3) من ذات القانون، والمتمثلة في عقوبة الغرامة التي تتراوح من ثلاثة آلاف دينار وحتى عشرة آلاف دينار.
(2) بالنسبة للجرائم الواردة بنص المادة رقم (7) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي ذكرناها تفصيلاً في البند (أولاً) من هذا المقال، فقد عاقب عليها المشروع بالعقوبات الواردة بنص المادة (29) فقرة أولى من القانون رقم (31) لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم (16) لسنة 1960، وتتمثل تلك العقوبة في عقوبة الحبس لمدة لا تزيد عن عشر سنوات.