تم التحديث 3 ساعات ago عن طريق ahmad
جريمة الابتزاز الإلكتروني
مع التطور الهائل الذي تشهده تكنولوجيا الاتصال وتقنية المعلومات، برزت إلى الوجود وسائل وتقنيات حديثة جعلت من التواصل بين الأشخاص مهما تباعدت المسافات بينهم هو أمر بالغ السهولة واليسر، وكان لتلك الوسائل والتقنيات أثراً كبيراً على تطور شكل الجريمة، فانتقلت بها من العالم الحقيقي إلى نظيره الافتراضي، فاصبحت الغالبية العظمى من الجرائم التقليدية تُرتكب بشكل إلكتروني، ومن أبرز تلك الجرائم وأخطرها هي جريمة الابتزاز الإلكتروني.
وقد ارتبط ظهور جريمة الابتزاز الإلكتروني بشبكة الإنترنت وتقنيات الاتصال المتطورة، والتي أصبح الجناة يستخدمونها في ارتكاب جرائمهم وتحقيق مآربهم غير المشروعة، وهو ما رفع من معدل خطورة جريمة الابتزاز الإلكتروني، خاصة وأن الاستيلاء على المعلومات أو الصور أو غيرها من الأدوات التي تستخدم في تهديد وابتزاز المجني عليه بات أكثر سهولة من خلال استخدام التقنيات الحديثة، والتي تتيح للجاني اختراق الحسابات والأجهزة الخاصة بالمجني عليه والحصول عليها.
ونظراً لما تمثله جريمة الابتزاز الإلكتروني من خطورة على حرمة الحياة الشخصية للفرد وحريته، وما يرتب عليها من ضرر للمجني عليه ولعلاقته بالمجتمع، فقد تصدى المشرع الكويتي لها بالتجريم، وقرر لها عقوبة رادعة، وتأكيداً منا على جسامة الخطورة التي تمثلها جريمة الابتزاز الإلكتروني، فقد خصصنا هذا المقال لوضع تلك الجريمة تحت دائرة الضوء، لبيان أهم وأبرز جوانبها، والتعريف بالعقوبة التي قررها لها المشرع الكويتي.
أولاً: التعريف بجريمة الابتزاز الإلكتروني
كما سبق وأن أشرنا في مقدمة المقال فإن جريمة الابتزاز الإلكتروني تعد نتاجاً سلبياً أفرزته الثورة المعلوماتية التي طرأت على العالم في عصرنا الحالي، حيث يرتكب الجاني جريمته دون أن ينتقل من مكانه أمام شاشة الحاسب الآلي أو هاتفه الذكي، وهذه السهولة واليسر في ارتكاب الجريمة تعد من أهم العوامل التي ساعدت على انتشارها.
والابتزاز في صورته التقليدية يقصد به قيام الجاني بتهديد المجني عليه بكشف معلومات عنه، أو القيام بفعل في حقه أو في حق شخص قريب منه، وذلك في حالة عدم قيام المجني عليه بالاستجابة إلى طلبات الجاني، والتي تختلف من جريمة إلى أخرى.
أما على صعيد التعريف بالابتزاز الإلكتروني فنجد أنه المشرع الكويتي لم يضع تعريفاً له في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، حيث ترك تلك المهمة للفقه القانوني، والذي تعرض لتلك الجريمة بأكثر من تعريف، وكان أبرز هذه التعريفات التعريف بجريمة الابتزاز الإلكتروني على أنها حصول الجاني على مستندات معلومات أو صور أو فيديوهات خاصة بالمجني عليه، وذلك عبر استخدامه لوسيلة من وسائل تقنية المعلومات، وتهديد المجني عليه بنشرها حال عدم انصياعه لتنفيذ طلبات الجاني.
وخلاصة جوهر جريمة الابتزاز الإلكتروني أنها استخدام الجاني لوسيلة من وسائل تقنية المعلومات، بغرض تهديد وإكراه المجني عليه والضغط عليه لتحقيق طلبات ورغبات الجاني، عن طريق معلومات يعرفها عن المجني عليه، أو بإنزال ضرر ما عليه أو على شخص قريب منه، وذلك كوسيلة لممارسة فعل الضغط والإكراه والتهديد.
