تم التحديث ساعة واحدة ago عن طريق ahmad
نظرة عامة على أهم جوانب جرائم الإعلام المرئي والمسموع
(في ظل القانون رقم 61 لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع)
(الجزء الثالث)
سبق وأن تعرضنا في الجزئين الأول والثاني من هذا المقال إلى أهم وأبرز الجوانب المتعلقة بموضوع بالغ الأهمية وهو موضوع جرائم الإعلام المرئي والمسموع، حيث تناولنا في الجزء الأول ماهية الإعلام المرئي والمسموع، وأيضاً التعريف بجرائم الإعلام المرئي والمسموع، وأوضحنا أبرز وأهم الخصائص والسمات التي تتميز بها هذه الجرائم، كما أفردنا الجزء الثاني منه لمناقشة المسؤولية الجزائية عن هذه الجرائم، وتحديد شخص مرتكبها وفقاً لما قرره المشرع الكويتي بالقانون رقم 61 لسنة 2007 بشأن الإعلام المرئي والمسموع، وبيان الجهة المختصة بضبط وإثبات هذه الجرائم، واختتمنا المقال بالوقوف على الجهة التي منحها المشرع الاختصاص بالتحقيق في جرائم الإعلام المرئي والمسموع.
وفي هذا المقال سوف نتناول الجانب الأخير من موضوع جرائم الإعلام المرئي والمسموع، والذي لا نبالغ إذا ما وصفناه بأنه يعد أهم جوانب هذا الموضوع على الإطلاق، ويمكننا أن نعزي أهميته تلك لكونه يدور حول أركان جرائم الإعلام المرئي والمسموع، والعقوبات المقررة لهذه الجرائم، وبيان المحكمة التي تختص بنظر تلك الجرائم، ومما لا شك فيه أن توضيح أركان الجريمة وبيان عقوبتها تُعد هي أهم ما يشغل بال القارئ، وذلك لكونها توضح الأفعال التي يلزم تجنبها حتى لا يعد الشخص مرتكباً لفعل يدخل في إطار التجريم، وتوضح له العقوبة التي قد يتعرض لها متى ارتكب أياً من جرائم الإعلام المرئي والمسموع، لذلك فقد آثرنا أن نحتفظ بتلك الجوانب لتكون هي موضوع الجزء الأخير من سلسلة المقالات المخصصة لجرائم الإعلام المرئي والمسموع، وحتى نتمكن أيضاً من أن نفرد لها المساحة المناسبة التي تتناسب مع أهميتها وبشكل مستقل، حتى لا تتداخل مع أي جانب من الجوانب الأخرى السابق ذكرها في المقالين السابقين.
أولاً: أركان جرائم الإعلام المرئي والمسموع
بداية وقبل التعرض إلى أركان جرائم الإعلام المرئي والمسموع يجب أن نوضح نقطة هامة، وتتمثل هذه النقطة في تحديد الطبيعة القانونية لهذه الجرائم، وذلك لكون تحديد الطبيعة القانونية للجريمة يُعد مؤثراً وبشكل جوهري في تحديد الأركان الخاصة بالجريمة بوجه عام والأركان الخاصة بجرائم الإعلام المرئي والمسموع بوجه خاص.
بالرجوع إلى قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 61 لسنة 2007، وتحديداً إلى مواده من المادة رقم (11) وحتى المادة رقم (13)، وهي المواد الخاصة بالتجريم والعقوبات، سيتبين لنا أن المشرع قد حدد طبيعة جرائم الإعلام المرئي والمسموع بأنها جرائم خطر وليست جرائم ضرر، ويلزمنا لكي نوضح ذلك أن نتصدى بالتعريف إلى هذين النوعين من الجرائم.
جرائم الخطر: ويُطلق عليها أيضاً الجرائم الشكلية، وهي الجرائم التي لا يتطلب المشرع لوقوعها أن تتحقق نتيجتها الإجرامية، بل يكتفي لوقوعها أن يتم ارتكاب السلوك الإجرامي فقط، حتى وإن لم تتحقق النتيجة الإجرامية التي تم ارتكاب الجريمة لتحقيقها، وهو ما يترتب عليه أن الركن المادي لها لا يتكون من الخطأ والضرر وعلاقة السببية لكون تحقق الضرر ليس شرطاً للجريمة، بل يتكون الركن المادي لها من السلوك الإجرامي المتمثل في إتيان الجاني للفعل الذي يجرمه القانون.
جرائم الضرر: هي على النقيض من جرائم الخطر، حيث بستلزم تحقق الركن المادي لها تحقق النتيجة الإجرامية المتمثلة في الضرر الواقع على المصالح المحمية الخاصة بالغير، وأن يكون هذا الضرر نتيجة لارتكاب الجاني للسلوك الإجرامي، فيكون الركن المادي لتلك الجرائم قائماً على ثلاث عناصر وهي السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية وعلاقة السببية بينهما.
ووفقاً لما سبق فإن جرائم الإعلام المرئي والمسموع تقوم على تحقق ثلاثة أركان رئيسية وهي الركن الشرعي أو القانوني، والركن المادي المتمثل في السلوك الإجرامي فقط، والركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي.
ثانياً: الركن المادي لجرائم الإعلام المرئي والمسموع
يتشكل الركن لجرائم الإعلام المرئي والمسموع – كما سبق وأن أوضحنا آنفاً – من الفعل الذي يمثل السلوك الإجرامي، والذي يتم ارتكابه من قبل الجاني ويضعه قانون الإعلام المرئي والمسموع محل التجريم.
ويختلف السلوك الإجرامي الذي يشكل الركن المعنوي لجرائم الإعلام المرئي والمسموع من جريمة إلى أخرى، وذلك وفقاً لما جاء بمواد التجريم أرقام (11) و(12) من قانون الإعلام المرئي والمسموع، واللتان ورد بهما ذكر لمجموعة من السلوكيات الإجرامية التي يعاقب عليها القانون، وسوف نوضح تلك السلوكيات على النحو التالي:
(1) السلوك الإجرامي وفقاً لنص المادة رقم (11)
جرم المشرع الكويتي في نص هذه المادة فعل البث أو إعادة البث لمحتوى إعلامي محدد، ويقبل أن نوضح المحتوى الإعلامي الذي حظره المشرع يلزم بداية بيان ماهية فعل كل من البث وإعادة البث، وذلك باعتبارهما يمثلان السلوك الإجرامي الذي وضعه القانون موضع التجريم.
ويُقصد بفعل البث “إرسال الأعمال أو البرامج المرئية أو المسموعة بواسطة موجات كهرومغناطيسية عبر الأقمار الصناعية أو وسائل أخرى مهما كان وصفها أو طبيعتها تمكن الجمهور من استقبالها عبر الوسائل الفنية بمختلف مسمياتها”[1].
أما فعل إعادة البث فيُقصد به “استقبال وإعادة بث قنوات خاصة من داخل دولة الكويت ليتم استقبالها داخل الكويت بواسطة وسائل التقنية الحديثة وفقاً لنظام الدفع المسبق”[2].
مع ضرورة التنويه إلى أن فعل البث وإعادة البث في حد ذاتهما لا يمثلان سلوكاً إجرامياً، ولكنهما يصبحان كذلك متى ارتبطا بالمحتوى الإعلامي الذي يحظر القانون بثه أو إعادة بثه، وبالتالي يمكننا القول أن الركن المادي لجرائم الإعلام المرئي والمسموع الواردة بتلك المادة يتكون من فعل البث أو إعادة البث للمحتوى الإعلامي الذي يحظره القانون.
أما بشأن المحتوى الإعلامي الذي وضعه القانون موضع التجريم وحظر بثه أو إعادة بثه، فيمكننا أن نذكره حصراً في النقاط الآتي بيانها:
(1) المحتوى الذي يمس بالذات الإلهية أو الملائكة أو القرآن الكريم أو الأنبياء أو الصحابة الأخيار أو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو آل البيت عليهم السلام، سواء كان هذا المساس عن طريق التعرض أو الطعن أو السخرية أو التجريح، أو بأي وسيلة أخرى من الوسائل التي قررها المشرع الكويتي بموجب نص المادة رقم (29) من القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء، والتي تتمثل في (القول أو الصياح أو الكتابة أو الرسم أو الصور أو أي وسيلة من وسائل التعبير عن الفكر”.
(2) المحتوى الذي يشتمل على تحريض يستهدف قلب نظام الحكم في البلاد، أو الحث على تغيير هذا النظام بالقوة أو بأي طريقة من الطرق غير المشروعة، أو يتضمن دعوة لاستخدام القوة لتغيير النظم الاجتماعية والاقتصادية القائمة في البلاد، أو يدعو إلى اعتناق مذاهب تستهدف هدم الأنظمة الأساسية في الدولة بطرق غير مشروعة.
(3) المحتوى الذي يتضمن تعرض لشخص صاحب السمو أمير البلاد سواء بالنقد أو بأن ينسب إليه قول ما دون الحصول على إذن خاص بذلك من الديوان الأميري.
(4) المحتوى الذي يشتمل على أي شكل من أشكال التحقير أو الازدراء لدستور الدولة، أو على تحريض لمخالفة نصوصه.
(5) المحتوى الذي يمثل إهانة أو تحقير لرجال القضاء أو أعضاء النيابة العامة، أو يمثل مساس بنزاهة وحياد القضاء.
(6) المحتوى الذي يتضمن ما يخدش الآداب العامة، أو ما يمثل تحريضاً على مخالفة النظام العام أو القوانين أو يحث على ارتكاب الجرائم.
(7) المحتوى المشتمل على إفشاء الأخبار الخاصة بالاتصالات الرسمية السرية أو بالاتفاقيات والمعاهدات التي تقوم الحكومة الكويتية بإبرامها قبل نشرها في الجريمة الرسمية، وذلك بدون الحصول على إذن خاص من الوزارة المختصة.
(8) المحتوى الذي من شأنه أن يؤثر على قيمة العملة الوطنية، أو يترتب عليه زعزعة الثقة في الوضع الاقتصادي للبلاد، أو يكشف عن إفلاس التجار أو الشركات التجارية أو المصارف أو الصيارفة، وذلك دون الحصول على إذن خاص بذلك من المحكمة المختصة.
(9) المحتوى الذي يتضمن إفشاء ما يدور داخل اجتماع رسمي أو ما ورد في وثائق أو مستدات أو مراسيم أو غيرها من أوراق أو مطبوعات يقرر الدستور أو القانون أنها سرية ويحظر نشرها.
(10) المحتوى الذي يمس بكرامة الأشخاص أو بحياتهم الخاصة أو بمعتقداتهم الدينية.
(11) المحتوى الذي يمثل دعوة إلى الكراهية أو الازدراء لفئة من فئات المجتمع.
(12) المحتوى الذي يمس بالحياة الخاصة للموظف العام أو المكلف بخدمة عامة، أو ينسب إليه قول أو فعل غير حقيقي يتضمن تجريح أو إساءة له.
(13) المحتوى الذي يضر بعلاقات دولة الكويت مع غيرها من الدول العربية الصديقة، متى تم ذلك من خلال حملات إعلامية.
(14) المحتوى الذي يتضمن ما يخرج بالقناة عن الغرض الذي صدر لها الترخيص من أجله.
فإذا كان كان فعل البث أو إعادة البث مشتملاً على محتوى من المحتويات السابقة، فعندئذ تتحقق جريمة من جرائم الإعلام المرئي والمسموع.
(2) السلوك الإجرامي وفقاً لنص المادة رقم (12)
في هذه المادة جرم المشرع فعل الجاني بممارسة أعمال البث دون الحصول على ترخص يجيز له ذلك، حيث يتمثل الركن المادي لهذه الجريمة في عنصرين مرتبطين، العنصر الأول هو ممارسة أعمال البث، والعنصر الثاني هو عدم وجود ترخيص لدى القائم بممارسة تلك الأعمال يجيز له ممارستها.
وهذه الجريمة هي جريمة شكلية صرف، حيث يدور التجريم وجوداً وعدماً مع وجود إجراء شكلي قوامه صدور الترخيص الخاص بممارسة أعمال البث من عدمه، مثلها في ذلك مثل ممارسة مهنة المحاماة أو الطب أو غيرها دون وجود رخصة مزاولة لتلك المهنة، حيث يحظر على من يمارس تلك المهن أن يمارسها إلا في ظل وجود الترخيص بمزاولتها، وإلا عُد مخالفاً للقانون ويقع تحت طائلة العقوبة.
ثالثاً: الركن المعنوي لجرائم الإعلام المرئي والمسموع
الركن المعنوي للجريمة يتمثل في العلاقة النفسية التي تربط الجاني بجريمته، والتي يطلق عليها قانوناً مسمى القصد الجنائي، ويتشكل القصد الجنائي في جرائم النشر من عنصرين وهما عنصر العلم وعنصر الإرادة.
ويتمثل عنصر العلم في أن يكون الجاني (مدير عام القناة، المعد، المذيع، ممارس أعمال البث) على علم بأنه يقوم بفعل يحظره القانون ويضعه موضع التجريم، كما هو الحال في بث أو إعادة بث محتوى يعلم بأن القانون يعاقب عليه، أو ممارسة أعمال البث دون ترخيص مع علمه بأن القانون يعاقب على ذلك.
أما عنصر الإرادة فيتمثل في توجه إرادة الجاني لارتكاب الفعل وتحقيق العناصر المادية للجريمة، وذلك بأن تتجه إرادته إلى بث أو إعادة بث المحتوى الذي يعلم بأنه محظور، أو تتجه إلى ممارسة أعمال البث في ظل عمله بأنه لم يحصل على ترخيص بذلك.
