تم التحديث 57 ثانية ago عن طريق ahmad
نظرة عامة على أهم جوانب جرائم الإعلام المرئي والمسموع
(في ظل القانون الكويتي رقم 61 لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع)
(الجزء الأول)
في ظل ما يشهده عالمنا الحالي من تطور هائل في مجال الإعلام، والذي كان مواكباً لظهور الأقمار الصناعية وما تقوم ببثه من قنوات فضائية، والتي أزالت من المجتمع العالمي كافة الحدود وبات بمثابة قرية صغيرة، وأصبحت عملية نقل الفكر والرأي بالغة اليسر، وهو أمر على الرغم من إيجابيته في دعم وتعزيز حرية الفكر والرأي، إلا أن له جانب سلبي شديد الخطورة يتمثل في الأفعال والسلوكيات التي تخرج به من حرية رأي إلى جرائم تمس بكثير من الثوابت الدينية والمذاهب السياسية، وتهددها بأضرار جسيمة قد تصل إلى إثارة فتن طائفية أو محاولات لقلب أنظمة الحكم أو هدم لأسس النظام العام والآداب العامة، سواء في الدول التي تُبث منها تلك المادة الإعلامية مرئية كانت أو مسموعة أو في أي دولة أخرى، وهذه الأفعال والسلوكيات ما يطلق عليها جرائم الإعلام المرئي والمسموع.
لذلك فقد لجأ مشرعي القانون في كافة دول العالم إلى سن القوانين المناسبة لمواجهة خطر انتشار تلك الجرائم والحد منها ومن الأضرار المترتبة على ارتكابها، وذلك من خلال وضع الضوابط اللازمة للحفاظ على عدم تحول حرية الرأي إلى اعتداء على حقوق المجتمع وأفراده، وكان المشرع الكويتي من المشرعين السباقين لاتخاذ تلك الخطوة، حيث قام بإصدار القانون رقم 61 لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع ومذكرته الإيضاحية، والذي تناول فيهما الاحكام الخاصة بالجرائم والمخالفات الخاصة بالإعلام المرئي والمسموع، والعقوبات التي توقع على من يرتكبها.
وسوف يكون محور هذا المقال هو توضيح ماهية جرائم الإعلام المرئي والمسموع، وبيان الخصائص التي تميزها عن غيرها من الجرائم المشابهة لها، وغيرها من الأوجه الأخرى التي يمكن من خلالها رسم صورة عامة لهذا النوع من الجرائم.
أولاً: ما هو المقصود بالإعلام المرئي والمسموع؟
يُعد الإعلام المرئي والمسموع هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله جرائم الإعلام المرئي والمسموع، لذلك فإن بيان المقصود به يُعد أمراً واجباً قبل التعرض لهذه الطائفة من الجرائم.
وبمطالعة قانون الإعلام المرئي والمسموع يتبين لنا أن المشرع كان حريصاً كل الحرص على بيان وتحديد ماهية الإعلام المرئي والمسموع، حيث لم يترك التعريف به للفقه القانوني، بل وضع تعريفاً صريحاً له، وذلك في المادة رقم (1/1) من هذا القانون، حيث عرفه بأنه “كل عملية بث تليفزيوني أو إذاعي تصل للجمهور أو فئات معينة منه بإشارات أو صور أو أصوات أو رسومات لا تتسم بالمراسلات الخاصة، وذلك بواسطة المحطات والقنوات والموجات وغيرها من التقنيات الحديثة من وسائل البث والنقل التليفزيوني أو الإذاعي”.
ومن خلال هذا التعريف يتبين أن الإعلام المرئي يتمثل في البث التلفزيوني، والإعلام المسموع يتمثل في البث الإذاعي (الإذاعة).
الإعلام المرئي (البث التلفزيوني): لا يقتصر البث التليفزيوني على معنى محدود، بل يمتد ليشمل كافة صور البث والإرسال التي تتم عبر جهاز التلفزيون أو ما يأخذ حكمها من شاشات تليفزيونية ذكية أو غير ذكية أو غيرها، ومصطلح التلفزيون يطلق على نوعين من البث التلفزيوني، النوع الأول هو البث التلفزيوني التابع للدولة والذي تقوم على إدارته الجهة الحكومية صاحبة الاختصاص، والنوع الثاني هو البث التلفزيوني الخاص والذي تقوم عل إدارته شركات من القطاع الخاص.
الإعلام المسموع (البث الإذاعي): لا يقل البث الإذاعي (الإذاعة) أهمية أو خطورة في التأثير عن البث التلفزيوني، لاسيما وأنها أكثر سهولة ويسر من الصحف والمجلات في الوصول إلى فكر وذهن الشخص سواء كان متعلم أو أمياً، فلا يتكبد الشخص أي جهد في فهم فحوى البث الإذاعي الذي يخاطب سمعه ووعيه، خاصة إذا كان أسلوبها شيق يجذب المستمع، لذلك تشكل الإذاعة خطراً جسيماً على المجتمع متى تم توجيهها واستخدامها بشكل سيء، وبث محتوى يمس بأمن وسلامة المجتمع وكيانه.
ثانياً: التعريف بجرائم الإعلام المرئي والمسموع
يُطلق عليها أيضاً مسمى مختصر وهو جرائم الإعلام، ويرجع ذلك إلى كونها ترتكب من خلال وسائل الإعلام، في ظل وجود إرادة آثمة لدى مرتكبها يحققها من خلال المحتوى الإعلامي الذي يقوم ببثه سواء بشكل مرئي أو مسموع، وذلك حتى يصل إلى النتيجة الإجرامية المستهدفة من تلك الجريمة.
وقد تعددت آراء الفقه القانوني بشأن التعريف بهذا النوع من الجرائم، حيث عرفها جانب منه بأنها شكل من أشكال الجرائم الذهنية، والتي تستهدف عمداً نشر فكرة أو رأي يُجرم القانون نشرها ويعاقب القائم على ذلك بعقوبة جنائية، بينما اتجه جانب آخر إلى تعريف جرائم الإعلام المرئي والمسموع على أنها تدخل في إطار جرائم القانون العام، وذلك لكونها تستخدم وسائل الإعلام المرئي أو المسموع للإعلان عن فكرة أو رأي يتعدى نطاق الحدود المرسومة في شأن حرية الإعلام.
ووفقاً للتعاريف آنفة الذكر وغيرها من التعاريف الأخرى التي لم يتسع المقام لذكرها يتضح أن جرائم الإعلام المرئي والمسموع لا تختلف عن أي جريمة أخرى من الجرائم التي يضعها قانون الجزاء موضع التجريم، ولا يُغير في طبيعتها كونها تُرتكب بواسطة البث التلفزيوني أو الإذاعي، حيث أن القانون لا يعتد بوسيلة ارتكاب الجريمة في شأن تجريم الفعل أو السلوك الإجرامي، ولكنه يعتد به كظرف مشدد للعقوبة، كما هو الحال في جرائم الضرب باليد أو باستعمال سلاح أو أداة حادة، ففي الحالتين تتحقق الجريمة ولكن تكون عقوبتها مشددة في حالة ارتكابها بواسطة استخدام سلاح أو أداة حادة.
وكذلك الأمر بالنسبة لجرائم الإعلام المرئي والمسموع، لاسيما وأن وسائل الإعلام المختلفة تُحقق العلانية فيما يتم ارتكابه بواسطتها من جرائم، وتلك العلانية تمثل ركن رئيسي وصفة لصيقة بتلك الطائفة من الجرائم، حيث أن أدوات ارتكاب تلك الجرائم والمتمثلة في وسائل الإعلام المرئي والمسموع يطلع على ما تبثه من محتوى ملايين من البشر، وبالتالي لا تعد الجريمة هي جريمة إعلامية إلا إذا كانت العلانية متحققة بها.
ونود أن ننوه إلى أن جرائم الإعلام المرئي والمسموع التي ينظمها القانون رقم 61 لسنة 2007 لا يدخل تحت مظلتها جرائم الإعلام المقروء، والمتمثل في الصحف والمجلات والكتب وغيرها من وسائل الإعلام المقروء، حيث يُنظم المشرع الكويتي تلك الجرائم بموجب قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، كما لا يدخل في إطارها جرائم النشر الإلكتروني أو كما يُطلق عليها البعض جرائم الإعلام الإلكتروني، والتي يتم بث المحتوى الإعلامي لها – مرئي أو مسموع أو مقروء – عبر الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، حيث ينظم أحكام تلك الطائفة من الجرائم القانون رقم 63 لسنة 2015 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
مما يمكننا معه تعريف جرائم الإعلام المرئي والمسموع بوجه عام بأنها الجرائم التي يتم فيها ارتكاب السلوك الإجرامي الذي يضعه المشرع موضع التجريم من خلال استخدام إما البث التلفزيوني أو البث الإذاعي.
ثالثاً: سمات وخصائص جرائم الإعلام المرئي والمسموع
تتمتع جرائم الإعلام المرئي والمسموع ببعض السمات والخصائص التي تكتسبها من الطبيعة الخاصة بها، والتي تعد بعضها بمثابة أوجه اختلاف والتي تميز تلك الجرائم عن غيرها من جرائم الإعلام الأخرى، ويمكننا أن نذكر أهم وأبرز تلك الخصائص في النقاط الآتي بيانها:
– العلانية: تتميز جرائم الإعلام المرئي والمسموع مثلها في ذلك مثل سائر جرائم الإعلام الأخرى بسمة أساسية وهي سمة العلانية، والعلانية – وهي نقيض السرية – يُقصد بها الجهر بالأمر وإطلاع الناس عليه، وفي جرائم الإعلام المرئي والمسموع تتحقق العلانية من خلال بث المحتوى الإعلامي – مرئياً كان أو مسموعاً – عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، والتي تتمثل في – كما سبق وأن أوضحنا – البث التلفزيوني (أرضياً أو فضائياً) والبث الإذاعي.
– الانتشار والخطورة: على الرغم من أن جرائم الإعلام المرئي والمسموع تعد من الجرائم واسعة الانتشار، نظراً لكونها تُرتكب بواسطة البث التلفزيوني والإذاعي الذي يصل إلى العديد من المشاهدين سواء داخل الدولة التي يتم البث منها أو خارجها في ظل البث الفضائي، إلا أنها تُعد أقل انتشاراً مقارنة بجرائم الإعلام الإلكتروني، لاسيما وأن الإعلام الإلكتروني لا يتقيد بالقيود المفروضة على الإعلام المرئي والمسموع، سواء من حيث نوع المحتوى الإعلامي أو من حيث نطاق تأثيره وانتشاره، مما يجعل الجرائم المرتكبة من خلال الإعلام الإلكتروني أوسع انتشاراً وأكثر خطورة.
– الخضوع للرقابة الحكومية: تتميز جرائم الإعلام المرئي والمسموع بسهولة السيطرة على وقوعها من قبل الجهات الحكومية المختصة بالرقابة على وسائل الإعلام المرئي منها والمسموع، والقدرة على تحديد الجاني بشكل سعل وسريع، بينما في جرائم الإعلام الإلكتروني يكون تحديد الجاني والسيطرة على جريمته أكثر صعوبة، لاسيما وأن مجال البث الإلكتروني مرئياً كان أو مسموعهاً هو مجال واسع، ففي البث التليفزيوني أو الإذاعي يمكن غلق القنوات التلفزيونية أو الإذاعية أو حتى الفضائية التي يتم من خلالها البث الذي يمثل جريمة، فيجد المشاهد صعوبة في الوصول إليها مرة أخرى، بينما يمكن للجاني في جرائم الإعلام الإلكتروني الانتقال من موقع إلى آخر وبث محتواه الإعلامي بشكل شديد السهولة، وذلك متى تم حجب الموقع الذي يقوم بالبث منه.
الخاتمة
تناولنا بحمد الله تعالى في هذا المقال بعض الجوانب الهامة المتعلقة بجرائم الإعلام المرئي والمسموع، حيث تعرضنا لماهية الإعلام المرئي والمسموع، والتعريف بجرائم الإعلام المرئي والمسموع، وأهم السمات والخصائص التي تميز هذا النوع من الجرائم، وسوف نتناول في الجزء الثاني منه بإذن الله المسؤولية الجزائية عن جرائم الإعلام المرئي والمسموع، وأركان هذه الجرائم، والعقوبات المقررة لكل جريمة منها.