ثانياً: نص تجريم الابتزاز الإلكتروني
قرر المشرع الكويتي تجريم الابتزاز الإلكتروني بموجب النص عليه كفعل يجرمه القانون، وذلك بنص المادة رقم (3/4) من القانون رقم 63 لسنة 2015 في شأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي نصت على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار ولا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من: 4-استعمل الشبكة المعلوماتية أو استخدم وسيلة من وسائل تقنية المعلومات في تهديد أو ابتزاز شخص طبيعي أو اعتباري لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه”.
ثالثاً: المجني عليه في جريمة الابتزاز الإلكتروني
وفقاً لنص التجريم آنف الذكر فإنه لا يقتصر وقوع جريمة الابتزاز الإلكتروني على الأشخاص الطبيعيين فقط، بل يمكن أيضاً أن تقع على الأشخاص الاعتباريين، لذلك فإن المدني عليه في تلك الجريمة قد يكون أي شخص طبيعي أو معنوي وذلك على النحو التالي:
(1) الشخص الاعتباري
قد يتم استهداف الشخص الاعتباري بجريمة الابتزاز الإلكتروني، كما هو الحال في استهداف مؤسسة حكومية أو غير حكومية، وابتزازها عن طريق الحصول على معلومات سرية تخصها والتهديد بفضح تلك المعلومات ونشرها عبر الشبكة المعلوماتية والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في حالة عدم تنفيذ تلك المؤسسة لطلبات الجاني “المبتز الإلكتروني”.
(2) الشخص الطبيعي
قد يكون المجني عليه في جريمة الابتزاز الإلكتروني هو شخص طبيعي مع اختلاف الجنس والعمر، وذلك على النحو التالي:
- الحدث: يُقصد بالحدث كل شخص – ذكر كان أو أنثى – لم يتجاوز من العمر الثامنة عشر سنة، ومن أكثر الفئات عُرضة ليكون ضحية لجريمة الابتزاز الإلكتروني هم الأحداث، وذلك لعدة عوامل أهمها سهولة الضغط عليه لصغر سنه وعدم قدرته على التفكير بشكل سليم، وسهولة إخافته وبث الرعب والقلق في نفسه والسيطرة على عقله، بالإضافة إلى أن الأحداث هم أكثر الفئات تعاملاً مع التكنولوجيا الحديثة واراتياداً لمواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما في غياب أو ضعف الرقابة الأسرية، مما يجعلهم فريسة سهلة للمبتز الإلكتروني، لاسيما في ظل خوفهم من الأهل والأسرة إذا ما افتضح الأمر الذي يتم تهديدهم به.
- النساء: تعد النساء أكثر الفئات المستهدفة بجرائم الابتزاز الإلكتروني، وخاصة الجرائم ذات الهدف الجنسي الذي يرتكبها الجناة من الرجال، لذلك غالباً ما يكون ابتزاز النساء عن طريق التهديد بصور أو مقاطع مصورة أو محادثات خاصة خادشة للحياء، فيسها ابتزازها لخوفها من الفضيحة والعار إذا ما تم نشر تلك الصور والمقاطع المصورة.
- الرجال: يكون الرجل أيضاً عرضة ليصبح مجني عليه في جرائم الابتزاز الإلكتروني، ويكون ذلك للعديد من الأسباب المختلفة، حيث يكون من أحد الأثرياء الذين يتم ابتزازهم عن طريق تهديدهم بالقتل، أو بكشف علاقة غير مشوعة تربطه بامرأة من ذوي السمعة السيئة، أو الحصول على بعض الأسرار الخاصة بعمله وتهديده بكشفها، وهو ما ينال من سمعته واعتباره ومركزه في المجتمع، مما يضعه تحت طائلة تلك الجريمة.
رابعاً: أركان جريمة الابتزاز الإلكتروني
تمثل جريمة الابتزاز الإلكتروني الوجه الآخر لجريمة الابتزاز في صورتها التقليدية، إلا أنها تختلف عنها في طبيعتها كجريمة إلكترونية، لذلك فإن جريمة الابتزاز الإلكتروني تقوم على تحقق ركنين أساسيين مثلها في ذلك مثل جريمة الابتزاز التقليدية، وهما الركنين المادي والمعنوي، يٌضاف إليهما ركناً ثالثاً يُعرف بالركن المفترض.
(1) الركن المفترض
الركن المفترض لجريمة الابتزاز الإلكتروني بوجه خاص والجرائم الإلكترونية بوجه عام هو الركن الخاص بارتكاب الجريمة باستخدام الشبكة المعلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، وهو ركن مفترض لكونه الركن الذي حال انتفائه تصبح الجريمة هي جريمة ابتزاز تقليدية يخضع مرتكبها في عقوبته لقانون الجزاء وليس لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وبذلك يكون هذا الركن هو الذي يحدد ما إذا كانت جريمة الابتزاز إلكترونية أم تقليدية.
(2) الركن المادي
يتمثل الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني في الفعل أو السلوك الإجرامي الذي يتم من جانب الجاني، والذي بموجبه تظهر جريمة الابتزاز الإلكتروني إلى الوجود، وهذا الفعل هو فعل التهديد الذي يوجه من الجاني عبر الشبكة المعلوماتية أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات إلى المجني عليه، بغرض إلقاء الخوف والرعب في نفسه، وذلك للضغط عليه وإجباره على القيام بفعل ما أو الامتناع عن القيام به.
وعلى سبيل المثال قد يتمثل الركن المادي في فعل تهديد المدني عليه بكشف سر ما يخصه، أو نشر فيديو فاضح له على شبكة الإنترنت، وذلك بغرض الضغط عليه للحصول منه على أموال، أو منعه من القيام بأي عمل ما.
مع ملاحظة أن الركن المادي لجريمة الابتزاز الإلكتروني قد يسبقه ارتكاب ركن مادي لجريمة أخرى، بل قد يسبقه ارتكاب جريمة إلكترونية أخرى متكاملة وهي جريمة الاختراق أو الدخول غير المشروع لحساب يخص المجني عليه، وذلك بغرض الحصول على المعلومات التي سيتم استخدامها لتهديد المجني عليه في جريمة الابتزاز الإلكتروني، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود جرائم ابتزاز إلكتروني تتم بواسطة معلومات أو محتوى مصور تحصل عليه الجاني بنفسه، كما هو الحال في قيام الجاني بتصوير المجني عليه في وضع مخل ثم يقوم بتهديده بالمقطع الذي قام بتصويره.
(3) الركن المعنوي
تعد جريمة الابتزاز الإلكتروني جريمة من طائفة الجرائم العمدية، وهي الجرائم التي يلزم لمعاقبة مرتكبها أن يتوافر لديه القصد الجاني العام المتمثل في عنصري العلم والإرادة، ويقصد بعنصر الإرادة أن تتجه الإرادة الحرة للجاني إلى ارتكاب الركن المادي للجريمة عن قصد ودون إكراه أو إجبار، ومستهدفاً لتحقيق النتيجة الإجرامية المترتبة عليه، بينما يقصد بعنصر العلم أن يكون الجاني أثناء ارتكابه للفعل أو السلوك الإجرامي المكون للركن المادي للجريمة على علم بأن هذا الفعل الذي يرتكبه هو فعل يُشكل جريمه وضع القانون عقوبة لمرتكبها، ومع ذلك تظل إرادته متجهة لارتكاب تلك الجريمة.
خامساً: العقوبة المقررة لجريمة الابتزاز الإلكتروني
قرر المشرع الكويتي لجريمة الابتزاز الإلكتروني عقوبة توقع على من ارتكبها في الظروف العاددية، كما قرر لها عقوبة مشددة متى اقترن بارتكابها ظرف مشدد، وبيان ذلك على النحو التالي:
(1) العقوبة العادية للجريمة: تتمثل تلك العقوبة في الحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات والغرامة التي تتراوح من ثلاثة آلاف دينار وحتى عشرة آلاف دينار، أو الاكتفاء بتوقيع إحدى هاتين العقوبتين فقط.
(2) العقوبة المشددة للجريمة: قرر المشرع ظرفاً مشدداً يتم تشديد العقوبة المقررة لتلك الجريمة حال تحققه، ويتمثل هذا الظرف المشدد في أن يكون التهديد الصادر من الجاني هو تهديد بارتكاب جناية ضد المجني عليه (كما هو الحال في تهديد الجاني بقتل المجني عليه)، أو تهديد بفعل يمس بكرامة المجني عليه أو يخدش شرفه أو اعتباره أو سمعته (كما هو الحال في تهديد الجاني بالقيام بفعل فاحش مع المجني عليه أو أحد نساء عائلته)، ففي تلك الحالة يتم تشديد العقوبة لتصبح الحبس لمدة لا تزيد عن خمس سنوات والغرامة التي تتراوح من خمسة آلاف دينار وحتى عشرين ألاف دينار، أو الاكتفاء بتوقيع إحدى هاتين العقوبتين فقط.