ونود أن نوضح أن تحقق الركن المعنوي يعد مفترضاً في جرائم النشر، ويقع على عاتق الجاني عبء نفيه، لاسيما وأن التسليم بغير ذلك يعد مخالفاً لمبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون، وبالتالي فإن العلم بالتجريم هو أمر مفترض لدى الكافة، وهو ما يترتب عليه مسؤولية الشخص عن السلوك الإجرامي الذي يرتكبه وتحقق للركن المعنوي للجريمة في جانبه، ويستطيع دفع ذلك متى أثبت أنه لم يكن على علم بأن ما يرتكبه هو سلوك إجرامي يعاقب عليه القانون.
رابعاً: العقوبات المقررة لجرائم الإعلام المرئي والمسموع
اختلفت العقوبات التي قررها المشرع الكويتي لجرائم الإعلام المرئي والمسموع من جريمة إلى أخرى، إلا أننا يمكن أن نحصر تلك العقوبات تبعاً للجرائم في أربع طوائف من العقوبات، وذلك على النحو التالي:
الطائفة الأولى: تشتمل على جريمة ممارسة أعمال البث دون الحصول على ترخيص بممارستها، وقد قرر لها القانون عقوبة الحبس لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، والغرامة التي تتراوح من خمسة آلاف دينار وحتى عشرة آلاف دينار، أو الاكتفاء بإحدى هاتين العقوبتين، وفي كل الأحوال يتم مصادرة كافة المعدات والأجهزة التي تم استخدامها في ممارسة أعمال البث.
الطائفة الثانية: وتشتمل تلك الطائفة على الجرائم الواردة بنص المادة رقم (11/2) من القانون، والمتمثلة في جرائم بث أو إعادة بث المحتوى الذي يشتمل على تحريض يستهدف قلب نظام الحكم في البلاد، أو الحث على تغيير هذا النظام بالقوة أو بأي طريقة من الطرق غير المشروعة، أو يتضمن دعوة لاستخدام القوة لتغيير النظم الاجتماعية والاقتصادية القائمة في البلاد، أو يدعو إلى اعتناق مذاهب تستهدف هدم الأنظمة الأساسية في الدولة بطرق غير مشروعة، وقد قرر المشرع لتلك الجرائم العقوبة المنصوص عليها بالمادة رقم (29/1) من القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960، والتي تتمثل في عقوبة الحبس لمدة لا تزيد عن عشر سنوات.
الطائفة الثالثة: وتشتمل هذه الطائفة على الجرائم الواردة بنص المادة رقم (11/1) من قانون الإعلام المرئي والمسموع، والمتمثلة في بث أو إعادة بث المحتوى الذي يمس بالذات الإلهية أو الملائكة أو القرآن الكريم أو الأنبياء أو الصحابة الأخيار أو زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أو آل البيت عليهم السلام، وقرر المشرع لتلك الطائفة من الجرائم عقوبة قوامها الحبس لمدة لا تزيد عن سنة واحدة، والغرامة التي تتراوح من خمسة آلاف دينار وحتى عشرين ألف دينار، أو بلإحدى هاتين العقوبتين.
الطائفة الرابعة: وتشتمل هذه الطائفة على سائر الجرائم الأخرى الواردة بقانون الإعلام المرئي والمسموع ، والتي قرر لها المشرع عقوبة الغرامة التي تتراوح من ثلاثة آلاف دينار وحتى عشرة آلاف دينار، مع منح المحكمة سلطة تقديرية في توقيع عقوبة تكميلية قوامها إلغاء الترخيص الخالف بالشخص أو الجهة المخالفة، أو وقف الترخيص لمدة لا تتجاوز سنة واحدة.
خامساً: المحكمة المختصة بنظر جرائم الإعلام المرئي والمسموع
منح المشرع الكويتي الاختصاص بنظر الدعاوى الجزائية المتعلقة بجرائم الإعلام المرئي والمسموع إلى دائرة الجنايات بالمحكمة الكلية، ومنح الاختصاص بنظر الأحكام الصادرة فيها لمحكمة الاستئناف، كما أجاز الطعن على الأحكام الصادرة من محكمة الاستئناف بطريق التمييز أمام محكمة التمييز.
الخاتمة
بهذا المقال نكون قد اختتمنا بحمد الله الحديث عن موضوع جرائم الإعلام المرئي والمسموع، آملين أن نكون قد حققنا للقارئ الاستفادة المرجوة في تسليط الضوء على أهم جوانب هذا الموضوع.
[1] – قانون الإعلام المرئي والمسموع رقم 61 لسنة 2007 – المادة رقم (1/2).
[2] – المرجع السابق – المادة رقم (1/3).