تم التحديث ساعتين ago عن طريق ahmad

‏جريمة الاحتيال الإلكتروني

Download PDF

 

جريمة الاحتيال الإلكتروني

في ظل التحول الرقمي للمعاملات المالية الذي أصبح هو الاتجاه المتزايد وبشكل سريع في جميع دول العالم، فقد ظهرت إلى الوجود العديد من الظواهر الغير مرغوبة التي باتت تمثل تهديداً لتلك المعاملات، سواء من حيث أمانها أو استقرارها أو درجة الوثوق في تلك النوعية الحديثة من المعاملات المالية، ومن أبرز تلك الظواهر وأكثرها خطورة هي جريمة الاحتيال الإلكتروني، خاصة وأن تلك الجريمة لا تقتصر على كونها تهديداً للأموال الخاصة بالأفراد، بل تتجاوز ذلك باعتبارها تمثل تحدياً هائلاً يواجه الأنظمة المالية للدول ذاتها، ومعضلة وعائق يواجه النظم المصرفية والمالية.

ولا تقتصر جريمة الاحتيال الإلكتروني في وقوعها على الأموال، بل قد تستهدف المنافع أو المستندات أو حتى التوقيعات الإلكترونية، لاسيما وأن تلك الأهداف تمثل في حد ذاتها قيم مالية مختلفة، باعتبارها تثبت حقوق لأصحابها وهذه الحقوق لها قيمة مالية، مما اقتضى أن يتم مواجهة تلك الجريمة على الصعيد التشريعي، وهو ما حققه المشرع الكويتي بقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، حيث وضع تجريماً صارماً لجريمة الاحتيال الإلكتروني، وهو ما سنتناوله بالشرح في هذا المقال، حيث سنتعرض لأهم جوانب جريمة الاحتيال الإلكتروني، مع بيان العقوبة التي قررها القانون لمرتكب هذه الجريمة.

 

أولاً: نص تجريم فعل الاحتيال الإلكتروني

نص المشرع الكويتي على تجريم الاحتيال الإلكتروني في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، وذلك بموجب الفقرة الخامسة من المادة رقم (3) منه، والتي نصت على أن (يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار ولا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من: ….. 5- توصل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو باستخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات إلى الاستيلاء لنفسه أو لغيره على مال أو منفعة أو مستند أو توقيع على مستند، وذلك باستعمال طريقة احتيالية أو باتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة متى كان ذلك من شأنه خداع المجني عليه).

 

ثانياً: ما هو مضمون جريمة الاحتيال الإلكتروني؟

جريمة الاحتيال الإلكتروني تتشابه في العديد من الأوجه مع جريمة الاحتيال في صورتها التقليدية، حيث أن كلا من الجريمتين تتمحور حول الاحتيال الذي لا يتحقق إلا باستخدام وسائل الغش والخداع، وبالتالي تعتمدان على ذكاء ومكر الجاني عن طريق إقناعه بتسليمه إليه طواعية ورضاءاً، كما أن محل الجريمتين إما مال أو شيء له قيمة مالية، كما أن هدف الجاني من ارتكاب الجريمتين هو الاستيلاء على محل الجريمة الذي يخص المجني عليه بنية إدخاله في ملكه وحرمان صاحبه من الاحتفاظ به.

إلا أن هناك أوجه اختلاف جوهرية بين كلاً من الجريمتين، ومن أهم وأبرز تلك الأوجه نذكر ما يلي:

(1) البيئة التي يتم ارتكاب جريمة الاحتيال الإلكتروني هي البيئة الرقمية المتمثلة في العالم الافتراضي، بينما يتم ارتكاب جريمة الاحتيال في صورتها التقليدية على أرض الواقع الفعلي.

(2) نظراً لكون جريمة الاحتيال الإلكتروني تتم في البيئة الرقمية، فبالتالي لا يقتضي ارتكابها التقاء الجاني مع المجني عليه، بل قد تتم بين شخصين عن بُعد، ويكون كل منهما في دولة تختلف عن الدولة التي يتواجد فيها الآخر، وذلك عبر وسائل تقنية المعلومات وشبكة الإنترنت، بينما جريمة الاحتيال التقليدية يتم ارتكابها على أرض الواقع، ويلتقي الجاني والمجني عليه في الغالبية العظمى منها وجهاً لوجه في مكان واحد.

(3) نص تجريم فعل الاحتيال في صورته التقليدية يقتصر وقوعه على محل محدد وهو المال المنقول الذي يقع في ملك شخص خلاف الجاني، بينما في جريمة الاحتيال الإلكتروني تضمن نص التجريم على محال أخرى بخلاف المال المنقول ليشمل محل تلك الجريمة بجانب المال.

 

ثالثاً: صور جريمة الاحتيال الإلكتروني

على أرض الواقع العملي تتعدد الصور التي تتم بموجبها جريمة الاحتيال الإلكتروني بشكل لا يمكن معه حصرها، إلا أن هناك بعض الصور التي تعد هي الأكثر شيوعاً لارتكاب تلك الجريمة، وتتمثل هذه الصور في الصور الآتي ذكرها:

  • الاحتيال عبر البريد الإلكتروني، وذلك عن طريق إرسال إيميل من قبل الجاني إلى المجني عليه، يطلب منه فيه – على سبيل المثال وليس الحصر – التبرع إلى جهات وهمية بغرض مساعدة المحتاجين سواء في بلد المجني عليه أو في أي بلد آخر.
  • الرسائل الإلكترونية والمكالمات التي يطلب فيها الجاني من المجني عليه رقم حسابه المصرفي أو بيانات بطاقة الفيزا الخاصة به، بزعم من الجاني أنه من خدمة العملاء ويرغب في تحديث بيانات الحساب المصرفي أو الفيزا.
  • مواقع الإنترنت والمتاجر الإلكترونية الوهمية، والتي تقوم بعرض منتجات أو تقديم خدمات وهمية وغير موجودة على أرض الواقع، وتتحصل من المجني عليهم على قيمتها دون منحها لهم.
  • الاحتيال عبر شبكة الإنترنت للحصول على التوقيع الإلكتروني للمجني عليه واستخدامه، وذلك عن طريق إبرام تعاقدات وهمية لشراء أو تأجير لأشياء غير موجودة.
  • استخدام الألعاب الإلكترونية من قبل الجناة، والتي يتحصلون بموجبها على البيانات والمعلومات سواء الشخصية أو المالية لمستخدمي تلك الألعاب، واستخدامها للحصول على أموالهم.
  • المواقع الإلكترونية التي تتخذ شكل المواقع الرسمية والحكومية، والتي يتم استخدامها من قبل الجناة للوصول إلى البيانات الشخصية والمالية للمجني عليهم، واستخدامها بعد ذلك للاستيلاء على أموالهم.
  • الرسائل الإلكترونية التي تصل إلى المجني عليه، بزعم كاذب أنه ربح جائزة مالية كبيرة، ولكن للحصول عليها يجب أن يزود الجاني برقم حسابه المصرفي واسم المصرف ورقم الهاتف واسم المستخدم.

وغيرها من صور الاحتيال الإلكتروني الأخرى التي تتم على ذات الشاكلة، والتي لا تخرج عن إطار استخدام وسائل احتيالية لإقناع المجني عليه بتقديم بيانات ومعلومات يمكن من خلالها للجاني تحقيق مآربه الإجرامية.

 

رابعاً: أركان جريمة الاحتيال الإلكتروني

تقوم جريمة الاحتيال الإلكتروني على ركنين رئيسيين وهما الركن المادي والركن المعنوي، وسوف نتناول كل ركن منهما بشكل مستقل في الأسطر القليلة القادمة.

(1) الركن المادي لجريمة الاحتيال الإلكتروني

المقصود بالركن المادي لجريمة الاحتيال الإلكتروني السلوك الإجرامي الذي يسلكه الجاني لتحقيق جريمته، والذي ينصب على الوسائل الاحتيالية التي يتم اللجوء إليها من قبل الجاني لإقناع المجني عليه بتسليمه محل الجريمة، ويتشكل الركن المادي لجريمة الاحتيال الإلكتروني من ثلاث عناصر رئيسية وهي السلوك الإجرامي، والنتيجة الإجرامية، وعلاقة السببية.

  • السلوك الإجرامي: يتمثل السلوك الإجرامي في جريمة الاحتيال الإلكتروني في الوسائل الاحتيالية التي يتبعها الجاني من خلال الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، وقد أصاب المشرع الكويتي في عدم ذكر الوسائل الاحتيالية التي يمكن للجاني استخدامها على سبيل الحصر، لاسيما وأن تلك الوسائل متعددة ولا يمكن حصرها، كما يمكن أن تظهر وسائل احتيالية جديدة لم تكن موجودة من قبل في ظل التطور المعلوماتي الهائل والمتسارع، لذلك وعلى الرغم من ذكر المشرع لوسيلة اتخاذ اسم كاذب أو انتحال صفة غير صحيحة، فقد أضاف إليها وسيلة استخدام طريقة احتيالية لتكون شاملة لأي طرق احتيالية حالية أو مستقبلية، ويظل باب التجريم مفتوحاً أمام أي طرق احتيالية مستجدة.

إلا أن استخدام الوسائل الاحتيالية التي يجرمها المشرع في جريمة الاحتيال الإلكتروني يستلزم تحقق شرط هام بها، وهي أن يكون استخدام الجاني له من شأنه أن يخدع المجني عليه، أما إذا لم يكن من شأن استخدام الجاني لتلك الوسائل الاحتيالية أن يخدع المجني عليه فلا يتحقق الركن المادي للجريمة.

  • النتيجة الإجرامية: يُقصد بالنتيجة الإجرامية في جريمة الاحتيال الإلكتروني تحقق النتيجة التي استهدفها الجاني من جريمته، والتي تتمثل في حصول الجاني على محل الجريمة، والذي يمنحه له المجني عليه طوعاً تحت تأثير الخداع الناتج عن استخدام الجاني للوسائل الاحتيالية، فبمجرد حصول الجاني على محل الجريمة – البيانات أو التوقيع الإلكتروني أو المستند أو المنفعة – تعد النتيجة الإجرامية لجريمة الاحتيال الإلكتروني قد تحققت.
  • علاقة السببية: لا يكتمل الركن المادي لجريمة الاحتيال الإلكتروني بمجرد تحقق عنصري السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية، بل يلزم أن يتحقق العنصر الثالث والمتمثل علاقة السببية التي تربط بين العنصرين آنفي الذكر، وذلك بأن يكون حصول الجاني على محل الجريمة هو نتيجة لارتكاب الجاني للسلوك الإجرامي المتمثل في استخدام الوسائل الاحتيالية، أي أن يكون تسليم المجني عليه محل الجريمة للجاني قد تحقق كنتيجة منطقية للخداع الذي وقع فيه نتيجة استخدام الجاني للوسائل الاحتيالية، فعلى سبيل المثال لو تسلم الجاني محل الجريمة من المجني عليه بشكل سابق على استعمال الوسائل الاحتيالية فإن علاقة السببية تنتفي، وذلك باعتبار أن النتيجة الإجرامية قد تحققت دون تحقق السلوك الإجرامي، وهو بدوره ما ينفي تحقق النتيجة الإجرامية كنتيجة لاستخدام الوسائل الاحتيالية.

ومتى تحققت تلك العناصر الثلاث يكون الركن المادي لجريمة الاحتيال الإلكتروني قد تحقق، ويستوي الأمر سواء كان الجاني قد ارتكب الجريمة لحساب نفسه أو لحساب غيره، ففي كلتا الحالتين يُعد الجاني واقعاً تحت طائلة العقاب.

(2) الركن المعنوي لجريمة الاحتيال الإلكتروني

وفقاً لما جاء بنص تجريم الاحتيال الإلكتروني فإن المشرع قد تطلب تحقق القصد الجنائي لدى الجاني، حيث أن تلك الجريمة من الجرائم العمدية التي لا يتصور ارتكابها عن طريق الخطأ، إلا أن هناك خلافاً فقهياً حول ما إذا كان القصد الجنائي اللازم لتحقق تلك الجريمة هو القصد الجنائي بنوعيه العام والخاص أم القصد الجنائي العام فقط، وذلك لرؤية جانب من الفقه أن مجرد تحقق القصد الجنائي العام يُغني عن توافر القصد الجنائي الخاص، وسوف نوضح ذلك على النحو التالي:

  • القصد الجنائي العام: وهذا القصد الجنائي يلزم توافره لكي يتحقق الركن المعنوي في حق الجاني، حيث يجب أن يتحقق لدى الجاني عند ارتكابه للسلوك الإجرامي عنصري العلم والإرادة، وعنصر العلم هو أن يكون الجاني عند ارتكابه للسلوك الإجرامي على علم بأن استخدامه للوسائل الاحتيالية لخداع المجني عليه هو فعل يعاقب عليه القانون، وأن محل الجريمة الذي يحاول الاستيلاء عليه مملوك للجاني، أما عنصر الإرادة فيتمثل في أن تكون إرادة الجاني متجهة إلى ارتكاب السلوك الإجرامي الذي يعلم بعدم مشروعيته، فلا يكون مجبراً أو مكرهاً على ارتكابه بل يرتكبه بإرادة حرة خالية من أي عيوب.
  • القصد الجنائي الخاص: يرى جانب من الفقه أن القانون قد تطلب توافر القصد الجنائي الخاص لدى الجاني، والمتمثل في رغبته ونيته في تملك محل الجريمة والتي تتجاوز مجرد الاستيلاء عليه، وإن كنا نرى أن مجرد تحقق القصد الجنائي العام يكفي لتحقق الركن المعنوي لجريمة الاحتيال الإلكتروني، بغض النظر عن نية التملك من عدمه، لاسيما وأن استلزام تحقق القصد الجنائي الخاص سوف يكون سبباً في إفلات بعض الجناة من العقاب استناداً إلى عدم توجه نيتهم إلى تملك محل الجريمة.

 

خامساً: العقوبة المقررة لجريمة الاحتيال الإلكتروني

وضع المشرع الكويتي عقوبة توقع على مرتكب جريمة الاحتيال الإلكتروني، وتتمثل هذه العقوبة في الجمع بين عقوبتي الحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات والغرامة التي تتراوح ما بين ثلاثة آلاف دينار وعشرة آلاف دينار، أو الاكتفاء بعقوبة واحدة منهما فقط.

 

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية