تم التحديث ساعتين ago عن طريق ahmad

‏نظرة عامة على مبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الكويتي

Download PDF

 

نظرة عامة على مبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الجزائي الكويتي

يعد مبدأ التتبع من المبادئ القضائية البارزة التي استقر عليها القضاء الجزائي في دولة الكويت، حيث يمثل أحد أهم الاستثناءات التي أجاز فيها القانون لرجال الشرطة القبض على المتهمين وتفتيشهم دون الحاجة إلى صدور إذن مسبق من النيابة العامة أو الجهات المختصة، وذلك في إطار الجرائم التي تتحقق فيها حالة التلبس. وقد رسخت محكمة التمييز الكويتية هذا المبدأ في العديد من أحكامها، مراعية في ذلك الضوابط والأحكام التي أقرها قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 وتعديلاته، بما يحقق التوازن بين ضرورة كشف الجريمة وضبط مرتكبيها، وبين حماية الحريات العامة وحرمة الحياة الخاصة التي كفلها الدستور والقانون.

وتبرز خطورة هذا المبدأ كونه يجيز المساس بالحقوق الأساسية للأفراد، وفي مقدمتها الحق في الحرية الشخصية وحرمة المساكن، وذلك في إطار استثنائي ضيق لا يتسع إلا في حالات محددة. فمبدأ التتبع يمنح رجل الشرطة صلاحية تتبع وملاحقة أي شخص يكون قد ساهم في ارتكاب جريمة تحققت فيها حالة التلبس، ويمنحه الحق في القبض عليه وتفتيشه شخصياً وتفتيش منزله، وذلك كله دون استلزام وجود إذن مسبق من النيابة العامة. وهذا ما يجعله أحد أهم ثمار تصدي القضاء الجزائي الكويتي لأحكام وضوابط حالة التلبس بالجريمة، خاصة وأن الآثار القانونية لهذا المبدأ تجيز القبض والتفتيش دون أمر مسبق، مما يوضح خطورة مبدأ التتبع باعتباره يمس بالأساسيات التي رسخها الدستور وأسسها القانون في شأن حماية حرمة الحياة الخاصة وعدم جواز المساس بها إلا في أضيق الحدود.

وتزداد أهمية دراسة هذا المبدأ من خلال الوقوف على العناصر اللازم توافرها لتطبيقه، والتي تتمثل في عنصر الاستمرارية وعدم الانقطاع، وعنصر آنية الاعتراف، وعنصر المشاركة في الجريمة محل حالة التلبس، إلى جانب بيان السند القانوني لمبدأ التتبع، وذلك في ضوء الأحكام القضائية التي أصدرتها محكمة التمييز الكويتية في العديد من الطعون الجزائية التي عُرضت عليها، والتي تبلورت في معظمها حول حكم تتبع رجال الشرطة للشخص بناءً على اعتراف شخص آخر عليه، وما يثيره ذلك من إشكاليات قانونية تتعلق بمدى صحة هذا الإجراء ومدى مشروعيته.

كما أن دراسة مبدأ التتبع تتطلب التمييز بين سلطات رجل الشرطة في حالة التلبس، وما يسمح به هذا المبدأ من سلطات استثنائية، وبين سلطاته في غير حالات التلبس التي تستلزم صدور إذن مسبق بالقبض والتفتيش من الجهات المختصة، مع بيان الشروط والضوابط التي يجب توافرها في هذا الإذن حتى يكون صحيحاً منتجاً لآثاره القانونية، وما يترتب على تخلف هذه الشروط من بطلان ينسحب على كافة الإجراءات المترتبة عليه.

من هنا، فإن هذه الدراسة تهدف إلى تقديم نظرة عامة وشاملة لمبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الجزائي الكويتي، من خلال تحليل مفهوم هذا المبدأ، وبيان علاقته بحالة التلبس بالجريمة، واستعراض العناصر اللازم تحققها لاستخدام حق التتبع، مع تقديم رؤية نقدية للسند القانوني لهذا المبدأ، مقترحة بعض التعديلات التشريعية التي من شأنها تحقيق المزيد من الدقة والضبط في صياغة النصوص القانونية ذات الصلة، وذلك بما يسهم في تعزيز الضمانات القانونية وحماية الحقوق والحريات في إطار تحقيق العدالة الجنائية.

ومما لا شك فيه أن القضاء الجزائي في دولة الكويت يلعب دوراً هاماً لا يمكن لأي شخص أن ينكره في مجال ترسيخ المبادئ والقواعد القضائية، والتي يعد بعض منها بمثابة تطبيقات عملية لبعض نصوص القانون، والبعض الآخر منها يُفسر تلك النصوص القانونية، وهناك بعض ثالث منها يقر مبادئ قضائية مستحدثة ومستخلصة من بعض القواعد القانونية ولكنها تُكمل ما أقره القانون من أحكام كما هو الحال في قاعدة “الشك يُفسر لصالح المتهم”، مما يؤكد أن القانون والقضاء في جوهرهما هما وجهين لعملة واحدة لا تكتمل العملة إلا بهما معاً.

ومن أهم وأخطر المبادئ القضائية التي قررها القضاء الجزائي في دولة الكويت هو مبدأ التتبع، والذي بمقتضاه يتاح تفتيش شخص ومسكن المتهم ولكن في حالات محددة، وهو يعد أحد أهم المبادئ التي قررتها ورسختها محكمة التمييز الكويتية، والتي راعت فيها ما يقرره قانون الإجراءات الجزائية الكويتي رقم 17 لسنة 1960 وتعديلاته من أحكام وضوابط في هذا الشأن، مما يجعله أحد أهم ثمار تصدي القضاء الجزائي الكويتي لأحكام وضوابط حالة التلبس بالجريمة، خاصة وأن الآثار القانونية لهذا المبدأ تجيز القبض والتفتيش دون صدور أمر مسبق بذلك من الجهات المختصة، مما يوضح خطورة مبدأ التتبع باعتباره يمس بالأساسيات التي رسخها الدستور وأسسها القانون في شأن حماية حرمة الحياة الخاصة وعدم جواز المساس بها إلا في أضيق الحدود، وسوف نلقي الضوء على أهم الجوانب الخاصة بذلك المبدأ في الأسطر القادمة.

 

أهمية الدراسة :

تكتسب هذه الدراسة حول مبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الجزائي الكويتي أهميتها من عدة جوانب تتشابك فيها الأبعاد القانونية والنظرية والتطبيقية، ويمكن إجمال هذه الأهمية في النقاط التالية:

أولاً: الأهمية الموضوعية:

  • يمثل مبدأ التتبع أحد أهم المبادئ القضائية التي أقرتها محكمة التمييز الكويتية، كونه يجيز لرجال الشرطة القبض على المتهمين وتفتيشهم دون أمر مسبق في حالات محددة، مما يجعله استثناءً على القواعد العامة التي تحكم إجراءات القبض والتفتيش، والتي تستلزم في الأصل صدور إذن من الجهات المختصة.
  • يرتبط مبدأ التتبع ارتباطاً وثيقاً بحالة التلبس بالجريمة، والتي تعتبر من أهم حالات الاستثناء التي ترد على القواعد العامة في الإجراءات الجزائية، حيث تمنح رجال الشرطة سلطات أوسع في ضبط الجريمة ومرتكبيها، مما يستدعي تحديد نطاق هذه السلطات وضوابطها بدقة لتحقيق التوازن بين فعالية العدالة الجنائية وحماية الحريات العامة.
  • يتناول المبدأ مسألة في غاية الحساسية من الناحية الدستورية والقانونية، وهي مسألة المساس بحرمة الحياة الخاصة وحقوق الأفراد في الحرية والأمان على مساكنهم، حيث أن مبدأ التتبع يجيز القبض والتفتيش دون أمر قضائي مسبق، مما يجعله بحاجة إلى دراسة متعمقة لضمان عدم تجاوز الحدود التي رسمها القانون والدستور.

ثانياً: الأهمية التطبيقية والعملية:

  • تساعد هذه الدراسة في توضيح الضوابط والشروط التي يجب أن تتوافر لدى رجال الشرطة عند اللجوء إلى تطبيق مبدأ التتبع، مما يسهم في توجيه العمل الأمني والقضائي بشكل صحيح، ويحد من حالات التجاوز أو التعسف في استخدام هذه السلطة الاستثنائية.
  • تقدم الدراسة إطاراً قانونياً واضحاً للجهات القضائية والأمنية حول الحالات التي يجوز فيها تطبيق مبدأ التتبع، والعناصر التي يجب توافرها لصحة إجراءات القبض والتفتيش في هذه الحالات، مما يسهم في توحيد الممارسات القضائية وتعزيز العدالة.
  • تعالج الدراسة إشكالية استخدام مصطلح “الأدلة القوية” في النص القانوني لمبدأ التتبع، وتقترح استبداله بمصطلح “الدلائل القوية” أو “الدلائل الكافية”، وذلك تماشياً مع ما استقرت عليه معظم التشريعات العربية المقارنة، وهو ما يسهم في تحقيق دقة أكبر في الصياغة التشريعية ويوائم بين النص القانوني والمغزى العملي له.

ثالثاً: الأهمية التشريعية:

  • تسلط الدراسة الضوء على التحديات التي تواجه تطبيق مبدأ التتبع في ضوء النصوص القانونية الحالية، وتقترح تعديلات تشريعية تسهم في سد أي ثغرات قد تطرأ على هذه النصوص، وعلى رأسها تعديل نص المادة (54) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، بما يحقق التوافق بين الصياغة التشريعية والهدف المنشود من المبدأ.
  • تسهم الدراسة في إثراء النقاش حول مدى كفاية النصوص القانونية المنظمة للقبض والتفتيش في حالات التلبس، وإمكانية تطويرها لمواكبة المستجدات والتطورات في مجال العمل الأمني والقضائي.
  • تقدم الدراسة رؤية مقارنة من خلال استعراض بعض التشريعات العربية التي استخدمت مصطلح “الدلائل الكافية” بدلاً من “الأدلة القوية”، مما يثري المكتبة القانونية الكويتية بنماذج تشريعية يمكن الاستفادة منها في تطوير النصوص المحلية.

رابعاً: الأهمية القضائية:

  • تستعرض الدراسة أحكام محكمة التمييز الكويتية المتعلقة بمبدأ التتبع، وتحللها تحليلاً نقدياً، مما يسهم في توضيح المبادئ التي استقر عليها القضاء، ويعزز فهم هذه المبادئ وتطبيقها في القضايا المستقبلية.
  • تبرز الدراسة أهمية الدور الذي تضطلع به محكمة التمييز في ترسيخ مبدأ التتبع وضبط شروطه وعناصره، من خلال الأحكام التي أصدرتها والتي أكدت على ضرورة توافر عناصر الاستمرارية وآنية الاعتراف والمشاركة في الجريمة.
  • تسهم الدراسة في تقديم معايير واضحة يمكن للقضاء الاستناد إليها عند النظر في قضايا تتعلق بمبدأ التتبع، وخاصة فيما يتعلق بتقدير مدى كفاية الدلائل لدى رجل الشرطة لتبرير اللجوء إلى هذا المبدأ.

خامساً: الأهمية الأكاديمية:

  • تسد الدراسة ثغرة في المكتبة القانونية الكويتية والعربية، حيث تقدم بحثاً متكاملاً حول مبدأ التتبع الذي لم يحظَ بدراسة موسعة في الفقه القانوني، على الرغم من أهميته البالغة في مجال الإجراءات الجزائية.
  • تقدم الدراسة مادة علمية غنية يمكن الاستفادة منها في الأبحاث والدراسات المستقبلية، وفي تدريس مقررات قانون الإجراءات الجزائية في كليات الحقوق والمعاهد الأكاديمية.
  • تسهم الدراسة في إثراء النقاش الفقهي حول مبدأ التتبع، من خلال عرض مختلف الآراء الفقهية والقضائية، والخروج بتصورات جديدة يمكن أن تسهم في تطوير الفكر القانوني في هذا المجال.

سادساً: الأهمية المجتمعية:

  • تعمل الدراسة على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية والقضائية، من خلال التأكيد على وجود ضوابط قانونية صارمة تحكم إجراءات القبض والتفتيش، وتمنع التعسف في استخدام السلطات الاستثنائية الممنوحة لرجال الشرطة.
  • تسهم في حماية الحقوق والحريات العامة، من خلال تحديد نطاق الاستثناءات الواردة على القواعد العامة التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وضمان عدم تجاوزها أو التوسع فيها بشكل غير مبرر.
  • تعزز الدراسة مبدأ سيادة القانون، من خلال التأكيد على أن كافة إجراءات القبض والتفتيش، بما في ذلك تلك التي تتم في حالات التلبس، تخضع لرقابة القضاء وتقييمه، ولا يجوز الخروج على الضوابط القانونية المنظمة لها.

 

أهداف البحث

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تتوزع بين الأهداف العلمية النظرية والأهداف التطبيقية العملية، ويمكن إجمالها على النحو التالي:

أولاً: الأهداف العلمية النظرية:

  • تقديم تعريف واضح ومحدد لمبدأ التتبع، وذلك من خلال الرجوع إلى الأحكام القضائية التي تناولته أو استندت إليه في صدورها، والخروج بتعريف شامل يحدد ماهيته وطبيعته القانونية، في ظل خلو مؤلفات الفقه القانوني من تعريف واضح لهذا المبدأ.
  • تحليل مفهوم الجريمة المشهودة (حالة التلبس بالجريمة)، وبيان حالاتها التي حددها قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي على سبيل الحصر، وهي حالة ارتكاب الجريمة في حضور رجل الشرطة، وحالة حضور رجل الشرطة إلى محل ارتكاب الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة وكانت آثارها ونتائجها لا تزال قاطعة بقرب وقوعها.
  • التمييز بين سلطات رجل الشرطة في حالات التلبس التي يجيز فيها مبدأ التتبع القبض والتفتيش دون إذن مسبق، وبين سلطاته في غير حالات التلبس التي تستلزم صدور إذن من الجهات المختصة، مع بيان الشروط والضوابط الواجب توافرها في هذا الإذن.
  • تحديد العناصر اللازم تحققها لاستخدام حق التتبع، والمتمثلة في: عنصر الاستمرارية وعدم الانقطاع، وعنصر آنية الاعتراف، وعنصر المشاركة في الجريمة محل حالة التلبس، مع تحليل كل عنصر على حدة وبيان أثره في صحة إجراءات التتبع.
  • بيان السند القانوني لمبدأ التتبع، وذلك من خلال تحليل نص المادة (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وتقييم مدى كفاية صياغته التشريعية، مع تقديم رؤية نقدية لهذا النص.

ثانياً: الأهداف التطبيقية العملية:

  • وضع معايير واضحة لضبط إجراءات القبض والتفتيش في حالات التلبس، وذلك من خلال تحديد الضوابط التي يجب أن يلتزم بها رجال الشرطة عند اللجوء إلى تطبيق مبدأ التتبع، بما يكفل حماية حقوق المتهمين ويحقق العدالة.
  • توضيح الآثار القانونية المترتبة على عدم توافر العناصر اللازمة لاستخدام حق التتبع، وبيان أن إجراءات القبض والتفتيش في هذه الحالة تكون باطلة، وما يترتب على ذلك من بطلان كافة الإجراءات المترتبة عليها، وعدم جواز التعويل عليها في إدانة المتهم.
  • تقديم توصيات عملية للجهات التشريعية والقضائية والأمنية، تهدف إلى تطوير النصوص القانونية المنظمة لمبدأ التتبع، وتعزيز الضمانات القانونية لاستخدامه، ونشر الوعي بأهمية ضوابطه بين العاملين في المجالين الأمني والقضائي.
  • تقديم رؤية نقدية لدور القضاء الجزائي الكويتي في ترسيخ مبدأ التتبع وضبط شروطه وعناصره، وذلك من خلال تحليل الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة التمييز في هذا الشأن.

ثالثاً: الأهداف المنهجية:

  • اعتماد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص القانونية والأحكام القضائية ذات الصلة بمبدأ التتبع، مع تحليلها تحليلاً نقدياً للوقوف على مضمونها وفحواها.
  • تطبيق المنهج المقارن من خلال المقارنة بين النص القانوني الكويتي المتعلق بمبدأ التتبع ونظائره في بعض التشريعات العربية، مثل القانون الأردني والإماراتي والبحريني واليمني، وذلك للوقوف على مدى دقة الصياغة التشريعية في كل منها.
  • تحليل الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة التمييز الكويتية المتعلقة بمبدأ التتبع، واستخلاص المبادئ التي استقر عليها القضاء في هذا الشأن.
  • استعراض آراء الفقه القانوني في تعريف الدلائل القوية والسبب المحتمل، والخروج بتصور متكامل حول المعيار القانوني الذي يقوم عليه مبدأ التتبع.

رابعاً: الأهداف التنموية:

  • المساهمة في تطوير المنظومة التشريعية الكويتية، من خلال تقديم مقترحات لتعديل بعض النصوص القانونية، وتحديداً المادة (54) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، بما يحقق الدقة في الصياغة التشريعية ويتوافق مع المعايير القانونية السليمة.
  • تعزيز ثقافة احترام الحقوق والحريات في العمل الأمني والقضائي، من خلال التأكيد على الضوابط القانونية التي تحكم إجراءات القبض والتفتيش، وضرورة التقيد بها في جميع الأحوال.
  • إثراء المكتبة القانونية الكويتية بدراسة متخصصة حول مبدأ التتبع، تسهم في سد النقص في المؤلفات الفقهية التي تناولت هذا الموضوع، وتوفر مادة علمية يمكن الاستفادة منها في الأبحاث والدراسات المستقبلي

 

أولاً: المقصود بمبدأ التتبع

خلت كتابات ومؤلفات الفقه القانوني من ثمة تعريف واضح ومحدد لمبدأ التتبع، لذلك فإن السبيل الوحيد لبيان تعريف ومفهوم هذا المبدأ هو الرجوع إلى الأحكام القضائية التي تناولته أو استندت إليه في صدورها، والوصول من خلالها إلى فحوى مبدأ التتبع.

وبالرجوع إلى أحكام القضاء الجزائي الكويتي يتبين لنا أن هذا المبدأ قد ورد بمسماه – مبدأ التتبع – في أحكام محكمة التمييز، والتي يمكننا أن نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر حكم محكمة التمييز الذي أقر أن تتبع رجال الشرطة للشخص بناء على اعتراف شخص آخر عليه، والقبض عليه وتفتيشه بناء على هذا التتبع فإنه يعد إجراءاً صحيحاً، حيث تضمن هذا الحكم أن “متى اعترف المتهم فور القبض عليه على شخص آخر لم يكن بمحل الحادث بأنه مصدر المخدر المضبوط معه، فإن قيام ضابط الشرطة بتتبع هذا الشخص والفبض عليه وتفتيشه يعد إجراءاً صحيحاً[1].

كما ذكرت محكمة التمييز أيضاً في حكم آخر لها بأن “ومتى اعترف المتهم فور القبض عليه على شخص آخر لم يكن بمحل الحادث بأنه مصدر المؤثر العقلي المضبوط معه، فإن قيام ضابط الشرطة بتتبع هذا الشخص والقبض عليه وتفتيشه يكون إجراءاً صحيحاً”[2].

وغيرها من الأحكام الأخرى التي أصدرتها محكمة التمييز في العديد من الطعون الجزائية التي عُرضت عليها، والتي تتطابق في مضمونها فيما قررته بشأن مبدأ التتبع، والتي لن نسهب في إيراد أمثلة عليها، خاصة وأننا نلاحظ التطابق الكامل فيما جاء بالحكمين آنفي الذكر بخصوص هذا المبدأ، وهو ذاته مضمون ما ورد بالأحكام الأخرى.

ولم يقتصر ذكر مبدأ التتبع في أحكام القضاء الكويتي فقط، ولكنه جاء أيضاً في تعميم السيد المستشار النائب العام الكويتي والصادر برقم 2 لسنة 1986، حيث ورد به ما يلي “يجوز للنيابة العامة بعد التحريات التي تقدمها الشرطة أن تأمر بتفتيش شخص معين ومن يتصادف وجوده معه وقت التفتيش، على أساس مظنة اشتراكه معه في الجريمة التي أُذن بالتفتيش من أجلها، دون حاجة إلى أن يكون المأذون بتفتيشه معه مسمى باسمه، او أن يكون في حالة تلبس بالجريمة قبل تنفيذ الإذن وحصول التفتيش، وهو ما يُلزم القائم بتنفيذ الإذن تتبع الجريمة ومن ساهم فيها والقبض عليه وتفتيشه، ولكن ليس على المطلق”.

واستناداً إلى مجمل ما سبق ذكره آنفاً يتبين لنا أن التعريف الأمثل لمبدأ التتبع هو أنه الحالة الاستثنائية التي يجوز عند تحققها لرجل الشرطة أن يقوم بتتبع وملاحقة أي شخص يكون قد ساهم في ارتكاب جريمة تحققت فيها حالة التلبس، ويحق له عندئذ القبض عليه والقيام بتفتيشه شخصياً وتفتيش منزله، وذلك جميعه بدون استلزام وجود إذن مسبق من النيابة العامة بأياً من ذلك.

وبالتالي فإن فحوى مبدأ التتبع يستند إلى الجريمة التي تتحقق فيها حالة تلبس، والتي يسميها كلاً من القانون والفقه القانوني بـ “الجريمة المشهودة”، وهو ما يستدعي منا في هذا المقام أن نتناول تلك الجريمة ببعض الشرح والتوضيح.

ثانياً: الجريمة المشهودة (حالة التلبس بالجريمة)

الجريمة المشهودة هي الجريمة التي ذكرها قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي في أكثر من مادة، حيث حدد الحالات التي يتحقق فيها وصف التلبس في الجريمة وتعد بمثابة جريمة مشهودة على سبيل الحصر بحيث لا يجوز التوسع فيها، وذلك بموجب نص المادة رقم (56) من القانون والتي نصت على حالتين يحق فيهما لرجال الشرطة حق القبض بدون أمر على المتهمين، وهاتين الحالتين هما حالتي الجنح المشهودة، واعتبرت تلك الحالتين أن الجريمة تكون مشهودة على النحو التالي:

  • إذا ارتكبت في حضور رجل الشرطة، أي أن يشاهد رجل الشركة الجريمة حال وقوعها، وهذه الحالة تعد حالة التلبس الصريح والحقيقي بالجريمة، ولا يقتصر لفظ “المشاهدة” هنا على الرؤية البصرية لرجل الشرطة للجاني يرتكب جريمته بعينيه فقط، ولكنه يتسع ليشمل المشاهدة بمعنى الإدراك في مفهومه ومدلوله الواسعين، وذلك بما يشمله من حواس الإنسان الأخرى التي يمكنه من خلالها إدراك الجريمة، كما هو الحال في حاسة الشم التي تتحقق من خلالها حالة التلبس إذا ما اشتم رجل الشرطة رائحة المادة المخدرة تتصاعد من مكان وجود المشتبه فيه، أو التي تتحقق من خلال حاسة السمع إذا ما سمع رجل الشرطة الطلقات النارية التي أطلقها الجاني على المجني عليه، أو حاسة التذوق التي يستخدمها رجل الشرطة في تذوق المادة المضبوطة مع المشتبه فيه وتبينه أنها مادة مخدرة.
  • حالة حضور رجل الشرطة إلى محل ارتكاب الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة وكانت آثارها ونتائجها لازالت قاطعة بقرب وقوعها، وهذه الحالة يطلق عليها الفقه القانوني حالة “التلبس الاعتباري أو الحكمي”، حيث أن رجل الشرطة لا يشهد وقوع الجريمة بأياً من حواسه أثناء وقوعها فعلياً، ولكنه يشاهد الآثار الناتجة عنها اثناء كونها ظاهرة وقبل اختفائها، وهذه الآثار تحمله على الاعتقاد اليقيني بأن الجريمة قد وقعت منذ وقت قريب للغاية، فتكون حالة التلبس متحققة عندئذ عند اكتشاف الجريمة بعد وقوعها بفترة قصيرة، حيث يكون التقارب الزمني بسيط بين وقوع الجريمة واكتشافها من قبل رجل الشرطة بشكل لاحق على وقوعها، وبشكل ينتفي معه أي مظنة أو شك في وقوع الجريمة، بما يستدعي التدخل العاجل وبدء إجراءات التحقيق فيها[3].

وهذه الحالة من حالتي التلبس يكون بحث تحققها من عدمه خاضعاً لتقدير المحكمة التي تنظر القضية، لاسيما وأن القانون لم يحدد مقدار تلك المدة التي تفصل بين وقوع الجريمة واكتشافها لتتحقق حالة التلبس الاعتباري، وتخضع محكمة الموضوع في سلطتها التقديرية وما تنتهي إليه في حكمها في هذا الشأن إلى رقابة محكمة التمييز.

وهاتين الحالتين آنفتي الذكر وإن كان الاختلاف بينهما واضح وجوهري، إلا أنهما يتفقان في العلة التي تم تقريرهما بسببها، والتي تتمثل في الأدلة الواضحة والدامغة على ارتكاب الجريمة، وضرورة ضبط الأدلة والآثار الخاصة بالجريمة قبل أن تختفي معالمها أو تتشوه.

كما نود أن ننوه إلى أن مناط تحقق حالة التلبس في الجريمة المشهودة ليس تواجد رجل الشرطة في محل الجريمة بعد ارتكابها بوقت قصير ورؤية آثارها في حد ذاته، ولكن المناط هو اتصال علمه بوقوع الجريمة من خلال تلك الآثار.

ومبدأ التتبع يمنح رجل الشرطة في حالات التلبس بالجريمة صلاحيات تقرر له على سبيل الاستثناء، حيث يجيز له أن يقوم بالقبض على شخص – أو أشخاص – خلاف المتهم الصادر إذن القبض والتفتيش بشأنه وباسمه، طالما قامت في حق هذا الشخص – أو الأشخاص – دلائل أو قرائن تكفي للتدليل على مشاركته في الجريمة، ولا يشترط في هذا الشأن أن يكون رجل الشركة قد شاهد هذا الشخص – أو الأشخاص – أثناء ارتكاب الجريمة وإلا باتت الحالة هي حالة تلبس مباشر وتنتفي علاقتها بمبدأ التتبع.

وهو ما يمكننا معه القول بأن مبدأ التتبع يرتبط بعلاقة وطيدة ووثيقة مع عنصرين:

  • العنصر الأول: هو عنصر موضوعي يتمثل في تحقق صفة التلبس في الجريمة المشهودة ويدور وجوداً وعدماً معها، خاصة وأن ما يتيحه مبدأ التتبع من سلطات استثنائية لرجل الشرطة تم تقريرها لا يتحقق إلا بتحقق صفة التلبس في الجريمة.
  • العنصر الثاني: وهو عنصر معنوي أو شخصي يرتبط بالمتهم الذي يتم تتبعه، ويتمثل هذا العنصر في توافر إمكانية إسناد الجريمة إلى الشخص الذي يتم تتبعه، لاسيما وأنه في حالة عدم وجود تلك الإمكانية سيكون الشخص الذي سيتم تتبعه لا علاقة له بالجريمة، وبالتالي لا يحق لرجل الشرطة اللجوء إلى مبدأ التتبع للقبض عليه وتفتيشه.

إلا أن جميع ما سبق لا يجعلنا نغفل ضرورة تحقق شرطين هامين في حالة التلبس حتى تعد الجريمة المضبوطة هي جريمة مشهودة تجيز لرجل الشرطة استخدام حقه في مبدأ التتبع، وهذين الشرطين نوجزهما فيما يلي:

 

(1) الشرط الأول

يتمثل هذا الشرط في لزوم أن يكون رجل الشرطة قد شاهد حالة التلبس بنفسه، سواء كان ذلك برؤية الجريمة أثناء وقوعها بأياً من حواسه بنفسه، أو أن يكون قد شاهد آثار الجريمة بنفسه بصورة معاصرة لوقوع الجريمة، وهو ما يشمل حالتي التلبس الفعلي والتلبس الاعتباري أو الحكمي، ولا يجوز القول بتحقق هذا الشرط إذا لم يكن رجل الشرطة قد عاين الجريمة أو آثارها بنفسه، كما لو كان رجل الشرطة قد تلقى خبر الجريمة من قبل أحد مخبريه الذي شهد الجريمة، ففي تلك الحالة لا تتحقق حالة التلبس ولا تعد الجريمة مشهودة، وهو بدوره ما يحول دون تحقق آثارها القانونية والتي من ضمنها الأحقية في التتبع.

وقد قررت محكمة التمييز الكويتية في أحكامها هذا الشرط، حيث قضت في حكم منها بأنه (ويكفي لتوافر حالة التلبس في الجريمة أن يكون شاهدها قد حضر ارتكابها بنفسه)[4].

(2) الشرط الثاني

يتعلق هذا الشرط بصفة عامة يجب أن تتوافر في سلوك رجل الشرطة عند اكتشافه لحالة التلبس، وذلك بغض النظر عن نوع التلبس فعلياً كان أو حكمياً، وهذه الصفة تتمثل في صفة مشروعية هذا السلوك، حيث يجب أن يكون السلوك الذي اتخذه رجل الشرطة في سبيله لضبط الجريمة والذي قاده إلى لاكتشاف حالة التلبس بالجريمة هو سلوك مشروع.

لذلك وحتى يمكننا القول بتحقق صفة المشروعية في السلوك الذي اتخذه رجل الشرطة وقاده لاكتشاف حالة التلبس فلا يجوز الاكتفاء بمشاهدته للجريمة في إحدى صور التلبس التي نص عليها القانون، بل يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يكون هذا السلوك قانوني ولا يحمل أي مخالفة لنص أو حكم يقرره القانون، لاسيما وأن هذا السلوك لو اتسم بعدم المشروعية كما لو كان رجل الشرطة قد سلك طريق الخداع أو الغش لاختلاق حالة من حالات التلبس فإنه يعد سلوكاً غير مشروع لا تتحقق به حالة التلبس، حتى وإن كانت الجريمة في حقيقتها تعد من الجرائم التي تتحقق فيها حالة التلبس.

ومن النماذج الخاصة بالسلوك المشروع اللازم تحققه لدى رجل الشرطة لضبط حالة من حالات التلبس أن يشاهد رجل الشرطة شخصاً يقوم بإلقاء كيس به مادة بيضاء يشتبه في كونها مادة مخدرة فيقوم بالقبض عليه والتأكد من محتوى هذا الكيس، أو أن يقوم بدخول مسكن خاص بناء على سماعه لاستغاثة صادرة من داخله، حيث أن تلك الاستغاثة تمثل إذناً وتصريحاً ضمنياً من صاحب الاستغاثة يجيز لرجل الشرطة الدخول لهذا المسكن وضبط الجريمة المشهودة ومرتكبها في حالة تلبس.

ثالثاً: القبض والتفتيش في غير حالات التلبس

حتى يتبين لنا بشكل أكثر وضوحاً فحوى مبدأ التتبع الذي يمنح رجل الشرطة سلطة استثنائية تجيز له القبض على المتهم وتفتيشه دون الحاجة إلى إذن مسبق بذلك، فإنه يجب أن نوضح الإجراءات القانونية التي يجب على رجل الشرطة اتباعها قبل القبض على المتهم وتفتيشه في غير أحوال التلبس، وذلك من واقع ما جاء بقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي من أحكام منظمة لذلك الأمر.

بداية فإن المشرع الكويتي قد تعرض إلى القبض – كإجراء قانوني تحفظي – بالتعريف، حيث عرفه بموجب نص المادة رقم (48) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 960 وتعديلاته بأنه “القبض هو ضبط الشخص وإحضاره ولو جبراً أمام المحكمة أو المحقق بموجب أمر صادر منه أو بغير أمره في الحالات التي ينص عليها القانون ..”، منا اهتمت محكمة التمييز أيضاً ببيان مفهوم القبض في سياق ما أصدرته من أحكام، حيث عرفته في حكم لها بأنه “‘إمساك الشخص من جسمه وتقييد حركته وحرمانه من حرية التجول”[5].

ووفقاً لتعريف القبض يتضح أن أهم شروط صحة القبض كإجراء قانوني تحفظي هو صدور إذن أو أمر مسبق – سواء من المحكمة أو المحقق – يجيز هذا القبض، ويمثل هذا الإذن أو الأمر القاعدة العامة في إجراء التفتيش، وإن كانت هناك حالات استثنائية يجيز فيها القانون القبض دون وجود أمر مسبق به، ومن ضمن تلك الحالات حالة التلبس.

أما عن أمر القبض الذي يصدر من المحكمة أو المحقق فقد استلزم القانون ضرورة توافر بعض الشروط فيه حتى يعد صادراً بشكل قانوني صحيح يرتب آثاره القانونية، ويمكننا أن نوجز هذه الشروط في النقاط الآتي بيانها:

  • استلزم القانون أن يصدر أمر القبض في شكل مكتوب، وحظر صدور مثل هذا الأمر بشكل شفوي، إلا في حالة استثنائية وحيدة أجاز صدوره فيها بشكل شفوي، وهذه الحالة هي الحالة التي يكون فيها من أصدر هذا الأمر حاضراً لواقعة القبض، كما هو الحال في حضور المحقق لمكان الجريمة وتوجيه أمره لرجل الشرطة شفاهة.
  • كما استلزم القانون أيضاً كشرط لصحة أمر القبض أن يكون هذا الأمر صادراً ممن له سلطة إصداره، وصاحب الاختصاص في إصدار أمر القبض يختلف باختلاف نوع الجريمة وما إذا كانت مصنفة جنحة أو جناية، حيث انه ووفقاً لنص المادة رقم (9) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي فإن الجهة المختصة بالتحقيق تختلف إلى جهتين، الجهة الأولى وهي المختصة بالتحقيق في الجنايات وتتمثل في النيابة العامة، والجهة الثانية هي المختصة بالتحقيق في الجنح وتتمثل في محققين يتم تعيينهم لذلك الغرض في دائرة الشرطة والأمن العام، وبالتالي فإن أمر الضبط يجب أن يصدر إما من النيابة العامة وإما من المحققين المعينين للتحقيق، وذلك وفقاً لنوع الجريمة وتصنيفها آنف الذكر.
  • حتى يكون الأمر بالقبض صحيحاً وسليماً فإن القانون يستلزم أن يكون لدى الجهة التي أصدرته دلائل قوية وجادة بارتكابه لجريمة تستدعي إصدار مثل هذا الأمر، وحتى تتحقق تلك الدلائل لدى الجهة مصدرة الأمر بالقبض فيجب قبل إصداره أن يتم إجراء تحريات دقيقة ومسبقة يتم الاستناد إليها في إصدار الأمر، وتكون سلطة تحديد مدى تحقق الجدية في تلك التحريات وكفايتها لإصدار أمر القبض لمحكمة الموضوع، وذلك باعتبارها مسألة من المسائل الموضوعية التي تدخل في نطاق اختصاصها، وبناء على ذلك تفصل المحكمة في مدى صحة هذا الأمر.

وفي حالة عدم توافر أي شرط من الشروط آنفة الذكر، فإن القبض يقع باطلاً لابتنائه على أمر قبض باطل لعدم استيفائه للشرائط القانونية، ويترتب على ذلك بطلان كافة الإجراءات التي تم ابتنائها على ذلك القبض وأهمها تفتيش الشخص الذي تم القبض عليه، وهو بدوره ما يجعل الآثار الناتجة عن القبض والتفتيش باطلة ولا يجوز للمحكمة التعويل عليها في إدانة المتهم، حتى وإن كان تفتيشه قد ترتب عليه ضبط أدوات مستخدمة في الجريمة، حيث أن ما يُبنى على باطل يعد باطلاً.

أما المقصود بالتفتيش فهو أنه إجراء يستهدف البحث في مكان أو محل يسبغ عليه القانون حماية باعتباره يتمتع بحرمة خاصة، وذلك لكونه مستودع للأسرار الخاصة بصاحبه، وذلك لإيجاد أي دليل أو أثر يفيد في كشف اللثام عن جريمة تم ارتكابها ويكون المتهم محل اتهام فيها.

ولا يختلف التفتيش عن القبض من حيث الأساس الذي يستند إليه كل منهما في غير حالات التلبس، حيث يستند التفتيش – سواء للأشخاص أو للمساكن – إلى صدور إذن بإجراء هذا التفتيش من الجهة المختصة بإصداره، فلا يجوز لرجل الشرطة في غير حالات التلبس تفتيش الأشخاص أو المساكن إلا في ظل وجود إذن بالتفتيش يبيح له ذلك.

وقد تطلب القانون توافر بعض الشروط الهامة في الإذن بالتفتيش، والتي يبطل الإذن متى تخلف أحدها، وتتمثل تلك الشروط فيما يلي:

  • يلزم بداية أن يكون الإذن بالتفتيش صادراً في شكل مكتوب، فلا يجوز بأي حال من الأحوال الاستناد إلى إذن شفهي بالتفتيش للقيام بتفتيش الشخص أو المسكن على حد سواء.
  • يجب أن يشتمل الإذن بالتفتيش على توقيع مصدره، وتاريخ صدوره.
  • في حال كان الإذن بالتفتيش صادراً لتفتيش شخص ما فيجب أن يتضمن الإذن ذكر اسم الشخص المراد تفتيشه بشكل واضح.
  • في حال كان الإذن بالتفتيش صادراً لتفتيش مسكن، فيجب أن يشتمل الإذن على اسم صاحب هذا المسكن، وعنوان المسكن الصادر بشأنه إذن التفتيش، ولا يشترط أن تكون تلك البيانات مفصلة بقدر ما يلزم أن تكون لتحديد هذا المسكن دون أي لبس أو غموض وفقاً لظروف الحال.
  • يجب أن تكون هناك أدلة جدية وقوية على ارتكاب الشخص الصادر الإذن بتفتيشه أو تفتيش مسكنه لجريمة محددة، ويكون تحديد مدى توافر تلك الأدلة ومدي جديتها وقوتها في إطار اختصاص السلطة المختصة بإصدار الأمر وسلطتها التقديرية في هذا الشأن، وتخضع في تقديرها لتلك الأدلة لرقابة محكمة الموضوع.
  • يلزم أيضاً أن يكون إجراء التفتيش من شأنه أن يحقق مصلحة لازمة للتحقيق في الجريمة.
  • أن يكون التفتيش بهدف ضبط أدلة تتعلق بالجريمة التي يتم التحقيق فيها، وألا يكون هناك سبيل آخر لضبط تلك الأدلة إلا عن طريق التفتيش.

مما ننتهي معه إلى أن حالة التلبس في الجرائم المشهودة تمنح رجل الشرطة سلطة أوسع في تتبع المتهم والقبض عليه وتفتيشه، حيث تُطلق يداه في هذه الحالة بصورة لا تتحقق له في حالة الجرائم الأخرى التي لا تتحقق فيها حالة من حالات التلبس، وهو ما يتضح الفارق جلياً بين سلطات رجل الشرطة في حال قيام مبدأ التتبع، وبين سلطاته وما يرد عليها من قيود في الحالات التي لا تتحقق فيها حالة التلبس وبالتالي لا يحق فيها لرجل الشرطة اللجوء إلى إعمال مبدأ التتبع.

رابعاً: العناصر اللازم تحققها لاستخدام حق التتبع

كما سبق وأن ذكرنا فإن مبدأ التتبع يجيز لرجل الشرطة الحق الاستثنائي في استخدام بعض السلطات دون القيود التي يستلزمها لاستخدامها في الحالات العادية، لذا فإن مبدأ التتبع هو حالة استثنائية مثلها في ذلك مثل أي حالة استثنائية أخرى يقررها القانون يلزم لقيامها أن تتحقق بعض العناصر الجوهرية، والتي لا يمكن استخدام حق التتبع دون قيامها.

وبالحديث عن تلك العناصر فإننا نوردها بشكل مفصل في النقاط الآتي بيانها:

(1) العنصر الأول: عنصر الاستمرارية وعدم الانقطاع

يمثل هذا العنصر أهم العناصر التي يلزم تحققها لتكون هناك إمكانية للجوء إلى مبدأ التتبع وإعماله، وفحوى هذا العنصر يتمثل في أن قيام الحق لرجل الشرطة في اللجوء إلى مبدأ تتبع المتهم يستلزم – بداية – تحقق التلبس في الجريمة المشهودة في حق آخر من تم ضبطه من المتهمين، وذلك لكي يتمكن رجل الشرطة من الانتقال إلى تتبع المتهم الذي يتلوه في الترتيب، ثم الذي يتلوه في الترتيب وهكذا دواليك، وذلك بناء على اعتراف المتهم السابق على المتهم التالي، ونود أن نوضح أن اعتراف المتهم الذي يتم القبض عليه على المتهم الذي يليه لا يعد سنداً كافياً لتتبع الأخير، لاسيما وأن الاعتراف الصادر من المتهم على متهم آخر لا يعد دليلاً قاطعاً يستوجب أو يجيز لرجل الشرطة أن يقوم بإلقاء القبض على المتهم المعترف عليه أو تفتيشه.

ويتمحور عنصر الاستمرارية في عدم انقطاع حالة التلبس عند ضبط كافة المتهمين الذين يتم تتبعهم، فإذا ما انقطعت سلسلة التلبس عند متهم منهم فإن الاعتراف الصادر منه على الذي يليه لا يجيز قيام مبدأ التتبع لانقطاع تلك السلسلة، وفي سبيل توضيح ذلك سنفترض على سبيل المثال أن رجل الشرطة قد ألقى القبض على متهم متلبساً بتعاطي المواد المخدرة، وأدلى هذا المتهم باعترافه على المتهم الثاني بأنه كان يتعاطى معه، وعند تتبع رجل الشرطة للمتهم الثاني وإلقائه القبض عليه وتفتيشه عثر عليه متلبساً بحيازة مواد مخدرة تؤكد كونه متعاطياً مع المتهم الأول، وعند اعتراف المتهم الثاني على المتهم الثالث بأنه كان يتعاطى المواد المخدرة معهما قام رجل الشرطة بتتبع المتهم الثالث وألقى القبض عليه وتفتيشه فلم يعثر معه على أي مواد مخدرة وانتفت حالة التلبس في حقه، فإذا اعترف المتهم الثالث على شخص رابع بأنه هو الشخص الذي تم شراء المواد المخدرة التي تم تعاطيها من قبل المتهمين، فإن ذلك الاعتراف الصادر من المتهم الثالث لا يجيز لرجل الشرطة تتبع الشخص الرابع المزعوم قيامه ببيع المادة المخدرة للمتهمين الثلاثة ولا إلقاء القبض عليه أو تفتيشه وإلا عُد ذلك إجراءاً باطلاً، وذلك لانتفاء عنصر الاستمرارية باعتبار أن سلسلة التلبس قد انتهت وانقطعت عند إلقاء رجل الشرطة القبض على المتهم الثالث والذي ثبت انتفاء حالة التلبس في حقه، حيث أن ذلك يقتضي أمر مستقل من النيابة العامة يبيح القبض على المتهم الرابع وتفتيشه، وذلك باعتباره مستقلاً عن المتهمين الثلاثة.

وهناك العديد من الأحكام التي قضت بها محكمة التمييز الكويتية في بعض الطعون الجزائية التي عُرضت عليها، ومن أبرزها الحكم الذي صدر متضمناً ما يلي “القبض على المتهم الثاني وإن كان صحيحاً بعد أن دل عليه الطاعن الأول المأذون بتفتيشه باعتباره مصدر حصوله على المخدر المضبوط، إلا أن الطاعن الثاني لم يكن محرزاً لأي من المواد المخدرة، ومن ثم فإن مجرد إقرار هذا الأخير شفاهة لضابط الواقعة بأنه يتحصل على المخدر من الطاعن الثالث لا تعطي الحق في تتبع كل من ساهم فيها والقبض عليه وتفتيشه دون أمر”[6].

(2) العنصر الثاني: عنصر آنية الاعتراف

يًقصد بآنية الاعتراف أن يكون اعتراف المتهم عن غيره من المتهمين الذين سيتم تتبعهم هو اعتراف فوري يقوم الإدلاء به بمجرد القبض عليه من قبل رجل الشرطة، ويجد هذا الشرط مصدره في أحكام محكمة التمييز، والتي جرت في صدورها على تقرير مبدأ التتبع باشتراط أن يكون اعتراف المتهم على غيره من المتهمين الذين لم يتواجدوا بمكان الحادث هو اعتراف فوري يقع منه بمجرد إلقاء القبض عليه من قبل رجل الشرطة[7].

وينبع استلزام عنصر الآنية أو الفورية في اعتراف المتهم إلى طبيعة جرائم التلبس التي تجيز إعمال مبدأ التتبع، حيث أن حالة التلبس لا تتحقق إلا إذا تم ضبط المتهم وهو يرتكبها أو بعد ارتكابها بفترة زمنية وجيزة، وحتى تقوم حالة التلبس في حق الشخص الذي لم يتواجد في مكان الجريمة ويستلزم الأمر تتبعه والقبض عليه، فإنه يلزم أن يكون الاعتراف عليه من قبل المتهم الذي تم ضبطه قد تم فور القبض عليه، وذلك لتظل حالة التلبس قائمة ومستمرة بكافة آثارها وأدلتها، وليترتب على هذا الاعتراف أحقية رجل الشرطة في استخدام مبدأ التتبع، لأن لو هذا الاعتراف تم بعد فترة زمنية من ضبط المتهم ستكون حالة التلبس قد انتهت بالفعل، ولن يكون اعترافه على غيره من المتهمين الآخرين عندئذ سنداً يقوم عليه مبدأ التتبع.

وهناك علاقة تربط بين آنية الاعتراف وشرط التعاصر بين إجرائي القبض على المتهم وتفتيشه، ففي حالة التلبس لا تثور أي إشكالية متى تم القبض على المتهم وتفتيشه حتى وإن تم التفتيش بفارق زمني وجيز عن وقت القبض على المتهم وليس في لحظة القبض عليه، ولا تثور تلك الإشكالية أيضاً متى تم تفتيشه بمكان وقوع الجريمة الذي تم القبض عليه فيه أو في مكان قريب من هذا المكان، وهذا هو مفهوم التعاصر الزمني والمكاني بين القبض والتفتيش، إلا أنه متى تم التفتيش بعد القبض بوقت طويل، أو تم في مكان بعيد عن المكان الذي تم القبض على المتهم فيه، فعندئذ يبطل إجراء التفتيش لانتفاء سنده والغاية منه، حيث أن سند مبدأ التتبع والغاية منه هو ضبط المتهمين في الجريمة حال قيام حالة التلبس، وبالتالي يتم إجازة حق القبض والتفتيش لرجل الشرطة دون استلزام الحصول على إذن مسبق بذلك، وفي ظل انتفاء حالة التلبس ينتفي بدوره الأساس الذي شرع مبدأ التتبع من أجله.

وهناك ملحوظة هامة نود أن ننوه إليها، وتتمثل تلك الملحوظة في أن اعتراف المتهم بعد القبض عليه على غيره من المتهمين الغير متواجدين بمحل الجريمة ليس هو السبيل الوحيد لقيام مبدأ التتبع، بل هناك العديد من الأسانيد الأخرى التي يمكن أن يتحقق من خلالها أحقية رجل الشرطة لتتبع المتهمين الآخرين والقبض عليهم وتفتيشهم دون إذن مسبق، ولكننا اتخذنا من الاعتراف نموذجاً لتلك الأسانيد وذلك على سبيل المثال وليس الحصر.

(3) العنصر الثالث: عنصر المشاركة في الجريمة محل حالة التلبس

يعد هذا العنصر هو آخر العناصر اللازم تحققها بقيام مبدأ التتبع وإعماله، ويتمثل هذا العنصر في وجوب أن يكون المتهم الذي سيتم تتبعه من المشاركين في الجريمة التي تحقق فيها حالة التلبس، وهو شرط يتسم بالمنطقية لاسيما وأنه لو انقطعت علاقة هذا المتهم بالجريمة محل التلبس، فعلى أي أساس أو سند يتم متابعته وهو لم يرتكب أو يشارك في ارتكاب أي جريمة؟

لذلك فإنه يجب أن تكون هناك صلة تربط المتهم الذي يتم تتبعه بالجريمة التي تحققت فيها حالة التلبس، وتتمثل تلك الصلة في مشاركة المتهم ومساهمته في الجريمة محل التلبس، ولا يختلف الأمر في حالة اختلاف نوع المشاركة أو المساهمة، حيث يستوي الأمر سواء كانت أصلية أو تبعية، فالعبرة بتحقق مشاركة المتهم القائم بشأنه حق التتبع في الجريمة بغض النظر عن نوع تلك المساهمة.

خامساً: السند القانوني لمبدأ التتبع

كما سبق وأن أشرنا سلفاً فإن مبدأ التتبع أقره القضاء إعمالاً لسلطات رجل الشرطة في حالات التلبس، حيث منحه سلطات استثنائية في القبض والتفتيش لكل شخص تتحقق لدى رجل الشرطة دلائل قوية تدفعه لاتهام المتهم الذي سيتم تتبعه بأن له صلة بالجريمة التي تحققت فيها حالة التلبس، وهو ما يستدل عليه من نص المادة رقم (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، والتي قررت أن لرجل الشرطة الحق في القبض على من تم اتهامه في جناية وقامت على اتهامه أدلة قوية، وإن كنا نأخذ على صياغة المشرع الكويتي لتلك المادة مأخذاً قوامه أنه كان يلزم استبدال لفظ “أدلة” بلفظ آخر وهو لفظ “دلائل”، حيث أن هناك اختلاف شاسع بين “الدلائل” و”الأدلة”، حيث تمثل الأدلة البرهان القاطع على حتمية قيام المتهم بارتكاب الجريمة، كما هو الحال في البصمات التي يخلفها الشخص في مكان الجريمة أو على السلاح الذي تم ارتكاب الجريمة بواسطته، أو وجود شاهد رأى المتهم وهو يرتكب جريمته، أو غيرها من البراهين الدامغة على ارتكابه للجريمة، وتلك الأدلة تستند إليها المحكمة في إصدار حكمها بإدانته، بينما لا يستلزم القانون توافر تلك الأدلة لدى رجل الشرطة لتتحقق حالة التلبس، بل يُكتفى في هذا الشأن بتوافر الدلائل القوية لديه على ارتكاب شخص ما للجريمة.

وإن كان هناك بعض القوانين العربية التي قامت باستخدام مصطلح “الدلائل الكافية” بدلاً من مصطلح “الأدلة القوية” وذلك في صياغة نص المادة المقابلة لنص المادة رقم (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، ومن تلك القوانين:

  • قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته، والذي نص في مادته رقم (99)، والتي نصت على أن “لأي موظف من موظفي الضابطة العدلية أن يأمر بالقبض على المشتكى عليه الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه ..).
  • قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي رقم 38 لسنة 2022 وتعديلاته، والذي نص في مادته رقم (46) على أنه “لمأمور الضبط القضائي أن يأمر بالقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على ارتكابه جريمة ….”.
  • قانون الإجراءات الجنائية البحريني والصادر بموجب المرسوم بقانون رقم 46 لسنة 2002 وتعديلاته، والذي نص في مادته رقم (55) على أن “لمأمور الضبط القضائي في الجنايات والجنح المتلبس بها التي تزيد مدة الحبس فيها على ثلاثة أشهر أن يقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه”، كما نص أيضاً في مادته رقم (56) على أن “في غير الأحوال المبينة في المادة السابقة إذا وجدت دلائل كافية على اتهام شخص بارتكاب جناية أو جنحة ….. جاز لمأمور الضبط القضائي القبض عليه”، ونلاحظ أن المشرع البحريني قد استخدم لفظ الدلائل الكافية في موضعين باعتبارها المبرر الذي يجيز لمأمور الضبط القضائي إلقاء القبض على المشتبه فيه.

وغيرها من القوانين الأخرى التي جاء بها مصطلح الدلائل الكافية باعتبارها المبرر الذي يحمل رجل الشرطة على الاعتقاد بأن المشتبه فيه له صلة بالجريمة، ويجيز له اللجوء إلى مبدأ التتبع وإلقاء القبض على المشتبه فيه، والذي يعد هو المصطلح الأكثر انضباطاً وانطباقاً وتوافقاً مع المعنى والمقصد القانوني المنشود منه، لاسيما وأن مصطلح الأدلة القوية يُلزم رجل الشرطة بقيود شديدة الصعوبة في شأن ابتنائه لهذا الاعتقاد، وهو ما يتنافى مع الهدف الذي تم إقرار مبدأ التتبع من أجل تحقيقه، لأن اشتراط قيام أدلة لدى رجل الشرطة هو أمر شديد الصعوبة، ولن يمنح رجلا الشرطة الوقت الكافي والمناسب لضبط المشتبه فيه خلال قيام حالة التلبس.

لذلك فإننا نوصي بضرورة تعديل نص المادة (54) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وذلك باستبدال لفظ “أدلة” بلفظ “دلائل”، وذلك حتى تستقيم صياغة المادة مع المغزى والآثار القانونية المنشودة منه، ولا ينال ذلك من القول بضرورة إحاطة الاستثناءات الممنوحة لرجل الشرطة عند لجوئه لاستخدام مبدأ التتبع بقيود وضمانات تحول دون توسعه وتعسفه في استخدامها، لاسيما وأن تلك الاستثناءات تمثل إجازة للمساس بالحرية الخاصة بالأشخاص، حيث أنه مردود على ذلك بأنه وفي نهاية المطاف سيكون الأمر برمته معروضاً على محكمة الموضوع، والتي ستفرض رقابتها على مدى صحة اعتقاد رجل الشرطة بوجود حالة تجيز له استخدام مبدأ التتبع من عدمه، وتتصدى إلى بيان مدى إمكانية اعتبار أن الأسانيد التي استند إليها لتكوين اعتقاده هي دلائل كافية أم لا.

وعلى الرغم من عدم وجود تنظيم قانوني سواء في القانون الكويتي أو الغالبية العظمى من القوانين العربية لماهية الدلائل القوية التي يمكن اعتمادها لصحة قرار رجل الشرطة بتتبع المتهم، بجانب عدم اشتمال تلك القوانين على أي نص قانوني يتولى مهمة تعريف ماهيتها، إلا أن الفقه القانوني قام بالتصدي إلى ذلك الأمر، حيث عرف الدلائل القوية بالعديد من التعاريف التي كان أبرزها أنها العلامات الخارجية أو الشبهات المقبولة أو الإمارات الظاهرة التي بموجبها يتم ترجيح القول بارتكاب شخص ما للجريمة[8].

وإن كانت هناك بعض القوانين العربية – وإن كانت تتسم بالندرة – التي تصدت بالتعريف للفظ الدلائل، ومنها قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم 13 لسنة 1994، والذي لم يكتفي في المادة الثانية منه بتعريف الدلائل بل توسع ليوضح تصنيفها ويضع تعريف لكل صنف منها، حيث صنفت المادة المشار إليها آنفاً تلك الدلائل إلى ثلاث أنواع وهي:

  • النوع الأول هو الدلائل الكافية، حيث عرفها بأنها “الأمور التي يدل ثبوتها على توافر العناصر التي تكفي كسند لقرار أو حكم”.
  • النوع الثاني هو الدلائل القوية، والتي يُقصد بها “الأمور والقرائن التي تدل بذاتها على ثبوت قيام واقعة محددة”.
  • النوع الثالث هو الدلائل الجديدة، وعرفها نص المادة بأنها “الأمور التي تظهر ولم يكن قد سبق طرحها على المحقق من قبل، ويستوي الأمر سواء كان ظهورها قد تحقق بالمصادفة أو عن عمد”.

ومن أهم وأبرز النماذج التي قررها الفقه القانوني للدلائل القوية نذكر ما يعرف بـ “السبب المحتمل”، والذي يُقصد به أي سبب يتسم بالمنطقية والمعقولية يمكن أن يتراءى لرجل الشرطة ويثير لديه الشك والريبة في أن هناك شخص ما قد ارتكب – أو شارك في ارتكاب – جريمة ما.

وهذا السبب المحتمل وإن كان لا يرتقي لكونه دليلاً قاطعاً وجازماً، إلا أنه يعطي دلالة احتمالية – وليست قطعية – على علاقة ارتباط تربط بين الجريمة والشخص المشتبه فيه، فهو يعد بمثابة شبهة أو شك ولكنه يجد من القرائن الموضوعية المتعلقة بالجريمة ما يؤيد ويعضد من تلك الشبهة وهذا الشك، بحيث تدفع رجل الشرطة إلى الاعتقاد بأن الشخص الذي سيتتبعه له علاقة بالجريمة سواء مشارك أو مساهم في ارتكابها، وبالتالي يكون ذلك سنداً له في استخدام حق التتبع.

وهو ما حدا بالقضاء في بعض الدول العربية إلى التصدي للدلائل القوية بالتعريف، وذلك في ظل مضمون السبب المحتمل، حيث عرفها بأكثر من تعريف منها:

  • أنها وقائع موضوعية واضحة وملموسة أو شبهات مستخلصة من الوقائع المادية للجريمة، مما يجعلها أقوى في دلالتها من الشكوك المجردة، ويمكن الاستناد إليها من قبل رجل الشرطة لتكوين اعتقاده بضرورة إعمال مبدأ التتبع والقبض على المتهم وتفتيشه.
  • هي الوقائع المادية الظاهرة التي يمكن من خلالها استنتاج وجود علاقة تربط بين شخص ما وبين جريمة معينة، سواء كانت تلك العلاقة تخص ارتكابه لتلك الجريمة أو مساهمته فيها.
  • هي شبهات تستمد وجودها من ظروف الحال ووقائعه المادية، والتي تدلل على اتهام شخص بعينه بارتكاب جريمة محددة.

ونحن نرى أن الدلائل القوية أو الدلائل الكافية كلاهما يُعد وجعلت لعملة واحدة، فلا تعد الدلائل كافية إلا إذا تمتعت بقوة تكفل لها ربط المشتبه فيه بالجريمة، كما أنها لا تعد قوية إلا إذا كانت في حد ذاتها كافية لتحقيق صلة بين المشتبه فيه وبين الجريمة، وهذه الدلائل في كلتا الحالتين – قوية كانت أو كافية – لا ترقى إلى مرتبة الأدلة فهي أقل منها قوة، ولا تهبط إلى مرتبة الشك أو الريبة حيث أنها أقوى منها، فهي تعد في مرتبة بين هذا وذاك.

مما يمكننا معه القول بأن المعيار والأساس القانوني في تحديد قيام وتحقق مبدأ التتبع من عدمه هو معيار تحقق الدلائل القوية أو الكافية لدى رجل الشرطة بوجود علاقة ربط بين المشتبه فيه والجريمة المشهودة، بحيث يكون هذا المبدأ متحققاً متى تحققت تلك الدلائل وينتفي بانتفائها.

 

النتائج

بعد إتمام هذه الدراسة وتحليل مختلف جوانب مبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الجزائي الكويتي، توصلنا إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. خلو الفقه القانوني من تعريف موحد لمبدأ التتبع: تبين أن مؤلفات وكتب الفقه القانوني قد خلت من تعريف واضح ومحدد لمبدأ التتبع، وأن السبيل الوحيد لبيان تعريف ومفهوم هذا المبدأ هو الرجوع إلى الأحكام القضائية التي تناولته أو استندت إليه في صدورها، وقد استقرت أحكام محكمة التمييز الكويتية على تعريف مبدأ التتبع بأنه الحالة الاستثنائية التي يجوز عند تحققها لرجل الشرطة أن يقوم بتتبع وملاحقة أي شخص يكون قد ساهم في ارتكاب جريمة تحققت فيها حالة التلبس، ويحق له عندئذ القبض عليه والقيام بتفتيشه شخصياً وتفتيش منزله، وذلك جميعه بدون استلزام وجود إذن مسبق من النيابة العامة بأي من ذلك.
  2. ارتباط مبدأ التتبع ارتباطاً وثيقاً بحالة التلبس بالجريمة: أثبتت الدراسة أن مبدأ التتبع يستند إلى الجريمة التي تتحقق فيها حالة التلبس، والتي يسميها كل من القانون والفقه القانوني بـ “الجريمة المشهودة”، وقد حدد قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي حالات التلبس على سبيل الحصر في حالتين: الأولى: ارتكاب الجريمة في حضور رجل الشرطة (التلبس الصريح)، والثانية: حضور رجل الشرطة إلى محل ارتكاب الجريمة عقب ارتكابها ببرهة يسيرة وكانت آثارها ونتائجها لا تزال قاطعة بقرب وقوعها (التلبس الاعتباري)، وأن تحقق حالة التلبس في الجريمة يمنح رجل الشرطة سلطة أوسع في تتبع المتهم والقبض عليه وتفتيشه، حيث تُطلق يداه في هذه الحالة بصورة لا تتحقق له في حالة الجرائم الأخرى.
  3. اشتراط عنصرين أساسيين لتحقق حالة التلبس: بينت الدراسة أن تحقق حالة التلبس في الجريمة المشهودة يستلزم توافر شرطين هامين، وهما: الشرط الأول: أن يكون رجل الشرطة قد شاهد حالة التلبس بنفسه، سواء كان ذلك برؤية الجريمة أثناء وقوعها بأي من حواسه، أو أن يكون قد شاهد آثار الجريمة بنفسه بصورة معاصرة لوقوع الجريمة، ولا يجوز القول بتحقق هذا الشرط إذا لم يكن رجل الشرطة قد عاين الجريمة أو آثارها بنفسه، كما لو كان قد تلقى خبر الجريمة من أحد مخبريه. والشرط الثاني: أن يكون السلوك الذي اتخذه رجل الشرطة في سبيله لضبط الجريمة والذي قاده إلى اكتشاف حالة التلبس هو سلوك مشروع، فلا يجوز الاكتفاء بمشاهدته للجريمة في إحدى صور التلبس، بل يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يكون هذا السلوك قانونياً ولا يحمل أي مخالفة لنص أو حكم يقرره القانون.
  4. اعتبار القبض والتفتيش في غير حالات التلبس مقيداً بأوامر وإذن مسبقة: توصلت الدراسة إلى أن القبض والتفتيش في غير حالات التلبس يخضع لإجراءات وشروط صارمة، حيث يستند كل منهما إلى صدور إذن أو أمر مسبق من الجهة المختصة بإصداره، سواء من النيابة العامة (في الجنايات) أو من المحققين المعينين في دائرة الشرطة والأمن العام (في الجنح)، ويتطلب القانون في أمر القبض أن يكون مكتوباً وصادراً ممن له سلطة إصداره، ومبنياً على دلائل قوية وجادة بارتكاب الجريمة. كما يتطلب في الإذن بالتفتيش أن يكون مكتوباً، ومشتملاً على توقيع مصدره وتاريخ صدوره، ومحدداً للشخص المراد تفتيشه أو المسكن المراد تفتيشه، ومبنياً على أدلة جدية وقوية. وفي حالة عدم توافر أي من هذه الشروط، يقع القبض أو التفتيش باطلاً، ويترتب على ذلك بطلان كافة الإجراءات التي تم ابتناؤها عليهما.
  5. تحديد ثلاثة عناصر لاستخدام حق التتبع: أثبتت الدراسة أن استخدام حق التتبع يستلزم توافر ثلاثة عناصر جوهرية: العنصر الأول: عنصر الاستمرارية وعدم الانقطاع، والذي يتمثل في عدم انقطاع حالة التلبس عند ضبط كافة المتهمين الذين يتم تتبعهم، فإذا ما انقطعت سلسلة التلبس عند متهم منهم فإن الاعتراف الصادر منه على الذي يليه لا يجيز قيام مبدأ التتبع. العنصر الثاني: عنصر آنية الاعتراف، والذي يتمثل في أن يكون اعتراف المتهم على غيره من المتهمين الذين سيتم تتبعهم هو اعتراف فوري يتم الإدلاء به بمجرد القبض عليه، فإذا تم الاعتراف بعد فترة زمنية من ضبط المتهم تكون حالة التلبس قد انتهت بالفعل، ولا يكون اعترافه سنداً يقوم عليه مبدأ التتبع. العنصر الثالث: عنصر المشاركة في الجريمة محل حالة التلبس، والذي يتمثل في وجوب أن يكون المتهم الذي سيتم تتبعه من المشاركين في الجريمة التي تحقق فيها حالة التلبس، سواء كانت مشاركته أصلية أو تبعية، وأن لو انقطعت علاقته بالجريمة، فلا يكون هناك أي سند لتتبعه.
  6. التمييز بين “الأدلة” و”الدلائل” في السند القانوني لمبدأ التتبع: كشفت الدراسة عن وجود إشكالية في صياغة نص المادة (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، والتي استخدمت لفظ “أدلة قوية” كسند لتبرير القبض على المتهم في حالات التلبس، حيث أن الأدلة تمثل البرهان القاطع على حتمية قيام المتهم بارتكاب الجريمة، وتلك الأدلة تستند إليها المحكمة في إصدار حكمها بإدانته، بينما لا يستلزم القانون توافر تلك الأدلة لدى رجل الشرطة لتتحقق حالة التلبس، بل يُكتفى في هذا الشأن بتوافر الدلائل القوية أو الكافية لديه على ارتكاب شخص ما للجريمة، وهو ما يتسق مع معظم التشريعات العربية التي استخدمت مصطلح “الدلائل الكافية” في صياغة النصوص المقابلة، مثل القانون الأردني والإماراتي والبحريني، بينما جاء القانون اليمني ليعرف الدلائل الكافية بأنها “الأمور التي يدل ثبوتها على توافر العناصر التي تكفي كسند لقرار أو حكم”.
  7. اعتماد معيار السبب المحتمل كأساس لتحديد الدلائل القوية: بينت الدراسة أن الفقه القانوني والقضاء في بعض الدول العربية قد عرف الدلائل القوية في إطار ما يعرف بـ “السبب المحتمل”، والذي يُقصد به أي سبب يتسم بالمنطقية والمعقولية يمكن أن يتراءى لرجل الشرطة ويثير لديه الشك والريبة في أن هناك شخصاً ما قد ارتكب أو شارك في ارتكاب جريمة ما، وهذا السبب وإن كان لا يرتقي لكونه دليلاً قاطعاً، إلا أنه يعطي دلالة احتمالية على علاقة ارتباط تربط بين الجريمة والشخص المشتبه فيه، وهو يعد بمثابة شبهة أو شك ولكنه يجد من القرائن الموضوعية ما يؤيده ويعضده.
  8. دور محكمة التمييز في ترسيخ مبدأ التتبع وضبط شروطه: أكدت الدراسة الدور البارز لمحكمة التمييز الكويتية في ترسيخ مبدأ التتبع وتحديد ضوابطه وعناصره، وذلك من خلال الأحكام العديدة التي أصدرتها والتي أكدت على ضرورة توافر عناصر الاستمرارية وآنية الاعتراف والمشاركة في الجريمة، كما تناولت المحكمة في أحكامها حالات انقطاع سلسلة التلبس وما يترتب على ذلك من عدم جواز الاستمرار في التتبع، وكذلك ضرورة أن يكون اعتراف المتهم فورياً بمجرد القبض عليه، كما ركزت المحكمة على ضرورة قيام دلائل كافية لدى رجل الشرطة تربط المتهم الذي سيتم تتبعه بالجريمة محل التلبس.
  9. جواز تتبع كل من ساهم في الجريمة دون إشتراط تسميته: استنتجت الدراسة أنه وفقاً لمبدأ التتبع، يجوز للنيابة العامة بعد التحريات أن تأمر بتفتيش شخص معين ومن يتصادف وجوده معه وقت التفتيش، على أساس مظنة اشتراكه معه في الجريمة التي أذن بالتفتيش من أجلها، دون حاجة إلى أن يكون المأذون بتفتيشه مسمى باسمه، أو أن يكون في حالة تلبس بالجريمة قبل تنفيذ الإذن وحصول التفتيش، وذلك وفقاً لما ورد في تعميم النائب العام الكويتي رقم 2 لسنة 1986.
    • بطلان إجراءات التتبع في حال انتفاء أي من عناصره: خلصت الدراسة إلى أن عدم توافر أي من العناصر اللازمة لاستخدام حق التتبع، كعنصر الاستمرارية أو آنية الاعتراف أو المشاركة في الجريمة، يؤدي إلى بطلان إجراءات القبض والتفتيش التي تمت بناءً على هذا التتبع، ويترتب على ذلك بطلان كافة الآثار المترتبة عليها، وعدم جواز للمحكمة التعويل عليها في إدانة المتهم، حتى وإن كان تفتيشه قد ترتب عليه ضبط أدوات مستخدمة في الجريمة، استناداً إلى قاعدة “ما يُبنى على باطل يعد باطلاً”.

 

التوصيات

بناءً على ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج وما تم تحليله من نصوص قانونية وأحكام قضائية وآراء فقهية حول مبدأ التتبع في ظل القانون والقضاء الجزائي الكويتي، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي من شأنها تطوير النصوص القانونية المنظمة لهذا المبدأ، وتعزيز الضمانات القانونية لاستخدامه، ونشر الوعي بأهمية ضوابطه بين العاملين في المجالين الأمني والقضائي، وذلك على النحو التالي:

أولاً: التوصيات التشريعية:

  1. تعديل نص المادة (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية: توصي الدراسة بضرورة تعديل نص المادة (54/أ) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وذلك باستبدال لفظ “أدلة” بلفظ “دلائل”، لتكون الصياغة المقترحة للنص على النحو التالي: “لمأمور الضبط القضائي في الجنايات والجنح المتلبس بها أن يقبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه …”، وذلك تماشياً مع ما استقرت عليه معظم التشريعات العربية المقارنة، وتحقيقاً للدقة في الصياغة التشريعية، ولأن الدلائل الكافية هي التي تبرر اعتقاد رجل الشرطة بوجود صلة بين المشتبه فيه والجريمة، وليس الأدلة القاطعة التي تكون من اختصاص المحكمة في مرحلة الإدانة.
  2. إضافة تعريف تشريعي للدلائل الكافية: توصي الدراسة بإضافة نص تعريف تشريعي للدلائل الكافية في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وذلك على غرار ما فعله المشرع اليمني في قانون الإجراءات الجزائية رقم 13 لسنة 1994، حيث عرف الدلائل الكافية بأنها “الأمور التي يدل ثبوتها على توافر العناصر التي تكفي كسند لقرار أو حكم”، وأن تُعرف الدلائل القوية بأنها “الأمور والقرائن التي تدل بذاتها على ثبوت قيام واقعة محددة”، مما يسهم في توحيد المفاهيم وتجنب الاجتهادات المتضاربة في تفسير هذه المصطلحات.
  3. تنظيم الحالات الاستثنائية للقبض والتفتيش: توصي الدراسة بإعادة تنظيم الحالات الاستثنائية التي تجيز القبض والتفتيش دون إذن مسبق في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، وذلك من خلال تجميع هذه الحالات في نصوص واضحة ومحددة، وبيان شروط وضوابط كل حالة، بما يحقق التوازن بين فعالية العدالة الجنائية وحماية الحقوق والحريات، مع التأكيد على أن هذه الاستثناءات يجب أن تُفسر تفسيراً ضيقاً ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.
  4. إدراج ضمانات إضافية لحماية حقوق المتهمين: توصي الدراسة بإدراج نصوص قانونية تضمن حماية حقوق المتهمين في حالات التتبع، ومنها: إلزام رجل الشرطة بتحرير محضر فوري يبين فيه الأسباب والدلائل التي دفعتهم إلى تطبيق مبدأ التتبع، والأشخاص الذين تم تتبعهم والقبض عليهم، والنتائج التي أسفر عنها التفتيش، على أن يُعرض هذا المحضر على النيابة العامة خلال مدة محددة (على سبيل المثال 24 ساعة) للمصادقة على الإجراءات أو إبطالها.

ثانياً: التوصيات القضائية:

  1. توحيد الممارسات القضائية المتعلقة بمبدأ التتبع: توصي الدراسة بإصدار مذكرات توجيهية من محكمة التمييز أو النيابة العامة، تحدد الأسس والمعايير الواجب اتباعها في تطبيق مبدأ التتبع، وخاصة فيما يتعلق بتقدير عنصر الاستمرارية وآنية الاعتراف والمشاركة في الجريمة، وذلك لضمان تحقيق العدالة والمساواة في تطبيق القانون، وتفادي التباين في الأحكام الصادرة في قضايا مماثلة.
  2. تشديد الرقابة القضائية على إجراءات التتبع: توصي الدراسة بتشديد الرقابة القضائية على إجراءات القبض والتفتيش التي تتم في إطار مبدأ التتبع، وذلك من خلال التأكيد على أن محكمة الموضوع ملزمة بفحص مدى توافر العناصر اللازمة لاستخدام حق التتبع، وأن عدم توافر أي من هذه العناصر يؤدي إلى بطلان الإجراءات وعدم جواز التعويل عليها في الإدانة، مع ضرورة إيراد المحكمة أسباباً واضحة ومنطقية لقضائها بصحة أو بطلان هذه الإجراءات.
  3. سرعة الفصل في القضايا المتعلقة بمبدأ التتبع: توصي الدراسة بإعطاء أولوية خاصة للقضايا التي تثير إشكالات حول مبدأ التتبع، والعمل على سرعة الفصل فيها، وذلك نظراً للآثار المترتبة على بطلان أو صحة إجراءات القبض والتفتيش في هذه القضايا، والتي قد تؤدي إلى إدانة أو براءة متهمين، مع ضرورة مراعاة التوازن بين سرعة الفصل وضمان تحقيق العدالة.

ثالثاً: التوصيات الأمنية والتدريبية:

  1. تدريب رجال الشرطة على ضوابط مبدأ التتبع: توصي الدراسة بتكثيف برامج التدريب والتأهيل لرجال الشرطة حول ضوابط وشروط استخدام مبدأ التتبع، وذلك من خلال تنظيم دورات تدريبية متخصصة تتناول الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن، والتمييز بين الدلائل الكافية والأدلة القاطعة، وكيفية التعامل مع حالات التلبس وتوثيق إجراءات القبض والتفتيش، بما يكفل حماية حقوق المتهمين ويحقق العدالة.
  2. إعداد أدلة إرشادية لضبط إجراءات التتبع: توصي الدراسة بإعداد أدلة إرشادية عملية لرجال الشرطة، تتضمن الإجراءات الواجب اتباعها في حالات التتبع، والنماذج العملية لحالات التلبس التي يجوز فيها تطبيق مبدأ التتبع، والأخطاء الشائعة التي يجب تجنبها، وكيفية توثيق إجراءات القبض والتفتيش بشكل قانوني سليم.
  3. تطوير آليات المراجعة الداخلية: توصي الدراسة بتطوير آليات المراجعة الداخلية في الأجهزة الأمنية لمتابعة إجراءات القبض والتفتيش التي تتم في إطار مبدأ التتبع، والتأكد من التزام رجال الشرطة بالضوابط القانونية، واتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة في حالات المخالفة أو التجاوز.

رابعاً: التوصيات الأكاديمية والبحثية:

  1. تشجيع البحث العلمي في مجال مبدأ التتبع: توصي الدراسة بتشجيع إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث في مجال مبدأ التتبع، وخاصة فيما يتعلق بتحليل الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن، ودراسة مدى تطابق الممارسة العملية مع الضوابط القانونية، وتقديم مقترحات لتطوير التشريعات والسياسات، وذلك من خلال تخصيص منح بحثية وتنظيم مؤتمرات وندوات علمية متخصصة في هذا الموضوع.
  2. تضمين موضوع مبدأ التتبع في المناهج التعليمية: توصي الدراسة بتضمين موضوع مبدأ التتبع بشكل موسع في مناهج كليات الحقوق والمعاهد الأمنية، وتخصيص جزء من المقررات الدراسية لدراسة هذا الموضوع بشكل متعمق، مع التركيز على الجوانب العملية والتطبيقية، من خلال عرض قضايا واقعية ودراسات حالة، وتدريب الطلاب على كيفية التعامل مع حالات التتبع وآليات التحقيق فيها.
  3. إجراء دراسات مقارنة بين التشريعات العربية: توصي الدراسة بإجراء دراسات مقارنة موسعة بين التشريعات العربية المختلفة فيما يتعلق بمبدأ التتبع والدلائل الكافية، وذلك للوقوف على أفضل الممارسات التشريعية والقضائية، والاستفادة من التجارب الناجحة في تطوير النصوص القانونية الكويتية، مع مراعاة الخصوصية القانونية والدستورية لدولة الكويت.

خامساً: التوصيات المجتمعية والإعلامية:

  1. نشر الوعي بحقوق المتهمين: توصي الدراسة بنشر الوعي بين أوساط المجتمع حول حقوق المتهمين في إجراءات القبض والتفتيش، وخاصة في حالات التلبس التي يجوز فيها تطبيق مبدأ التتبع، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والحملات التوعوية، والبرامج التعليمية، مما يسهم في ترسيخ ثقافة احترام الحقوق والحريات ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات الأمنية والقضائية.
  2. إشراك المجتمع المدني في الرقابة على إجراءات القبض والتفتيش: توصي الدراسة بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في الجهود الرامية إلى مراقبة إجراءات القبض والتفتيش، من خلال آليات رقابية تضمن الشفافية والمساءلة، مثل إتاحة إمكانية تقديم الشكاوى والبلاغات حول أي تجاوزات في استخدام مبدأ التتبع، والعمل على حماية المبلغين بحسن نية من أي مساءلة.

هذا وقد خلصت الدراسة إلى أن مبدأ التتبع يمثل أحد أهم المبادئ القضائية التي استقر عليها القضاء الجزائي الكويتي، كونه يجيز لرجال الشرطة القبض على المتهمين وتفتيشهم دون أمر مسبق في حالات محددة، وهو ما يجعله استثناءً مهماً على القواعد العامة التي تحكم إجراءات القبض والتفتيش. وتؤكد الدراسة على أن هذا المبدأ وإن كان ضرورياً لضبط الجريمة وكشف مرتكبيها في حالات التلبس، إلا أنه يجب أن يخضع لضوابط وشروط صارمة، وأن يظل مقيداً بالرقابة القضائية، لضمان عدم التعدي على الحقوق والحريات المكفولة دستوراً وقانوناً.

كما تؤكد الدراسة على ضرورة مواكبة التطورات التشريعية في الدول العربية المقارنة، وخاصة فيما يتعلق باستخدام مصطلح “الدلائل الكافية” بدلاً من “الأدلة القوية” في صياغة النصوص القانونية، وإضافة تعريفات تشريعية للدلائل الكافية والقوية، بما يسهم في تحقيق الدقة القانونية والتوافق بين النص والمغزى العملي للمبدأ. كما توصي الدراسة بتكثيف برامج التدريب والتأهيل لرجال الشرطة، وإعداد أدلة إرشادية عملية، وتشجيع البحث العلمي في هذا المجال، بما يكفل تحقيق التوازن المنشود بين فعالية العدالة الجنائية وحماية الحقوق والحريات، ويؤكد على أن سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان هما وجهان لعملة واحدة لا يكتملان إلا معاً.

 

[1] – محكمة التمييز الكويتية – الدائرة الجزائية – تمييز رقم 1 لسنة 2000 – جلسة 26/6/2000.

[2] – محكمة التمييز الكويتية – الدائرة الجزائية – تمييز رقم 1421 لسنة 2017 – جلسة 26/5/2019.

[3] – فاضل عبد الله وأحمد السماك – شرح قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي – ط2 – شركة مطبعة الفيصل – الكويت – 2010 – ص168.

[4] – محكمة التمييز الكويتية – الدائرة الجزائية – تمييز رقم 842 لسنة 2016 – جلسة 25/12/2016.

[5] – محكمة التمييز الكويتية – الدائرة الجزائية – تمييز رقم 304 لسنة 2009 – جلسة 6/4/2010

[6] – د/ خالد صالح الرشيدي ود/ علي مزهي الرشيدي – مبدأ التتبع في القضاء الجزائي الكويتي – مجلة الحقوق – س 50 – ع (1) – جامعة الكويت – مارس 2026 – ص134.

[7] – محكمة التمييز الكويتية – الدائرة الجزائية – تمييز رقم 93 لسنة 1993 – جلسة 13/6/1994.

[8] – عمر الفاروق – الاستيثاف والقبض في القانون الكويتي مقارناً بالقانون المصري – مطابع جامعة الكويت – 1994 – ص79.

 

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية