تم التحديث 36 دقيقة ago عن طريق ahmad

‏مسؤولية الموظف تجاه الأسرار الوظيفية على الصعيدين التأديبي والجنائي

Download PDF

 

مسؤولية الموظف تجاه الأسرار الوظيفية على الصعيدين التأديبي والجنائي

 

تعد مسؤولية الموظف تجاه الأسرار الوظيفية من الموضوعات الحيوية والبالغة الأهمية في مجال القانون الإداري والجنائي على السواء، حيث تمثل الركيزة الأساسية التي تقوم عليها علاقة الثقة بين الدولة ومؤسساتها من جهة، والمواطنين من جهة أخرى. فالمعلومات والبيانات التي يطلع عليها الموظف العام أثناء تأديته لمهام وظيفته تعد من أكثر الأمور حساسية، لما قد يترتب على إفشائها من آثار سلبية تمس الأمن القومي للدولة، وتخل بحرمة الحياة الخاصة للأفراد، وتزعزع الثقة في مؤسسات الدولة بشكل عام، وهو ما يجعل هذا الموضوع محط اهتمام المشرعين والفقهاء في مختلف الدول.

وتتعدد الجوانب القانونية لهذا الموضوع، حيث يتشابك فيها القانون الإداري بقواعده التأديبية مع القانون الجنائي بنصوصه الزجرية، وهو ما يستدعي دراسة متعمقة للأحكام والضوابط المنظمة لهذا الالتزام، إلى جانب حالات الإباحة التي يجيز فيها القانون للموظف الإفصاح عن بعض الأسرار، والضمانات التي تحمي الموظف من المساءلة في الحالات المشروعة. وقد أولى المشرع الكويتي هذا الموضوع اهتماماً خاصاً من خلال إقراره لنصوص قانونية متعددة في قانون الخدمة المدنية وقانون الجزاء وقانون حماية الأموال العامة، وذلك في محاولة منه لتحقيق التوازن بين حماية الأسرار الوظيفية وضمان حقوق العاملين.

وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من خلال تسليط الضوء على الأركان اللازمة لقيام جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، وبيان آليات المساءلة التأديبية والجنائية، وتحليل حالات الإباحة التي تنتفي معها المسؤولية، وذلك في إطار القانون الكويتي المقارن مع بعض القوانين العربية الأخرى. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وحرصاً على تقديم رؤية متكاملة حوله، فقد تم تقسيم هذه الدراسة إلى عدة محاور رئيسية، تتناول بالتحليل والتفصيل مفهوم الأسرار الوظيفية، والشروط اللازم توافرها فيها، والأسس والمبررات التي تفرض على الموظف الحفاظ عليها، والأركان التي تقوم عليها جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، فضلاً عن المسؤولية التأديبية والجنائية المترتبة على هذا الفعل، مع تقديم بعض التوصيات التي تسهم في تعزيز الحماية القانونية للأسرار الوظيفية وتطوير آليات الرقابة والمساءلة في هذا الشأن.

ويعد الالتزام بالحفاظ على الأسرار الوظيفية وعدم إفشائها من الالتزامات الرئيسية والجوهرية التي يخضع لها الموظف بوجه عام والموظف العام بوجه خاص، لاسيما وأن ذلك الالتزام يعتبر وجه من أوجه حماية حرمة الحياة الخاصة، وذلك لكون السر بوجه عام يرتبط بعلاقة وثيقة بالحياة الخاصة، كما يدخل في إطار الواجبات الأخلاقية والقانونية، مما حدا بمشرعي القانون في دول العالم المختلفة إلى إقرار هذا الالتزام وصياغته في شكل نص قانوني ملزم، وجعله بمثابة المعيار الذي يقاس بموجبه ولاء وإخلاص الموظف العام لدولته والمؤسسات التابعة لها، حيث أن الموظف العام يكون على اطلاع بأسرار المؤسسات العامة بدولته، والتي تعد أسراراً تمس بالأمن القومي، وبالتالي تكون النتيجة المباشرة لإفشائها هي تعريض الأمن العام للدولة للخطر.

ولا يمنع ما سبق ذكره بشأن التزام الموظف العام بالحفاظ على أسرار وظيفته من أنه هناك بعض الحالات الاستثنائية، وهذه الحالات يجيز ويبيح فيها القانون بنص صريح للموظف العام أن يدلي بسر أو أكثر من الأسرار الوظيفية، والهدف من تقرير تلك الحالات الاستثنائية هو حماية الأمن العام والمصالح العامة للدولة والمصالح الخاصة بالأفراد، ولكن يظل الأصل هو عدم جواز إفشاء تلك الأسرار الوظيفية.

أهداف البحث

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تتوزع بين الأهداف العلمية النظرية والأهداف التطبيقية العملية، ويمكن إجمالها على النحو التالي:

الأهداف العلمية النظرية:

  • تقديم تعريف شامل ومتكامل للأسرار الوظيفية، من خلال استعراض مختلف التعريفات الفقهية، والخروج بتعريف جامع يحدد ماهيتها وطبيعتها القانونية.
  • تحديد الشروط اللازم توافرها في المعلومات والبيانات حتى تكتسب صفة السر الوظيفي، وذلك من خلال تحليل كل شرط من الشروط الثلاثة (شرط السرية، وشرط عدم اتصالها بعلم الكافة، وشرط اطلاع الموظف العام عليها أثناء أو بسبب أداء مهام وظيفته) بشكل مفصل.
  • بيان الأسس والمبررات التي تفرض على الموظف العام الالتزام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية، وذلك من خلال الربط بين تحقيق المصلحة العامة، ومصلحة الأفراد، والطبيعة الخاصة للوظيفة العامة.
  • تحليل الأركان الأربعة التي تقوم عليها جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية وهي: الركن المفترض (صفة الموظف العام)، والركن الشرعي (نص التجريم)، والركن المادي (فعل الإفشاء)، والركن المعنوي (القصد الجنائي)، مع توضيح العلاقة بينها.

الأهداف التطبيقية العملية:

  • التمييز بين المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، وبيان أوجه الاختلاف والتشابه بينهما.
  • استعراض العقوبات المقررة قانوناً للموظف العام الذي يخالف التزاماته الوظيفية ويفشي أسرار وظيفته، مع تحديد نطاق تطبيقها.
  • تحليل حالات الإباحة التي يجيز فيها القانون للموظف العام إفشاء الأسرار الوظيفية دون أن تترتب عليه مسؤولية تأديبية أو جنائية.
  • بيان مدى استمرار التزام الموظف العام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية حتى بعد انتهاء خدمته وزوال صفته كموظف عام، وذلك وفقاً للفترة الزمنية التي حددها المشرع.
  • تقديم توصيات عملية للجهات المعنية يمكن من خلالها تعزيز الحماية القانونية للأسرار الوظيفية، وتطوير آليات الرقابة والمساءلة، ونشر الوعي بأهمية هذا الالتزام بين الموظفين العامين.

الأهداف المنهجية:

  • اعتماد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص القانونية والأحكام القضائية ذات الصلة بموضوع الدراسة.
  • تطبيق المنهج المقارن من خلال المقارنة بين مفهوم الموظف العام في القانون الإداري والقانون الجنائي.
  • تحليل النصوص القانونية الكويتية ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون الخدمة المدنية رقم 15 لسنة 1979، وقانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، وقانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993.

أهمية البحث

تكتسب هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات تتعلق بأهمية الموضوع ذاته، وتأثيره المباشر على سير العمل الإداري واستقرار المجتمع بشكل عام، ويمكن إجمال هذه الأهمية في النقاط التالية:

أولاً: الأهمية الموضوعية:

  • يمثل موضوع الأسرار الوظيفية أحد المحاور الجوهرية في القانون الإداري والقانون الجنائي، حيث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحماية الأمن القومي للدولة، وصون المصلحة العامة، والحفاظ على حرمة الحياة الخاصة للأفراد، وهو ما يضفي عليه أهمية بالغة تستدعي الدراسة والتحليل.
  • تتعدد الآثار المترتبة على إفشاء الأسرار الوظيفية، والتي قد تمتد لتشمل الأمن الوطني، والعلاقات الدولية، والثقة في مؤسسات الدولة، فضلاً عن الأضرار المباشرة التي تلحق بالأفراد، مما يجعل دراسة هذا الموضوع ضرورة ملحة.
  • تشكل الأسرار الوظيفية أحد المعايير التي يقاس بها ولاء الموظف العام وإخلاصه لدولته والمؤسسات التابعة لها، إذ أن الموظف العام يكون على اطلاع بأسرار المؤسسات العامة، والتي تعد أسراراً تمس بالأمن القومي، وتكون النتيجة المباشرة لإفشائها تعريض الأمن العام للدولة للخطر.

الأهمية العملية والتطبيقية:

  • تسهم الدراسة في توعية الموظفين العامين بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم فيما يتعلق بالحفاظ على الأسرار الوظيفية، والعواقب القانونية التي تترتب على إفشائها، سواء على الصعيد التأديبي أو الجنائي.
  • تقدم الدراسة إطاراً قانونياً واضحاً للجهات الإدارية والقضائية يمكن الاستناد إليه عند النظر في قضايا إفشاء الأسرار الوظيفية، مما يسهم في توحيد الممارسات القضائية والإدارية في هذا الشأن.
  • تساعد الدراسة في تحديد حالات الإباحة التي يجوز فيها للموظف العام إفشاء الأسرار الوظيفية، مما يحميه من المساءلة غير العادلة ويوفر له الحماية القانونية اللازمة عند اضطراره للإفصاح عن بعض المعلومات في الحالات التي يقررها القانون.

الأهمية التشريعية:

  • تبرز الدراسة الحاجة إلى تطوير النصوص التشريعية المنظمة لالتزام الموظف العام بكتمان الأسرار الوظيفية، واقتراح التعديلات اللازمة لسد أي ثغرات قد تطرأ على هذه النصوص.
  • تسلط الضوء على التحديات التي قد تواجه تطبيق النصوص القانونية الحالية في ضوء التطور التكنولوجي المتسارع ووسائل التواصل الحديثة، مما يستدعي إعادة النظر في بعض الأحكام لمواكبة هذه التطورات.
  • تسهم الدراسة في تحليل مدى كفاية العقوبات المقررة قانوناً لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، ومدى تناسبها مع خطورة هذه الجريمة، مما قد يفتح المجال لمناقشة إمكانية تعديل هذه العقوبات لتكون أكثر ردعاً وفعالية.

الأهمية الاجتماعية:

  • تعمل الدراسة على تعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، من خلال التأكيد على وجود آليات قانونية فعالة لحماية أسرارهم الشخصية والبيانات التي يدلون بها للجهات الحكومية.
  • تسهم في حماية الحياة الخاصة للأفراد من الانتهاك، وذلك من خلال التأكيد على التزام الموظف العام بكتمان المعلومات التي تتعلق بالحياة الشخصية أو العائلية أو المهنية أو المرضية أو المالية للأفراد.
  • تعزز مبدأ الشفافية والمساءلة في العمل الإداري، وذلك من خلال وضع حدود واضحة لالتزام الموظف العام بكتمان الأسرار، وحالات الإباحة التي يجوز فيها الإفصاح عنها، مما يحقق التوازن بين حماية الأسرار وضمان حق المجتمع في المعرفة.

الأهمية الأكاديمية:

  • تسد الدراسة ثغرة في المكتبة القانونية العربية، من خلال تقديم بحث متكامل يتناول موضوع الأسرار الوظيفية من منظور قانوني متكامل يجمع بين القانون الإداري والقانون الجنائي.
  • تقدم الدراسة مادة علمية غنية يمكن الاستفادة منها في الأبحاث والدراسات المستقبلية، وفي تدريس مقررات القانون الإداري والقانون الجنائي في كليات الحقوق.
  • تسهم في إثراء النقاش الفقهي حول موضوع الأسرار الوظيفية، من خلال عرض مختلف الآراء الفقهية وتحليلها، والخروج بتعريفات وتصورات جديدة يمكن أن تسهم في تطوير الفكر القانوني في هذا المجال.

 

أولاً: المقصود بالأسرار الوظيفية

حتى نتمكن من تحديد الواعد والضوابط والأحكام التي تُلزم الموظف العام بالحفاظ على الأسرار الوظيفية، فإنه يلزم بداية أن نقف على ماهية الأسرار الوظيفية وتوضيح مفهومها وفحواها.

يجدر بنا في مستهل بيان المقصود بالأسرار الوظيفية أن نوضح أن مضمون وجوهر الأسرار الوظيفية يختلف تبعاً للظروف المحيطة والعصور المتعاقبة ويتطور بشكل دائم ومستمر، وهو ما يصعب معه أن يتم وضع مفهوم ثابت وجامد له بموجب نص قانوني، وهو ما حدا بالغالبية العظمى من مشرعي القانون إلى تجنب وضع تعريف ثابت للأسرار الوظيفية، وترك مسألة تولي تلك المهمة للفقه القانوني، وهو ذات النهج الذي انتهجه المشرع الكويتي، والذي لم يضع تعريف ثابت ومستقل لها.

لذلك فقد تم وضع أكثر من تعريف من قبل الفقه القانوني بغرض بيان المقصود بالأسرار الوظيفية، وهي تعاريف كثيرة ومتعددة يصعب ذكرها حصراً، لذا فسوف نكتفي بإيراد أهم وأبرز تلك التعاريف وأكثرها شيوعاً وذيوعاً في الاستخدام، وذلك على النحو الوارد في النقاط الآتي بيانها:

  • اتجه جانب من الفقه القانوني إلى التعريف بالأسرار الوظيفية على أنها كافة ما يتصل بعلاقة مع المعلومات والقرارات والإجراءات التي تُكشف للموظف العام ويقوم بالاطلاع عليها أثناء مباشرته لمهام وظيفته العامة[1].
  • في حين ذهب جانب آخر إلى تعريفها بأنها الواقعة التي ينحصر العلم بها في عدد محدود من الأشخاص، ويكون هناك مصلحة يقرها القانون وترتبط بتلك الواقعة ويستلزم لحمايتها والحفاظ عليها أن يبقى العلم بتلك الواقعة منحصراً في نطاق هؤلاء الأشخاص فقط دون غيرهم[2].
  • بينما عرفها جانب ثالث من الفقه بأنها المعلومات التي يقوم الموظف العام بالاطلاع عليها خلال فترة أو بسبب قيامه بأداء مهام وظيفته، والتي إما تكون سرية بطبيعتها مثل المعلومات العسكرية والأمنية أو المتعلقة بالحياة الخاصة للأشخاص، وإما أن يكون قد ورد في نص قانوني أو في قرار أو تعليمات إدارية ما يسبغ عليها وصف السرية ويمنع اطلاع أي شخص من الغير عليها[3].

ومن خلال التعاريف آنفة الذكر يمكننا أن نتبين أنه ليست جميع المعلومات التي يتم الاطلاع عليها من جانب الموظف العام خلال أو بسبب تأديته لمهام وظيفته تدخل في عداد الأسرار الوظيفية، لاسيما وأنه ليست جميع تلك المعلومات تتمتع بصفة السرية، كما أن هناك بعض الشروط التي سنوضحها لاحقاً والتي يجب أن تتحقق في المعلومات التي يتم إسباغ وصف السر الوظيفي عليها.

وبناء على ذلك يمكننا تعريف الأسرار الوظيفية تعريفاً متوازناً قوامه أن الأسرار الوظيفية هي البيانات والمعلومات وغيرها من القرارات التي يتم الاطلاع عليها من قبل الموظف العام بسبب أو أثناء ممارسته لمهام وظيفته العامة، والتي يكون نطاق العلم بها محصوراً مجموعة محددة من الأشخاص، ويُحظر إفشائها للغير سواء بحكم طبيعتها أو بحكم نص قانوني ساري يُلزم بذلك.

 

ثانياً: الشروط اللازم توافرها في الأسرار الوظيفية

كما سبق وأن أشرنا سلفاً فإن المعلومات والبيانات وغيرها من القرارات التي يطلع عليها الموظف العام أثناء أو بسبب ممارسته لمهام وظيفته العامة ليست جميعها أسرار وظيفية، بل يجب أن تتوافر بها بعض الشروط حتى تتحقق لها صفة السر الوظيفي، وهذه الشروط تحديداً هي ثلاث شروط بيانها كالتالي:

الشرط الأول: شرط السرية

يلزم بداية وحتى يتوافر للمعلومات أو البيانات أو غيرها من القرارات صفة السر الوظيفي، فإنه يلزم أن تتوافر لها صفة أخرى وهي صفة السرية، وحتى تتوافر صفة السرية فإن ذلك لا يتأتى إلا بأحد طريقين:

  • الطريق الأول: هو أن تكون صفة السرية لصيقة بطبيعة تلك المعلومات أو البيانات أو غيرها من القرارات، ويتحقق ذلك في أكثر من حالة، منها على سبيل المثال لا الحصر أن تكون متعلقة بأمن الدولة كالمعلومات العسكرية، أو بمصالح عليا للدولة، أو أن تتعلق بالحياة الخاصة للأفراد.
  • الطريق الثاني: هو أن تكون صفة السرية مقررة لتلك المعلومات أو البيانات أو القرارات بموجب نص قانوني أو لائحي أو قرار إداري أو تعليمات إدارية، ويكون هذا النص أو القرار أو التعليمات متضمناً بشكل صريح ما يفرض ويسبغ السرية عليها ويمنع إفشائها للغير.

الشرط الثاني: شرط عدم اتصالها بعلم الكافة

ثاني الشروط اللازم توافرها في الأسرار الوظيفية هو ألا تكون المعلومات أو البيانات أو غيرها من القرارات متاحة ومعلومة للكافة، وإلا فقد الهدف من اشتراط سريتها فحواه ومضمونه، وبتحقق هذا الشرط متى كانت تلك المعلومات أو البيانات أو غيرها من القرارات محظور الاطلاع من قبل الكافة، إلا عدد محدد من الأشخاص دون غيرهم يكون مصرح لهم بالاطلاع عليها ومن ضمنهم الموظف العام، لاسيما وأن معرفة الكافة بها وقدرتهم على الاطلاع عليها يمثل شيوعاً لها بما يخالف ويتعارض مع صفة السرية[4].

 

الشرط الثالث: شرط اطلاع الموظف العام عليها أثناء أو بسبب أداء مهام وظيفته

وأخيراً يجب أن تكون تلك المعلومات أو البيانات أو غيرها من القرارات قد تم الاطلاع عليها من قبل الموظف بحكم وظيفته، أي بسبب أو أثناء قيامه بمباشرة مهام وواجبات وظيفته العامة، ويُقصد يذلك أنه لولا شغل الموظف لوظيفته العامة ما كان بمقدوره أن يصل إليها أو يطلع عليها.

ثالثاً: أسس ومبررات التزام الموظف العام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية

قد يتساءل البعض عن الأسس والمبررات التي تُلزم الموظف العام بالحفاظ على على الأسرار الوظيفية وعدم إفشائها، ولعل الإجابة على هذا التساؤل تكمن في أن تلك الأسس والمبررات كثيرة ومتعددة، إلا أن أهمها وأبرزها يمكننا أن نوردها في النقاط التالية:

  • تحقيق المصلحة العامة: تستلزم المصلحة العامة من الموظف العام أن يحافظ على المعلومات والبيانات التي تُعرض عليه بحكم ممارسته لمهام وواجبات وظيفته العامة، ويرجع ذلك إلى ما قد تمثله تلك الأسرار من تهديد لأمن وسلامة الدولة والمجتمع والنظام العام، فعلى سبيل المثال في حالة إفشاء الموظف العام لما يطلع عليه بحكم وظيفته العامة من أسرار عسكرية دفاعية قد تُعرض الدولة لمخاطر جسيمة حال وصولها إلى أعدائها، بالإضافة إلى ذلك فإن العلاقة بين الدولة ومؤسساتها وبين المواطن قد تتأثر سلباً وبشكل كبير متى ترسخ لدى المواطن شعوراً بعدم قدرة الدولة على حماية أسرارها والحفاظ عليها، مما قد يؤدي إلى إدلائه لها بمعلومات غير حقيقية أو صحيحة متى طلبت منه ذلك، كما هو الحال في طلب مؤسسات الدولة من المواطن الإدلاء ببيانات ومعلومات تخص التعداد والإحصاء أو تخص دخله أو غيرها من البيانات والمعلومات الأخرى، وذلك خشية من عدم قدرة الدولة على الحفاظ عليها من الإفشاء باعتبارها معلومات شخصية وخاصة وتتسم بالسرية.
  • تحقيق مصلحة الأفراد: عند ممارسة الموظف العام لوظيفته العامة في بعض المؤسسات التابعة للدولة، فإنه يُعرض عليه معلومات وبيانات مختلفة ومتنوعة تخص أفراد المجتمع، وهذه المعلومات تمثل جزءاً من حياتهم الشخصية أو العائلية أو المهنية أو المرضية أو المالية، والتي تدخل في نطاق تطبيق مبدأ حرمة الحياة الخاصة، لذلك يلزم على الموظف العام الحفاظ على تلك المعلومات والبيانات وكتمانها.
  • الطبيعة الخاصة للوظيفة العامة: الموظف العام عند توليه لمهام الوظيفة العامة فإنه يصبح مؤتمن على ما يُعرض عليه من أسرار الدولة وأخبارها غير المعلنة، وهو ما يجعله محملاً بمسؤولية كتمان تلك الأسرار، لاسيما وأنه وعند شغله للوظيفة العامة يعد متعاقداً مع الإدارة، ويكون في ظل تعاقده هذا ملتزماً بالحفاظ على أسرار رب عمله الذي يتمثل في الدولة، ويعتبر متعهداً تعهداً ضمنياً بعدم إفشاء تلك الأسرار، خاصة وأنه بتوليه مهام تلك الوظيفة يصبح ممثلاً للدولة، ويترتب على إفشائه لأسرار وظيفته إفقاد أفراد المجتمع للثقة في الدولة ومؤسساتها وممثليها بما يؤثر بالسلب على علاقة الدولة بمواطنيها، وهو ما قد يؤدي بدوره لزعزعة الأمن والاستقرار في المجتمع بشكل جسيم.

رابعاً: الأركان التي تقوم عليها جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية

حتى تقوم جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية في حق الموظف العام، فإنها مثل سائر الجرائم الأخرى تتطلب توافر وتحقق بعض الأركان، والتي حال انتفى إحداها انهارت الجريمة تماماً في حقه، وتتمثل أركان جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية في أربعة أركان رئيسية وهي الركن المفترض، والركن الشرعي، والركن المادي، والركن المعنوي، وسوف نتعرض في الأسطر القليلة القادمة إلى تلك الأركان بشيء من التفصيل.

(1) الركن الأول: الركن المفترض

يُقصد بالركن المفترض في الجريمة الشرط المسبق الذي يفترض تحققه قبل باقي أركانها الأخرى، وهو شرط يتطلب القانون تحققه في طائفة محددة من الجرائم، ويمثل المركز القانوني أو الواقعي الذي يسبق في تحققه الركنين المادي والمعنوي للجريمة.

وفي الجرائم التي تتعلق بالوظيفة العامة كجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية وجرائم الرشوة يتمثل الركن المفترض للجريمة في توافر صفة الموظف العام للجاني، ومناط وسبب استلزام تحقق هذا الركن في جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية أن جوهر هذه الجريمة يعد بمثابة إخلال بالتزامات وواجبات تفرضها الوظيفة العامة على الموظف الذي يشغلها، وهو ما يستلزم أن تتحقق تلك الصفة – الموظف العام – في الجاني عند ارتكابه للجريمة وإفشائه لأسرار وظيفته.

وقد ورد تعريف الموظف العام في أكثر من قانون من القانونين التي أقرها المشرع الكويتي، حيث عرف قانون الخدمة المدنية الكويتي الموظف بأنه “كل من يشغل وظيفة مدنية من وظائف الجهات الحكومية أياً كانت طبيعة عمله أو مسمى وظيفته”[5].

كما حدد القانون رقم 31 لسنة 1970 بتعديل بعض أحكام قانون الجزاء رقم 16 لسنة 1960 وذلك في مادته رقم (43) الفئات التي يعد من يقع تحت طائلتها متمتعاً بوصف الموظف العام، وهذا في شأن تطبيق أحكام الفصل الثاني المعنون بـ (الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة والمسؤولية الجزائية للشخص الاعتباري الخاص)، حيث نصت المادة المذكورة آنفاً على أن “يعد في حكم الموظف العام في تطبيق نصوص هذا الفصل: أ- الموظفون والمستخدمون والعمال في المصالح التابعة للحكومة او الموضوعة تحت إشرافها ورقابتها. ب- أعضاء المجالس النيابية العامة أو المحلية سواء أكانوا منتخبين أو معينين. ج- المحكمون والخبراء ووكلاء النيابة والمصفون والحراس القضائيون. د- كل شخص مكلف بخدمة عامة. هـ- أعضاء مجالس إدارة ومديرو وموظفو ومستخدمو المؤسسات والشركات والجمعيات والمنظمات والمنشآت إذا كانت الدولة أو إحدى الهيئات العامة تساهم في مالها بنصيب ما باية صفة كانت).

وقد أكد قانون حماية الأموال العامة الكويتي رقم 1 لسنة 1993 على هذا في شأن التعريف بالموظف العام، حيث أحال بشأنه في مادته رقم (3) إلى التعريف الوارد في المادة رقم (43) من القانون رقم 31 لسنة 1970.

بينما جاء المرسوم بقانون رقم 69 لسنة 2025 بشأن تعديل بعض أحكام قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد رقم 2 لسنة 2016، ليضيف على التعريف الوارد بالمادة رقم (43) من القانون رقم 31 لسنة 1970 في شأن التعريف بالموظف العام تعريفاً إضافياً، حيث عرف الموظف العام في مادته الأولى بأنه “من يشغل وظيفة مدنية أو عسكرية لدى الجهات الحكومية أياً كانت طبيعة عمله أو مسماه الوظيفي، أو من يعد في حكم الموظف العام من الأشخاص المنصوص عليهم في المادة (43) من قانون الجزاء المشار إليه”.             

وفي إطار التعريف بالموظف العام يجب أن ننوه إلى نقطة هامة وجوهرية في هذا الشأن، ألا وهي أن مفهوم الموظف العام يكون أشمل وأوسع في ظل القانون الجنائي عنه في ظل القوانين الإدارية، وهذا الأمر يعد واضحاً وحلياً بمقارنة التعريف الوارد في قانون الجزاء الكويتي بنظيره الوارد في قانون الخدمة المدنية الكويتي بشأن الموظف العام، كما أحالت معظم القوانين ذات العلاقة بشأن التعريف بالموظف العام إلى التعريف الوارد بقانون الجزاء.

ووفقاً لما سبق جميعه واستناداً إلى المفهوم الموسع للموظف العام في قانون الجزاء، فإنه يمكننا القول بأن الموظف العام هو أي شخص يشترك في أداء مهام السلطات العامة، وذلك بغض النظر عما يتطلب القانون الإداري توافره من شروط في الموظف العام.

(2) الركن الثاني: الركن الشرعي

المقصود بالركن الشرعي هو أن يكون الفعل المرتكب من قبل الجاني يقابله نص قانوني يقرر تجريمه ويحدد لمرتكبه عقوبة، وهذا الركن يعد بمثابة تطبيقاً لمبدأ “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”.

وقد نص المشرع الكويتي على التزام الموظف العام بالحفاظ على سرية الأسرار الوظيفية وكتمانها وعدم إفشائها، وذلك بموجب نص المادة رقم (25/5) من قانون الخدمة المدنية الكويتي رقم 15 لسنة 1979 وتعديلاته، حيث تضمن هذا النص أن “يحظر على الموظف: …….. 5- أن يدلي بأي معلومات عن الأعمال التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو وفقاً لتعليمات خاصة أو ينشر ذلك بأية وسيلة إلا بإذن كتابي من الوزير، ويستمر هذا الحظر حتى بعد انتهاء خدمة الموظف”.

كما جاء النص التجريمي لإفشاء الأسرار الوظيفية أيضاً في قانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993، وذلك بموجب نص المادة رقم (13) منه، والتي نصت على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل موظف عام أو مستخدم أو عامل في إحدى الجهات المشار إليها في المادة الثانية أفشى أي معلومة عن الأعمال التي ينبغي أن تظل سرية بطبيعتها أو وفقاً لتعليمات خاصة إذا كان من شأن الإفشاء بها الإضرار بمصلحة هذه الجهات أو تحقيق مصلحة خاصة لأحد، ويستمر هذا الحظر لمدة خمس سنوات بعد انتهاء خدمة الموظف”، ونلاحظ من نص هذه المادة أن الالتزام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية لا ينتهي بمجرد زوال صفة الموظف العام عن الشخص، بل يظل قائماً لمدة زمنية قدرها خمس سنوات من تاريخ انتهاء خدمته وزوال صفة الموظف العام عنه، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى رغبة المشرع في حماية تلك الأسرار حتى بعد انتهاء علاقة الموظف بوظيفته، لاسيما وأنه إذا أفشى تلك الأسرار بمجرد زوال صفته كموظف عام لن توقع عليه عقوبة من جهة، ومن جهة أخرى سيترتب على هذا الإفشاء ذات التهديدات والمخاطر التي كانت ستتحقق لو أفشى تلك الأسرار أثناء عمله بوظيفته العامة، مما سيجعل حظر إفشاء الأسرار خالياً من مضمونه وفحواه.

وقد يرتكب الموظف العام جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، ومع ذلك لا توقع عليه عقوبة لانتفاء الركن الشرعي للجريمة، كما لو تحقق سبب من أسباب الإباحة التي تبيح للموظف إفشاء تلك الأسرار وعلى سبيل المثال لذلك أن يتم استدعاء الموظف العام أمام المحكمة ليدلي ببعض تلك الأسرار، أو أن يدلي بها بحسن نية كما هو الحال في إدلائه بها لشخص ظناً منه أن هذا الشخص يحق له الاطلاع عليها شريطة وذلك في ظل توافر ظروف تؤيد حسن نية الموظف وأنه قد ابتنى ظنه هذا على أسس وأسباب معقولة.

(3) الركن الثالث: الركن المادي

الركن المادي لأي جريمة يُقصد به النشاط أو السلوك الإجرامي المتمثل في الفعل الذي يقوم الجاني بارتكابه، سواء كان إيجابياً كما هو الحال في القيام بفعل أو كان سلبياً كالامتناع عن القيام بفعل طالما كان القانون يقرر عقوبة لأياً منهما، حيث يمثل الركن المادي الطريق الذي تخرج به الجريمة من كونها فكرة في ذهن الجاني إلى جريمة ملموسة على أرض الواقع تشتمل على كافة ماديات الجريمة التي تميط اللثام عن الإرادة الإجرامية للجاني.

وتتشابه جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية مع سائر الجرائم الأخرى من حيث تكوين الركن المادي الخاص بها، حيث يقوم على ثلاث عناصر رئيسية وهي النشاط أو السلوك الإجرامي، والنتيجة الإجرامية، وعلاقة السببية.

  • العنصر الأول: النشاط أو السلوك الإجرامي: ويعد هذا العنصر من أهم عناصر الركن المادي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، وذلك باعتباره العنصر الرئيسي في ظهور تلك الجريمة من مجرد فكرة إلى تنفيذ على أض الواقع، حيث يتمثل هذا العنصر في ارتكاب الجاني للفعل الذي يمثل جريمة يعاقب عليها القانون.

ويظهر النشاط أو السلوك الإجرامي في جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية في صورة فعل الإفشاء ذاته، والذي من خلاله يقوم الموظف العام وبشكل إرادي بالإفضاء والإدلاء بالأسرار الوظيفية للغير، وذلك بغض النظر عن الوسيلة التي استخدمها في ذلك سواء بالقول أو بالكتابة، وسواء كان ذلك قد تم بشكل مباشر أو غير مباشر، وبغض النظر أيضاً عن عدد من أفضى وأدلى إليهم بتلك الأسرار سواء كان ذلك قد تم لفرد أو لمجموعة أو للكافة، وسواء كان ذلك قد تم بشكل جزئي أو كلي لتلك الأسرار.

وحتى يتحقق فعل الإفشاء بشكل يتحقق معه النشاط أو السلوك الإجرامي للجريمة فإنه يلزم أن يكون هذا الفعل محدداً، أي أن يكون منصباً على معلومة محددة بشكل دقيق ومعينة بشكل كاف لا يقبل اللبس أو الغموض أو التأويل.

ولا يشترط في المعلومة التي يتم إفشائها أن تكون خفية عن الكافة، بل يمكن أن تتحقق صفة السرية في المعلومة حتى وإن كانت معروفة، ولكنها تكون غير مشهورة أو غير مؤكدة للجمهور بشكل فعلي، حيث أن في إفشائها ما يعد تأكيداً لها لم يكن متحققاً قبل ذلك.

وقد يتحقق الإفشاء أيضاً عن طريق استخدام الموظف العام للأسرار الوظيفية لتلك الأسرار لتحقيق مكسب شخصي ومنفعة لنفسه، كما هو الحال في استخدام السر الخاص بشخص ما – طبيعي أو معنوي – والذي وصل إليه بسبب وظيفته للضغط عليه أو ابتزازه للوصول إلى مكاسب ومنافع شخصية له أو لسواه، سواء كانت تلك المنافع مادية أو معنوية.

  • العنصر الثاني: النتيجة الإجرامية

النتيجة الإجرامية في الجريمة بوجه عام تتمثل في الأثر المادي الذي يتركه النشاط أو السلوك الإجرامي على أرض الواقع، وتمثل النتيجة الإجرامية شرطاً أساسياً لتحقق طائفة كبيرة من الجرائم التي يُطلق عليها الفقه القانوني جرائم الضرر، والتي تتمثل في الجرائم التي يستلزم لتحققها ومعاقبة مرتكبها عنها أن يتحقق الضرر ممثلاً في النتيجة الإجرامية.

ويجدر بنا أن ننوه إلى أن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية تعد من جرائم الخطر وليس من جرائم الضرر، بمعنى أنه لا يُعتد فيها بتحقق ضرر فعلي كنتيجة إجرامية للنشاط أو السلوك الإجرامي، بل يُكتفى في هذا الشأن بتحقق النشاط أو السلوك الإجرامي والإفشاء الفعلي للأسرار الوظيفية إلى الغير، وذلك بغض النظر عن تحقق ضرر من عدمه، حيث تعد النتيجة الإجرامية في تلك الجريمة هي تمام عملية الإفشاء دون النظر إلى النتائج التي تترتب وتتحقق فعلياً كنتيجة لها.

  • العنصر الثالث: علاقة السببية

يُقصد بعلاقة السببية الرابطة التي تنعقد بين النشاط أو السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية، بحيث يكون النشاط أو السلوك الإجرامي هو الذي قام بإحداث تلك النتيجة.

وإذا ما طالعنا جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية سنجد أنه ولكي تتحقق علاقة السببية فيها فيجب أن يكون فعل الإفشاء الذي قام به الموظف العام هو السبب في تحقق النتيجة الإجرامية المتمثلة في إفشاء تلك الأسرار واتصال علم الغير بها، فعلى سبيل المثال لو قام الموظف العام بإفشاء سر من أسرار وظيفته لشخص من الغير، وكان هذا الشخص على علم مسبق بذلك السر ومن قبل أن يخبره به الموظف، فإن علاقة السببية في تلك الحالة تنتفي، حيث أن السر لم يتم إفشائه من قبل الموظف ولم يكن هو السبب في علم هذا الشخص بالسر الوظيفي.

(4) الركن الرابع: الركن المعنوي

الركن المعنوي هو ركن أساسي ومؤثر في تحقق أي جريمة، حيث أنه وعلى الرغم من أهمية  الركن المادي في الجريمة باعتباره هو الركن الذي يمثل منفذ خروج الجريمة من ذهن الجاني وتحققها على أرض الواقع، إلا أن معاصرة الركن المعنوي له هو أمر لازم لاكتمال تحقق الجريمة ونسبتها إلى الجاني.

والركن المعنوي للجريمة يُطلق عليه القصد الجنائي، ويمكننا تعريفه بأنه العلم والإدراك اللذان يتحققا لدى الجاني بشأن كافة جوانب الجريمة وأركانها، واتجاه إرادته الحرة إلى تحقيق هذه الجوانب والأركان.

وتعد جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية من جرائم العمد أي التي يتطلب فيها القانون توافر الركن المعنوي، حيث يلزم لتحقق تلك الجريمة أن يتحقق القصد الجنائي لدى الجاني، ويجب أن نوضح في هذا المقام أن القصد الجنائي نوعين، النوع الأول هو القصد الجنائي العام، والنوع الثاني هو القصد الجنائي الخاص، وسوف نذكر تعريف كلاً منهما حتى يمكننا تحديد أياً منهما الذي يلزم توافره في الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، وذلك على النحو الآتي بيانه:

  • القصد الجنائي العام: يُقصد به اتجاه الإرادة الحرة للجاني إلى ارتكاب النشاط أو السلوك الإجرامي، مع علمه وإدراكه بالعناصر التي تتكون منها الجريمة، وأن ما يقوم به من نشاط أو سلوك يمثل جريمة يعاقب عليها القانون، فالعبرة في القصد الجنائي العام هو تعمد الجاني لارتكاب الفعل المكون للركن المادي للجريمة عن علم وإرادة.
  • القصد الجنائي الخاص: يختلف عن القصد الجنائي العام لكونه يتمثل في اتجاه نية وإرادة الجاني ليس لتحقيق الركن المادي للجريمة فقط، ولكن لتحقيق نتيجة قانونية أو غاية إجرامية محددة، أي أن المناط في القصد الجنائي الخاص هو سعي الجاني لتحقيق غرض خاص من وراء جريمته.

ومن خلال تعريف القصد الجنائي العام والقصد الجنائي الخاص يمكننا أن نؤكد أن القصد الجنائي العام هو القصد الجنائي اللازم توافره لدى الموظف العام ليتحقق الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، لاسيما وأن العبرة في تلك الجريمة بوقوع فعل الإفشاء دون النظر إلى الهدف منه أو الغرض المراد تحقيقه أو تحقق النتيجة الإجرامية، وحتى يتحقق هذا القصد فيلزم أن يتحقق عنصريه الرئيسيين وهما العلم والإرادة.

والعلم كعنصر من عنصري القصد الجنائي يُقصد به أن يكون الجاني على علم وإدراك عند قيامه بفعله أنه فعل يمثل نشاط أو سلوك إجرامي يعاقب القانون مرتكبه، وفي القصد الجنائي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية يتحقق عنصر العلم متى كان الموظف عالماً ومدركاً لكون المعلومة التي يفشيها تمثل سراً من أسرار وظيفته التي يحظر عليه القانون أن يفشيه وأنه ليس مصرحاً له بأن يفشيه، وعلى الرغم من ذلك يقوم بإفشائه.

أما عنصر الإرادة فيُقصد به اتجاه الإرادة الحرة للجاني إلى ارتكاب الفعل الذي يعلم بأنه يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، وأن تكون تلك الإرادة غير خاضعة لأي عيب من العيوب التي قد تعيبها كالإكراه أو التهديد، وفي القصد الجنائي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية يتحقق عنصر الإرادة في حالة أن تتجه الإرادة الحرة للموظف العام إلى إفشاء الأسرار الوظيفية التي يعلم أنه بإفشائها سيكون مرتكباً لجريمة يعاقب عليها القانون.

خامساً: المسؤولية التأديبية عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية

عند ارتكاب الموظف العام لأي فعل يمثل مخالفة للالتزامات والواجبات التي تفرضها عليه وظيفته العامة، فإن ذلك الفعل يضعه تحت طائلة المساءلة التأديبية، لاسيما وأنه يشغل موقعاً يجعله مطلعاً على أسراراً وظيفية متعددة، وهو ما يضع على عاتقه مسؤولية الحفاظ على تلك الأسرار وكتمانها.

ومن المتعارف عليه أن المخالفات التأديبية تختلف في طبيعتها عن الجرائم الجنائية، خاصة وأن الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية في شأن تحديد ما إذا كان الفعل الذي ارتكبه الموظف العام يمثل مخالفة تأديبية من عدمه، حتى وإن خلا القانون من نص يقرر ذلك، في حين أن الجرائم الجنائية مقيدة بمبدأ الشرعية والذي ينص على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، وهو ما نخلص معه إلى أن مبدأ شرعية الجريمة وإن كان لا يسري على المخالفات التأديبية التي تخضع للقانون الإداري، إلا أن شرعية العقوبة تظل قائمة بحيث لا يجوز أن توقع عقوبة على الموظف إلا في إطار العقوبات التي أوردها المشرع على سبيل الحصر[6].

وبناء على ما سبق وبالرجوع إلى قانون الخدمة المدنية الكويتي يتبين لنا أن المشرع الكويتي لم يضع تعريفاً محدداً للمخالفة التأديبية، ولكنه سلك مسلكاً آخر في هذا الشأن، حيث نص في المادة رقم (27) من قانون الخدمة المدنية على أنه “كل موظف يخل بالواجبات أو يخالف المحظورات المنصوص عليها بالقوانين أو اللوائح يُعاقب تأديبياً، وذلك مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجزائية أو المدنية عند الاقتضاء، ويعفى الموظف من العقوبة التأديبية إذا ثبت أن ارتكابه المخالفة كان تنفيذاً لأمر كتابي صدر إليه من رئيسه بالرغم من تنبيهه إلى المخالفة، وفي هذه الحالة تكون المسؤولية على مُصدر الأمر، ولا يُسأل الموظف مدنياً إلا عن خطئه الشخصي”، وقد أحسن المشرع الكويتي في عدم وضع تعريف للمخالفة التأديبية، حيث أن تلك المخالفات التي يمكن أن يرتكبها الموظف العام تتعدد وتختلف بشكل يصعب معه حصرها في شكل تعريف جامد، مع ملاحظة أن نص المادة آنفة البيان قد قرر أن المسؤولية التأديبية للموظف العام عن المخالفة التأديبية تنهض جنبا إلى جنب مع المسؤولية الجنائية.

وقد تصدت محكمة التمييز الكويتية بالتعريف للمخالفات التأديبية في أحكامها، حيث عرفتها بأنها “إخلال الموظف بواجبات وظيفته إيجاباً أو سلباً أو إتيانه عملاً من أعمال المحرمة عليه، فكل موظف يخالف الواجبات المنصوص عليها قانوناً، أو يسلك سلوكاً معيناً ينطوي على الخروج على مقتضيات الوظيفة أو الإخلال بكرامتها، أو لا يستقيم مع ما تفرضه عليه الوظيفة من استقامة وبُعد عن مواطن الريب، إنما يرتكب ذنباً إدارياً يستوجب تأديبه بجزاء”[7].

ووفقاً لما سبق ذكره آنفاً فإن إفشاء الموظف العام للأسرار الوظيفية يعد مخالفة وخطأ وظيفي يستوجب مساءلته تأديبياً، لاسيما وأن إفشائها يمثل إخلالاً صارخاً بالتزامات وواجبات وظيفته التي تحتم عليه كتمانها والحفاظ عليها، وهذه المخالفة تستلزم أن يتم توقيع جزاء تأديبي مناسب على الموظف.

وتختص السلطة التأديبية صاحبة الاختصاص بتوقيع العقوبة التأديبية المناسبة على هذا الموظف متى ثبتت المخالفة في حقه، مع ملاحظة أن تلك العقوبة تخضع في توقيعها لرقابة الفضاء الإداري، والذي يتولى مهمة الرقابة على مدى مشروعية العقوبة وتناسبها مع المخالفة التي تم ارتكابها، حيث تختلف جسامة مخالفة إفشاء الأسرار الوظيفية باختلاف درجة سرية تلك الأسرار التي قام الموظف بإفشائها، وأيضاً تختلف تبعاً لما إذا كان قد ترتب على إفشائها ضرراً فعلياً للدولة أو لجهة الإدارة من عدمه ومدى جسامة هذا الضرر حال تحققه، وغيرها من الظروف الأخرى التي تحيط بالمخالفة، والتي تختلف من مخالفة تأديبية إلى أخرى، وفي العموم يلزم أن تكون العقوبة التأديبية الموفعة على الموظف العام هي عقوبة منصوص عليها في القانون.

وعلى الرغم من اختلاف المخالفة التأديبية عن الجريمة الجنائية، إلا أنهما يتفقان في ضرورة تحقق الركن المادي والمعنوي في كلاً منهما، حيث أن المسؤولية التأديبية واستحقاق العقوبة لا يتحقق في حق الموظف العام إلا بتوافر الركنين المادي والمعنوي لتلك المخالفة، لاسيما وأن تحقق هذين الركنين يمثل ضمانة للموظف العام في مواجهة الإدارة، حيث تكفل له عدم معاقبته عن مخالفة لم يقم بارتكابها ولم تثبت أركانها في حقه.

سادساً: المسؤولية الجنائية عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية

سبق وأن أشرنا سلفاً أن العقوبة التأديبية تسير جنباً إلى جنب مع العقوبة التأديبية، ولا يحول توقيع عقوبة تأديبية على الموظف العام نظير ارتكابه لمخالفة وظيفية أن يتم محاكمته جنائياً وتوقيع عقوبة جنائية عليه نظير ذات المخالفة متى اقتضى الأمر ذلك، ويمكننا أن نعزي ذلك إلى أن النظام التأديبي للموظف العام يعد نظاماً قائماً بذاته ويستقل عن سائر الأنظمة العقابية الأخرى، والتي من ضمنها نظام العقوبات الجنائية والذي يتشكل من عدة قوانين أهمها قانون الجزاء.

ونظراً للطبيعة الخاصة التي تتسم بها الجرائم المتعلقة بالوظيفة العامة، فإن المشرع الكويتي قد حرص عند تحديده للعقوبات الخاصة بتلك الطائفة من الجرائم أن تكون عقوبات متناسبة مع تلك الطبيعة، حيث نجد أن المشرع قد قرر عقوبات أصلية يهدف منها معاقبة الموظف العام على جريمته، بجانب عقوبات تبعية يستهدف منها الحفاظ على الوظيفة العامة وحمايتها، ومن تلك العقوبات التبعية عقوبة العزل من الوظيفة العامة، لاسيما وأنه بعد صدور جريمة تمس بنزاهة الموظف العام أو تنال من موثوقيته أو بقدرته على صون أسرار وظيفته، فإن استمراره في شغل تلك الوظيفة يعد أمراً يتنافى مع العقل والمنطق[8].

والمسؤولية الجنائية في جوهرها تمثل الالتزام الواقع على عاتق الشخص بتحمله التبعات والنتائج القانونية التي تترتب على ارتكابه لفعل تتوافر به أركان الجريمة، وهو ما تخلص معه إلى أن المسؤولية الجنائية لا تمثل ركناً من الأركان المشكلة للجريمةـ بل هي عنصر منفصل ومستقل وقائم بذاته يتم بحث تحققه من عدمه بعد تمام اكتمال وتحقق سائر أركان الجريمة، حيث أن مساءلة الجاني تتم بعد ارتكابه لجريمته وليس قبل ارتكابه لها.

وحتى يمكن مساءلة الموظف العام جنائياً عن ارتكابه لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، فإنه يلزم بداية أن تقوم أركان تلك الجريمة في حقه، حيث يلزم أن تتحقق فيه صفة الموظف العام، كما يجب أن يتحقق الركن المادي المتمثل في ماديات الجريمة، وأن يتحقق لديه القصد الجنائي العام بعنصرية العلم والإرادة، وذلك جميعه في ظل قيام الركن الشرعي المتمثل في نص التجريم المذكور آنفاً، حيث جاء النص التجريمي لإفشاء الأسرار الوظيفية في قانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993، وذلك بموجب نص المادة رقم (13) منه والسابق ذكر مضمونها تفصيلاً، والذي حظر على الموظف العام إفشاء أسرار وظيفته، وحمله المسؤولية الجنائية عن ذلك متى وقعت منه مخالفة لالتزامه الذي يفرضه عليه، وقرر له عقوبة الحبس التي لا تتجاوز مدتها الثلاث سنوات.

ونود أن نشير إلى أن هناك علاقة ارتباط وثيقة بين قيام الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية وبين المسؤولية الجنائية لمرتكبها، حيث أن تحقق القصد الجنائي بعنصريه العلم (الإدراك) والإرادة يجعل الموظف أهلاً لتحمل المسؤولية الجنائية عن تلك الجريمة، لقيام مانع من موانع المسؤولية في حقه، لاسيما وأنه في حالة انتفاء أحد هذين العنصرين فإن الموظف يعد غير كامل الأهلية، وبالتالي لا تقع عليه ثمة مسؤولية جنائية عن هذا الفعل، وذلك استناداً إلى نص المادة رقم (22) من قانون الجزاء الكويتي رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، والتي تضمنت أنه “لا يُسأل جزائياً من يكون وقت ارتكابه الفعل عاجزاً عن إدراك طبيعته أو صفته غير المشروعة أو عاجزاً عن توجيه إرادته بسبب مرض عقلي أو نقص في نموه الذهني أو أية حالة عقلية أخرى غير طبيعية“، وأيضاً ما نصت عليه المادة رقم (23) من ذات القانون من أنه “لا يُسأل جزائياً من يكون وقت ارتكاب الفعل عاجزاً عن إدراك طبيعته أو صفته غير المشروعة أو عاجزاً عن توجيه إرادته لتناوله مواد مسكرة أو مخدرة إذا تناول هذه المواد قهراً عنه أو على غير علم منه بها ….”، وأيضاً نص المادة رقم (24) من القانون ذاته والتي قررت أنه “لا يُسأل جزائياً من يكون وقت ارتكاب الفعل فاقداً حرية الاختيار لوقوعه بغير اختياره تحت تأثير التهديد بإنزال أذى جسيم حال يصيب النفس أو المال“.

وهذه النصوص القانونية آنفة الذكر في مجملها تؤكد أن عنصر العلم والإرادة اللذان يقوم عليهما الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية هما في ذات الوقت عنصرين رئيسيين في تحقق المسؤولية الجنائية عن تلك الجريمة، وبانتفاء أحدهما ينتفي الركن المعنوي للجريمة وبدورها تنتفي المسؤولية الجزائية عن الموظف العام، فعلى سبيل المثال لو تم إكراه الموظف من قبل الغير على إفشاء السر الوظيفي، وكان التهديد بقتله أو قتل شخص عزيز عليه كزوجه أو أبنائه، فإن إفشائه للسر الوظيفي تحت هذا التهديد يُفقده عنصر الإرادة، وبالتالي ينتفي الركن المعنوي في حقه وأيضاً المسؤولية الجنائية عن فعل الإفشاء.

وجدير بالذكر أنه في حال قيام سبب من أسباب الإباحة عند ارتكاب الموظف العام لفعل إفشاء الأسرار الوظيفية فإن المسؤولية الجنائية تنتفي أيضاً في حقه، وهذا ما أكده نص المادة رقم (26) من قانون الجزاء الكويتي، والتي قررت أنه “لا يعد الفعل جريمة عند قيام سبب من أسباب الإباحة”، حيث أنه وفقاً لهذا النص في حالة قيام سبب من أسباب الإباحة ينحسر وصف الجريمة عن الفعل على سبيل الاستثناء، وبالتالي لا يكون هناك مجالاً للحديث عن تحقق المسؤولية الجنائية من عدمه لكونها تنتفي بانتفاء وصف الجريمة عن الفعل.

وقد حدد قانون الجزاء الكويتي في مادته رقم (27) الأسباب التي متى تحقق أياً منها تتحقق معه حالة الإباحة، وتتمثل هذه الأسباب في:

  • استعمال الحق.
  • الدفاع الشرعي.
  • استعمال الموظف العام سلطته أو تنفيذه لأمر تجب طاعته.
  • رضاء المجني عليه.

ومن الأسباب التي يمكن معها تصور قيام حالة من حالات الإباحة التي تنتفي معها المسؤولية الجنائية عن الموظف العام في جرائم إفشاء الأسرار الوظيفية هو سبب استعمال الموظف العام سلطته أو تنفيذه لأمر تجب عليه طاعته، وعلى سبيل المثال لذلك الحالة التي يتم توجيه الأمر للموظف العام من قبل رئيسه أو من يعلوه في المرتبة الوظيفية، ويكون هذا الأمر متضمناً إفشاء سر من أسرار الوظيفة، فعندئذ يكون على الموظف العام طاعة تلك الأوامر التي يُلزمه القانون بطاعتها وتنفيذها، شريطة أن يقوم الموظف العام بلفت انتباه مصدر هذا الأمر بأن تلك المعلومات سرية وتمثل سر من أسرار الوظيفة التي يجب كتمانها وعدم إفشائها، فالموظف عندئذ يكون قد ألقى بكامل المسؤولية – تأديبية كانت أو جنائية – على عاتق رئيسه، وإن ظل الأخير بعد ذلك مصراً على أمره بإفشاء تلك الأسرار، فإن الموظف يكون في حل من أي مسؤولية عن ذلك الفعل، ويكون مبرر الإباحة في تلك الحالة هو تنفيذ الموظف لأمر من رئيسه تجب عليه طاعته.

وتؤكد في ختام حديثنا عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية أن الموظف العام يظل ملتزماً بعدم إفشاء أسرار الوظيفة حتى بعد زوال صفة الموظف العام عنه، وذلك لمدة خمس سنوات من تاريخ تركه للوظيفة، وفقاً لقانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993 في مادته رقم (13)، وإن خالف هذا الالتزام فإنه يقع تحت طائلة العقاب عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، ولا يعد في ذلك ثمة مخالفة للشرط المفترض في الجريمة، حيث أن هذا النص القانوني آنف الذكر قد منح الموظف العام خلال الخمس سنوات المذكورة صفة افتراضية، تجعله ملتزماً بالحفاظ على الأسرار التي اطلع عليها بحكم وظيفته، حتى وإن كانت تلك الصفة قدديبي زالت عنه فعليا بعد تركه للوظيفة، إلا أنها تظل قائمة بشكل افتراضي وفي نطاق الالتزام بالحفاظ على أسرارها فقط.

 

في ختام هذه الدراسة حول مسؤولية الموظف تجاه الأسرار الوظيفية على الصعيدين التأديبي والجنائي، وبناءً على ما تم عرضه وتحليله من نصوص قانونية وآراء فقهية وأحكام قضائية، يمكننا الخروج بعدة خلاصات جوهرية تؤكد أهمية هذا الموضوع وتعقيد أبعاده القانونية، وتبين حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الموظف العام في الحفاظ على أسرار وظيفته.

لقد تبين لنا من خلال هذه الدراسة أن التزام الموظف العام بكتمان الأسرار الوظيفية لا يعد مجرد واجب أخلاقي أو تنظيمي هامشي، بل هو التزام قانوني جوهري يرتبط ارتباطاً وثيقاً بجوهر الوظيفة العامة وطبيعتها، حيث أن الموظف العام يكون على اطلاع بأسرار المؤسسات العامة التي تمس بالأمن القومي، وتكون النتيجة المباشرة لإفشائها تعريض الأمن العام للدولة للخطر. وقد أدرك المشرع الكويتي هذه الحقيقة، فأقر نصوصاً قانونية متعددة تجرم إفشاء الأسرار الوظيفية وتقرر عقوبات تأديبية وجنائية لمرتكبيها، سواء في قانون الخدمة المدنية أو قانون الجزاء أو قانون حماية الأموال العامة، وأحسن المشرع في عدم حصر مفهوم الأسرار الوظيفية في تعريف جامد، تاركاً للفقه والقضاء مهمة تحديد مضمونها في ضوء تطور الظروف والأحوال.

كما أبرزت الدراسة الأهمية البالغة للشروط التي تتوافر في المعلومات والبيانات حتى تكتسب صفة السر الوظيفي، وهي شرط السرية الذي يتحقق إما بأن تكون السرية لصيقة بطبيعة المعلومات أو مقررة بموجب نص قانوني، وشرط عدم اتصالها بعلم الكافة، وشرط اطلاع الموظف العام عليها أثناء أو بسبب أداء مهام وظيفته، وتكمن أهمية هذه الشروط في أنها تحدد بدقة نطاق الأسرار الوظيفية، وتمنع التوسع في تفسيرها بشكل قد يقيد حرية الموظف أو يعرضه للمساءلة غير المستحقة.

وقد اتضحت لنا من خلال التحليل أن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية تقوم على أربعة أركان رئيسية: الركن المفترض الذي يتمثل في توافر صفة الموظف العام في الجاني، والركن الشرعي المتمثل في وجود نص قانوني يجرم الفعل ويقرر عقوبته، والركن المادي الذي يتمثل في فعل الإفشاء ذاته، والركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة. ويؤكد هذا التعدد في الأركان على حرص المشرع على توفير الضمانات اللازمة للموظف العام، بحيث لا تقوم الجريمة في حقه إلا بتوافر كافة هذه الأركان، وحال انتفاء أي منها تنتفي الجريمة وتزول المسؤولية.

كما تم التمييز بوضوح بين المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية للموظف العام عن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، حيث تبين أن النظامين التأديبي والجنائي نظامان مستقلان، يسيران جنباً إلى جنب، ولا يحول توقيع عقوبة تأديبية على الموظف دون محاكمته جنائياً عن ذات الفعل متى توافرت أركان الجريمة، كما أن السلطة التأديبية تتمتع بسلطة تقديرية أوسع في تحديد المخالفة التأديبية وتوقيع العقوبة المناسبة، في حين أن النظام الجنائي مقيد بمبدأ الشرعية الجنائية الذي يحظر توقيع عقوبة إلا بنص قانوني، مع اتفاق النظامين في ضرورة توافر الركنين المادي والمعنوي للمخالفة أو الجريمة.

وبخصوص الركن المعنوي، فقد تأكد لنا أن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية تعد من جرائم العمد التي يتطلب فيها القانون توافر القصد الجنائي العام، حيث لا يشترط لقيامها تحقيق غرض أو دافع خاص من وراء الإفشاء، بل يكفي أن يتجه الموظف بإرادته الحرة إلى إفشاء سر وظيفته وهو عالم ومدرك بأنه يقدم على فعل محظور يعاقب عليه القانون، وأن انتفاء العلم أو الإرادة يحول دون قيام الجريمة وتتحقق معه حالات الإباحة التي تنتفي معها المسؤولية، وعلى سبيل المثال: الإكراه والتهديد، أو تنفيذ الموظف لأمر كتابي من رئيسه مع تنبيهه إلى المخالفة، أو الإدلاء بالسر أمام المحكمة بناءً على استدعائها.

ومن اللافت للنظر أن التزام الموظف العام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية لا ينتهي بمجرد زوال صفة الموظف العام عنه، بل يمتد لمدة خمس سنوات بعد انتهاء خدمته، وفقاً لما نصت عليه المادة (13) من قانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993، حيث يظل الموظف محاسباً جنائياً إذا أقدم على إفشاء الأسرار التي اطلع عليها خلال مدة عمله، وهو ما يعكس حرص المشرع على حماية الأسرار الوظيفية حتى بعد انتهاء العلاقة الوظيفية، نظراً لما تمثله هذه الأسرار من أهمية استمرارية تتجاوز فترة شغل الموظف للوظيفة، فلا ينبغي أن يتحول انتهاء الخدمة إلى مبرر للتخلي عن هذا الالتزام الجوهري.

وفي ختام هذه الدراسة، نؤكد أن الحفاظ على الأسرار الوظيفية ليس مجرد التزام قانوني يخضع للمساءلة والعقاب، بل هو قيمة أخلاقية ووطنية راسخة ينبغي أن يتحلى بها كل موظف عام، تعبيراً عن إخلاصه لوطنه ومؤسساته، وحفاظاً على ثقة المجتمع في الدولة وممثليها. فإن إفشاء الأسرار الوظيفية لا يضر بالدولة ومؤسساتها فحسب، بل يهز الثقة في منظومة العمل الإداري برمتها، ويخلق حالة من التوجس والريبة بين المواطن والدولة، الأمر الذي ينعكس سلباً على العلاقة بينهما ويحد من قدرة الدولة على أداء رسالتها في تحقيق الرفاهية والاستقرار للمجتمع.

 

النتائج

بعد إتمام هذه الدراسة وتحليل مختلف جوانب مسؤولية الموظف تجاه الأسرار الوظيفية على الصعيدين التأديبي والجنائي، توصلنا إلى مجموعة من النتائج يمكن إجمالها على النحو التالي:

  1. تعدد تعريفات الأسرار الوظيفية: تبين أن مفهوم الأسرار الوظيفية لا يخضع لتعريف جامد وثابت، بل يختلف تبعاً للظروف المحيطة والعصور المتعاقبة، ولذلك فقد تجنب المشرع الكويتي وضع تعريف محدد لها، وترك مهمة تعريفها للفقه القانوني والقضاء، وهو ما يتسق مع الطبيعة المتطورة لهذا المفهوم، كما أن هناك ثلاثة اتجاهات فقهية رئيسية في تعريف الأسرار الوظيفية: اتجاه يعرفها بأنها ما يتصل بالمعلومات والقرارات والإجراءات التي تُكشف للموظف أثناء مباشرته لمهام وظيفته، واتجاه يعرفها بأنها الواقعة التي ينحصر العلم بها في عدد محدود من الأشخاص، واتجاه ثالث يعرفها بأنها المعلومات التي اطلع عليها الموظف بسبب وظيفته والتي تكون سرية بطبيعتها أو بموجب نص قانوني.
  2. اشتراط ثلاثة شروط لتحقق السر الوظيفي: أكدت الدراسة أن المعلومات أو البيانات أو القرارات التي يطلع عليها الموظف العام لا تعد جميعها أسراراً وظيفية، بل يتطلب لتحقق وصف السر الوظيفي توافر ثلاثة شروط: الأول: شرط السرية الذي يتحقق إما بطبيعة المعلومات أو بموجب نص قانوني، والثاني: شرط عدم اتصالها بعلم الكافة، والثالث: شرط اطلاع الموظف العام عليها أثناء أو بسبب أداء مهام وظيفته، وأن انتفاء أي من هذه الشروط ينفي صفة السر الوظيفي عن المعلومة.
  3. تعدد الأسس والمبررات لالتزام الموظف بكتمان الأسرار: تتمثل أهم هذه الأسس والمبررات في تحقيق المصلحة العامة، وتحقيق مصلحة الأفراد من خلال حماية حياتهم الخاصة، والطبيعة الخاصة للوظيفة العامة التي تجعل الموظف مؤتمناً على أسرار الدولة، وعلاقة الثقة التي تقوم عليها العلاقة بين الموظف والدولة، حيث أن إفشاء الأسرار يفقد المجتمع الثقة في الدولة ومؤسساتها وممثليها.
  4. قيام جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية على أربعة أركان: هي الركن المفترض (صفة الموظف العام)، والركن الشرعي (نص التجريم)، والركن المادي (فعل الإفشاء)، والركن المعنوي (القصد الجنائي بعنصريه العلم والإرادة)، وأن انتفاء أي من هذه الأركان ينهار معه قيام الجريمة في حق الموظف، كما أن مفهوم الموظف العام في القانون الجنائي أوسع وأشمل منه في القانون الإداري، حيث يشمل كل من يشترك في أداء مهام السلطات العامة بغض النظر عن الشروط الإدارية.
  5. جريمة الخطر وليست جريمة ضرر: تبين أن جريمة إفشاء الأسرار الوظيفية تعد من جرائم الخطر وليست من جرائم الضرر، بمعنى أنها تتحقق بمجرد قيام فعل الإفشاء، دون حاجة لتحقق ضرر فعلي كنتيجة لهذا الإفشاء، فالعبرة بوقوع الإفشاء بغض النظر عن ترتب أضرار مادية أو معنوية عليه.
  6. استقلال النظامين التأديبي والجنائي: أثبتت الدراسة أن المسؤولية التأديبية والمسؤولية الجنائية نظامان مستقلان، فلا يحول توقيع عقوبة تأديبية على الموظف نظير ارتكابه لمخالفة وظيفية دون محاكمته جنائياً عن ذات الفعل متى توافرت أركان الجريمة، كما أن السلطة التأديبية تتمتع بسلطة تقديرية في تحديد المخالفة التأديبية والعقوبة المناسبة، في حين أن النظام الجنائي مقيد بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.
  7. استمرار الالتزام بالكتمان بعد انتهاء الخدمة: أكدت الدراسة أن التزام الموظف العام بعدم إفشاء الأسرار الوظيفية لا ينتهي بمجرد زوال صفة الموظف العام عنه، بل يستمر لمدة خمس سنوات بعد انتهاء خدمته، وذلك وفقاً لنص المادة (13) من قانون حماية الأموال العامة رقم 1 لسنة 1993، حيث يظل الموظف محاسباً جنائياً إذا قام بإفشاء الأسرار التي اطلع عليها خلال مدة عمله خلال هذه الفترة، وهو ما يمنح الموظف صفة افتراضية خلال هذه المدة في نطاق الالتزام بالحفاظ على الأسرار فقط.
  8. تقيد الركن المعنوي بالعلم والإرادة: تبين أن الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية يقوم على عنصرين رئيسيين هما العلم (إدراك الموظف بأن المعلومة تمثل سراً وظيفياً يحظر إفشائه) والإرادة (اتجاه الإرادة الحرة للموظف إلى فعل الإفشاء)، وأن انتفاء أي من هذين العنصرين يحول دون تحقق الجريمة وتنتفي المسؤولية الجنائية، كما أن للقصد الجنائي الخاص دوراً مؤثراً في تحديد شدة العقوبة وفقاً للغرض الذي سعى الموظف لتحقيقه من وراء الإفشاء.
  9. حالات الإباحة كاستثناء على الحظر العام: بينت الدراسة أن هناك حالات استثنائية يجيز ويبيح فيها القانون للموظف العام الإدلاء بأسرار وظيفية، وتتمثل هذه الحالات في استعمال الحق، والدفاع الشرعي، واستعمال الموظف العام سلطته أو تنفيذه لأمر تجب طاعته (شريطة تنبيه الرئيس إلى أن الأمر يتعلق بسر وظيفي)، ورضاء المجني عليه، وأن قيام أي من هذه الأسباب يحول دون اعتبار الفعل جريمة وتنتفي المسؤولية الجنائية.
  10. العلاقة الوثيقة بين الركن المعنوي والمسؤولية الجنائية: خلصت الدراسة إلى أن عنصري العلم والإرادة اللذين يقوم عليهما الركن المعنوي لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية هما في ذات الوقت عنصرين رئيسيين في تحقق المسؤولية الجنائية، حيث أن الموظف لا يكون أهلاً للمساءلة الجنائية إلا إذا كان مدركاً لطبيعة فعله وغير المشروعية المترتبة عليه، وقادراً على توجيه إرادته بحرية، وهذا ما أكدته نصوص المواد (22 و23 و24) من قانون الجزاء الكويتي، التي تعفي الموظف من المسؤولية الجنائية في حالات المرض العقلي أو نقص النمو الذهني أو الإكراه والتهديد بإنزال أذى جسيم.

 

التوصيات

بناءً على ما توصلت إليه هذه الدراسة من نتائج وما تم تحليله من نصوص قانونية وآراء فقهية، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي من شأنها تعزيز الحماية القانونية للأسرار الوظيفية، وتطوير آليات المساءلة التأديبية والجنائية، ونشر الوعي بأهمية هذا الالتزام بين الموظفين العامين، وذلك على النحو التالي:

أولاً: التوصيات التشريعية:

  1. تطوير النصوص القانونية المنظمة للأسرار الوظيفية: يوصى بإعادة النظر في النصوص القانونية المنظمة لالتزام الموظف العام بكتمان الأسرار الوظيفية، والعمل على تطويرها لتواكب التطور التكنولوجي المتسارع ووسائل التواصل الحديثة، حيث أصبح إفشاء الأسرار لا يقتصر على الوسائل التقليدية كالقول أو الكتابة، بل يمتد ليشمل وسائل الاتصال الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي ووسائل التواصل المشفرة، مما يستدعي إضافة نصوص جديدة تغطي هذه الوسائل وتجرم استخدامها في إفشاء الأسرار الوظيفية، مع وضع آليات للرقابة على هذه الوسائل بما لا يتعارض مع الحريات الشخصية.
  2. تحديد تعريف قانوني للأسرار الوظيفية: على الرغم من أن المشرع الكويتي قد أحسن في عدم وضع تعريف جامد للأسرار الوظيفية، إلا أنه يوصى بأن يتضمن القانون تعريفاً إرشادياً يسترشد به القضاء والفقه في تحديد ماهية الأسرار الوظيفية، مع ترك المجال للقضاء لتحديد المفهوم بدقة في ضوء ظروف كل واقعة، وذلك على غرار ما فعلته بعض التشريعات المقارنة التي وضعت تعريفات مرنة للأسرار الوظيفية تترك للقاضي سلطة التقدير في تحديد انطباقها على الوقائع المعروضة عليه، مما يسهم في تحقيق التوازن بين حماية الأسرار وضمان حقوق الموظفين.
  3. تدقيق نطاق صفة الموظف العام: يوصى بإعادة النظر في نطاق صفة الموظف العام كما وردت في قانون الجزاء الكويتي، وخاصة في ظل التوسع في مفهوم الوظيفة العامة وظهور أشكال جديدة من العقود والشراكات بين القطاعين العام والخاص، حيث قد يصبح بعض العاملين في هذه العقود مطلعين على أسرار وظيفية حساسة دون أن تخضع لهم ذات الأحكام المنطبقة على الموظفين العموميين، مما يستدعي توسيع نطاق صفة الموظف العام لتشمل كل من يطلع على أسرار وظيفية بحكم عمله أو تعاقده مع الجهات الحكومية، بغض النظر عن طبيعة علاقته الوظيفية أو التعاقدية.
  4. مراجعة العقوبات المقررة: يوصى بإجراء دراسة متعمقة حول مدى كفاية العقوبات المقررة قانوناً لجريمة إفشاء الأسرار الوظيفية، ومدى تناسبها مع خطورة هذه الجريمة وآثارها على الأمن القومي والمصلحة العامة، مع إمكانية اقتراح تشديد العقوبات في حالات معينة، مثل إفشاء الأسرار المتعلقة بالأمن القومي أو الأسرار التي تؤدي إلى الإضرار بالاقتصاد الوطني، أو إفشاء الأسرار بقصد تحقيق مكاسب شخصية أو للإضرار بالغير، مع مراعاة التمييز بين درجات الخطورة المختلفة للأسرار التي يتم إفشاؤها.
  5. إدراج التزام الكتمان في العقود الوظيفية: يوصى بأن تتضمن عقود العمل والتعيينات الوظيفية نصوصاً واضحة تلزم الموظف العام بالحفاظ على الأسرار الوظيفية، وتحدد المسؤوليات والالتزامات المترتبة على ذلك، وكذلك العقوبات المترتبة على المخالفة، مع توقيع الموظف على إقرار كتابي يفيد علمه بهذه الالتزامات وتعهده بها، مما يعزز الجانب الوقائي ويسهل إثبات المسؤولية في حالة المخالفة، ويجعل الموظف أكثر وعياً بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقه منذ اللحظة الأولى لتوليه الوظيفة.

ثانياً: التوصيات الإدارية والتنظيمية:

  1. نشر الوعي والتثقيف: يوصى بتكثيف برامج التوعية والتدريب للموظفين العامين حول أهمية الحفاظ على الأسرار الوظيفية، والعواقب القانونية المترتبة على إفشائها، وذلك من خلال تنظيم دورات تدريبية إلزامية للموظفين الجدد والحاليين، وإعداد أدلة إرشادية تتضمن الإجراءات الواجب اتباعها للحفاظ على الأسرار، وحالات الإباحة التي يجوز فيها الإفصاح عنها، والجهات التي يمكن اللجوء إليها في حالة وجود استفسار أو شك حول طبيعة المعلومة وما إذا كانت تدخل في نطاق الأسرار الوظيفية.
  2. تطوير آليات الحماية: يوصى بوضع سياسات وإجراءات تنظيمية واضحة تضمن حماية الأسرار الوظيفية، وتحدد مستويات السرية للمعلومات والبيانات المختلفة، ووسائل حفظها وتداولها، والأشخاص المصرح لهم بالاطلاع عليها، وذلك بما يتناسب مع طبيعة كل جهة عمل وحساسية المعلومات المتداولة فيها، ويشمل ذلك تطبيق أنظمة أمن المعلومات وتقييد الصلاحيات الإلكترونية وتوثيق عمليات الاطلاع على المعلومات السرية.
  3. تفعيل آليات الرقابة: يوصى بتفعيل دور الجهات الرقابية الداخلية في المؤسسات الحكومية لمتابعة التزام الموظفين بأحكام كتمان الأسرار الوظيفية، وإنشاء وحدات متخصصة داخل هذه الجهات لتلقي البلاغات والشكاوى المتعلقة بإفشاء الأسرار، والتحقيق فيها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حالة ثبوت المخالفة، مع ضمان سرية هذه البلاغات وحماية المبلغين بحسن نية من أي مساءلة أو تعسف.
  4. تحديد حالات الإباحة بشكل دقيق: يوصى بإصدار تعليمات إدارية واضحة تحدد حالات الإباحة التي يجوز فيها للموظف العام الإفصاح عن الأسرار الوظيفية، والإجراءات الواجب اتباعها في هذه الحالات، وخاصة في حالة تنفيذ الموظف لأمر من رئيسه بتقديم معلومات سرية، حيث يجب أن ينبه الموظف رئيسه كتابة إلى أن هذه المعلومات تمثل سراً وظيفياً، وأن يحرر محضراً بذلك، ليكون في حل من المسؤولية إذا أصر الرئيس على الأمر، كما يجب أن تبين التعليمات كيفية التعامل مع طلبات الجهات القضائية أو الرقابية للحصول على معلومات سرية، والضوابط الواجب اتباعها في هذا الشأن.

ثالثاً : التوصيات الأكاديمية والبحثية:

  1. تشجيع البحث العلمي: يوصى بتشجيع إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث في مجال الأسرار الوظيفية، وخاصة فيما يتعلق بالجوانب المستحدثة مثل حماية الأسرار في البيئة الرقمية، وتأثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الحفاظ على الأسرار أو تهديدها، ودور الرقمنة في تعزيز الحماية أو خلق تحديات جديدة، ووسائل الموازنة بين حماية الأسرار الوظيفية وحقوق المواطنين في الحصول على المعلومات، وذلك من خلال تخصيص منح بحثية وتنظيم مؤتمرات وندوات علمية متخصصة في هذا الموضوع.
  2. تطوير المناهج التعليمية: يوصى بتضمين موضوع الأسرار الوظيفية بشكل موسع في مناهج كليات الحقوق والمعاهد الإدارية، وتخصيص جزء من المقررات الدراسية لدراسة هذا الموضوع بشكل متعمق، مع التركيز على الجوانب العملية والتطبيقية، من خلال عرض قضايا واقعية ودراسات حالة، وتدريب الطلاب على كيفية التعامل مع حالات إفشاء الأسرار وآليات التحقيق فيها، وذلك لإعداد كوادر قانونية وإدارية مؤهلة للتعامل مع هذه القضايا.
  3. التعاون الأكاديمي مع الجهات الحكومية: يوصى بتعزيز التعاون بين المؤسسات الأكاديمية والجهات الحكومية، من خلال عقد اتفاقيات تعاون وشراكة تهدف إلى تطوير السياسات والتشريعات المتعلقة بحماية الأسرار الوظيفية، وتبادل الخبرات والمعرفة، وتقديم الاستشارات القانونية، وتدريب الموظفين على أحدث الممارسات في مجال حماية المعلومات، مما يسهم في تطوير الأداء الإداري وتعزيز الحماية القانونية للأسرار الوظيفية.

رابعاً: التوصيات المجتمعية: نشر ثقافة الحفاظ على السرية: يوصى بنشر ثقافة الحفاظ على السرية بين أوساط المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية الأسرار الوظيفية وضرورة حمايتها، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والحملات التوعوية، والبرامج التعليمية في المدارس والجامعات، مما يسهم في ترسيخ قيم النزاهة والأمانة والولاء للوطن لدى الأجيال الجديدة، ويجعل المجتمع شريكاً في حماية أسرار دولته ومؤسساتها.

  1. إشراك المجتمع المدني: يوصى بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في الجهود الرامية إلى حماية الأسرار الوظيفية، من خلال تنظيم حملات توعية مشتركة، وعقد جلسات حوارية لمناقشة التحديات والحلول في هذا المجال، والاستفادة من خبرات هذه المؤسسات في تعزيز الشفافية والمساءلة، مع التأكيد على أن حماية الأسرار الوظيفية ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مجتمعية تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف.

 

هذا ويبقى موضوع الأسرار الوظيفية مجالاً قانونياً متجدّداً ومتطوّراً باستمرار، يرتبط بتطوّر مفهوم الدولة وطبيعة الوظيفة العامة ووسائل الاتصال، الأمر الذي يستدعي استمرار البحث والدراسة في هذا المجال، وتطوير التشريعات والسياسات بما يتلاءم مع المتغيرات المستجدة، ويحقق التوازن المنشود بين حماية الأسرار وضمان الحقوق والحريات، ولعل هذه الدراسة تكون إضافة متواضعة في هذا المجال، وخطوة على طريق تعزيز الحماية القانونية للأسرار الوظيفية في دولة الكويت.

 

[1] – خالد الزبيدي – التزام الموظف العام بكتمان أسرار الوظيفة العامة في القانون الأردني: دراسة مقارنة – مجلة الحقوق – س 36 – ع (3) – 2012 – ص542.

[2] – محمود حسني – شرح قانون العقوبات الخاص – دار النهضة العربية – القاهرة – 1988 – ص753.

[3] – رضوان العنبي – المسؤولية القانونية للإعلام عن إفشاء السر الوظيفي – مجلة المنارة للدراسات القانونية والإدارية – ع (31) – 2020 – ص222.

[4] – عادل الطبطبائي – الوسيط في قانون الخدمة المدنية الكويتي – وحدة التأليف والترجمة والنشر بجامعة الكويت – 1998 – ص 305.

[5] – المرسوم بقانون رقم 15 لسنة 1979 بشأن وتعديلاته – المادة رقم (2).

[6] – فواز الجدعي – القانون الإداري الكويي – مكتبة الكويت الوطنية – 2019 – ص212.

[7] – ناصر معلا وجمال الجلاوي – موسوعة مبادئ القضاء الإداري – إدارة الفتوى والتشريع – الكويت – 2000 – ص651 – حكم محكمة التمييز رقم 76 لسنة 1986.

[8] – عزيزة الشريف – مساءلة الموظف العام في الكويت: المسؤولية المدنية والجنائية والإدارية – مطبوعات جامعة الكويت – 1997 – ص181.

 

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية