تم التحديث 11 ساعة ago عن طريق ahmad

‏خبير الأدلة الجنائية في مواجهة الذكاء الاصطناعي

Download PDF

 

بحث قانوني تحليلي

خبير الأدلة الجنائية في مواجهة الذكاء الاصطناعي

تحدي إثبات التزوير التقني في القانون الكويتي

ملخص البحث

يتناول هذا البحث إشكالية التحدي المتصاعد الذي يواجهه خبير الأدلة الجنائية عند التعامل مع جرائم التزوير التقني المرتكبة بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها تقنية “الديب فيك”، في ظل القانون الكويتي. وينطلق البحث من أن الخبرة القضائية تمثل الأداة الرئيسية التي تستعين بها جهات التحقيق والقضاء لفهم المسائل الفنية المعقدة، غير أن هذا الدور التقليدي للخبير بات مهدداً بفعل قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى رقمي بالغ الإتقان يصعب تمييزه عن الحقيقة.

ويستعرض البحث خصائص الدليل الرقمي، وأهمية الخبرة الفنية ومرجعياتها القانونية، وأنواع الخبراء ومهاراتهم اللازمة، والتحديات الفنية والإجرائية والقانونية التي تواجه الخبير، وأبرز الأساليب الفنية الحديثة في كشف تزوير الذكاء الاصطناعي، وموقف القانون الكويتي والاتجاهات المقارنة، ودور الخبرة الرقمية في تعزيز حجية التحريات الجنائية، منتهياً إلى مجموعة من النتائج والمقترحات التشريعية والإجرائية والعملية التي من شأنها تعزيز قدرة النظام القانوني الكويتي على مواجهة هذا التحدي المستجد.

الكلمات المفتاحية: الخبير الجنائي، الذكاء الاصطناعي، التزوير التقني، الديب فيك، الدليل الرقمي، القانون الكويتي، حجية التحريات.

 

المقدمة

تعد أعمال الخبرة إحدى أهم الوسائل التي تستعين بها النيابة العامة أثناء التحقيق، وتستعين بها المحكمة أثناء المحاكمة، كلما تعلق الأمر بمسألة ذات طابع فني أو علمي يخرج عن دائرة المعارف القانونية البحتة التي يُفترض توافرها لدى رجل القانون. ولا يقتصر دور الخبير على مجال بعينه، بل يمتد ليشمل شتى ميادين المعرفة، من الخبرة الحسابية والهندسية والطبية، إلى خبرة الخطوط والتزييف والتزوير، وغيرها من التخصصات التي تفرضها طبيعة كل قضية.

ومع الطفرة التقنية غير المسبوقة التي يشهدها العالم في العقدين الأخيرين، ودخول الحاسبات الآلية وشبكات الإنترنت في صميم الحياة اليومية، ظهرت طائفة مستحدثة من الجرائم عُرفت بجرائم تقنية المعلومات، وأصبح الدليل الرقمي هو عماد الإثبات في هذا النوع من الجرائم. وفي مقدمة هذه الجرائم خطورة تأتي جرائم التزوير الإلكتروني أو التقني، والتي ازدادت تعقيداً مع دخول الذكاء الاصطناعي على خط ارتكابها، حيث بات بالإمكان اليوم إنشاء صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية مزيفة تحاكي الواقع بدرجة يصعب معها – في كثير من الأحيان – التمييز بينها وبين الدليل الحقيقي، وذلك عبر ما يعرف بتقنية “الديب فيك” (Deepfake) وما يماثلها من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

 

أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من التقاطع الحرج بين ثلاثة عناصر: أولها الدور المحوري الذي يضطلع به خبير الأدلة الجنائية في كشف الحقيقة أمام القضاء، وثانيها الطبيعة الخاصة للدليل الرقمي التي تجعله عرضة للتلاعب بيسر نسبي، وثالثها القدرات المتصاعدة للذكاء الاصطناعي التي تهدد بإرباك عملية التمييز بين الدليل الأصيل والدليل المصطنع. وإذا كان الخبير هو “عين القاضي” في المسائل الفنية، فإن تهديد موضوعية هذه العين أو تقويض الثقة في قدرتها على كشف الزيف، يمس صميم منظومة العدالة الجنائية بأكملها.

 

أهداف الدراسة

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أبرزها: الوقوف على الطبيعة الخاصة للأدلة الرقمية في جرائم التزوير التقني، وبيان أهمية الخبرة الفنية في إثبات هذه الجرائم ومرجعياتها القانونية؛ وتحليل التحديات الفنية والإجرائية والقانونية التي يواجهها خبير الأدلة الجنائية عند التعامل مع أدلة مزورة أو مولّدة بالذكاء الاصطناعي؛ واستعراض أبرز الأساليب الفنية الحديثة المستخدمة في كشف هذا النوع من التزوير؛ وتقييم موقف القانون الكويتي من هذه الإشكالية في ضوء الاتجاهات التشريعية والقضائية المقارنة؛ وبيان دور الخبرة الرقمية في تعزيز حجية التحريات الجنائية؛ وأخيراً، صياغة مجموعة من المقترحات التشريعية والإجرائية والعملية التي من شأنها تعزيز قدرة النظام القانوني الكويتي على مواجهة هذا التحدي المستجد.

 

إشكالية الدراسة

تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول التساؤل الجوهري التالي: إلى أي مدى يستطيع خبير الأدلة الجنائية، في ظل الإطار القانوني الكويتي الحالي، مواجهة التحدي المتمثل في إثبات وقوع تزوير تقني ارتُكب بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي؟ ويتفرع عن هذا التساؤل الرئيسي عدة تساؤلات فرعية، منها: ما الخصائص التي تجعل الدليل الرقمي المولّد بالذكاء الاصطناعي مختلفاً عن غيره من الأدلة الرقمية التقليدية؟ وما التحديات الفنية والإجرائية التي يواجهها الخبير عند فحص هذا النوع من الأدلة؟ وهل يواكب القانون الكويتي هذا التطور التقني، أم أن ثمة فجوة تشريعية تستوجب المعالجة؟ وما أبرز الاتجاهات المقارنة التي يمكن الاستفادة منها في هذا الصدد؟

 

منهج الدراسة

اعتمدت هذه الدراسة على المنهج التحليلي الوصفي، من خلال تحليل النصوص القانونية ذات الصلة بالخبرة القضائية والإثبات الجنائي في القانون الكويتي، ووصف الخصائص الفنية للأدلة الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التزوير، كما استعانت الدراسة بالمنهج المقارن من خلال استعراض بعض الاتجاهات التشريعية والقضائية في عدد من الدول والأنظمة القانونية، بهدف الوقوف على أفضل السبل الممكنة لمواجهة هذا التحدي في السياق الكويتي.

 

خطة الدراسة

تقسم هذه الدراسة إلى فصل تمهيدي وخمسة فصول، على النحو التالي: يتناول الفصل التمهيدي الإطار المفاهيمي للدراسة، من خلال تعريف الخبير القضائي والذكاء الاصطناعي والتزوير التقني. ويتناول الفصل الأول طبيعة الأدلة الرقمية وأهمية الخبرة الفنية في إثبات جرائم التزوير التقني، وأبرز الأساليب الفنية الحديثة في كشفه. ويعرض الفصل الثاني التحديات التي تواجه خبير الأدلة الجنائية في إثبات هذا النوع من الجرائم. ويستعرض الفصل الثالث موقف القانون الكويتي والاتجاهات المقارنة. ويناقش الفصل الرابع دور الخبرة الرقمية في تعزيز حجية التحريات الجنائية. ويختتم الفصل الخامس الدراسة بعرض مجموعة من المقترحات التشريعية والإجرائية والعملية لمواجهة هذا التحدي، تليها خاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات.

 

الفصل التمهيدي: الإطار المفاهيمي للدراسة

المطلب الأول: مفهوم الخبير القضائي وطبيعة عمله

تعد الخبرة بمفهومها القانوني والقضائي وسيلة من وسائل الإثبات، تُستخدم بغرض كشف واستيضاح دليل أو أكثر من الأدلة ذات الطابع الفني أو العلمي، وذلك من خلال الاستعانة بمعلومات فنية أو علمية تخص مجال هذا الدليل. ويُقصد بالخبير في هذا السياق الخبير القضائي، الذي يقدم معونته واستشارته للجهات القضائية – النيابة العامة أو المحكمة – في كشف واستقصاء وتوضيح المسائل الفنية والعلمية التي تخرج عن نطاق المعارف القانونية المتاحة للقاضي. ومن هنا عُرّف الخبير بأنه جهة من الجهات المعاونة للقاضي، يقدم معونته في المسائل التي تتطلب لحلها معارف فنية أو علمية خاصة لا تتوافر لدى القاضي، كما عُرّف أيضاً بأنه الشخص المتخصص الذي تتوافر لديه معارف خاصة في مجال فني أو علمي معين، يُستعان به لإبداء رأيه في مسألة جوهرية في الدعوى يكون لها تأثير في صدور حكم فاصل في موضوعها.[1]

وبناءً على ذلك، ذهب جانب كبير من الفقه القانوني إلى القول بأن عمل الخبير يمثل وسيلة إثبات ذات طبيعة خاصة، لكونها تتطلب معرفة ودراية لا تتحقق لدى القاضي، سواء في تقييم دليل، أو استيضاح واقعة من وقائع الدعوى، أو إثبات حالة ذات صلة بالدعوى، أو تفسير مسألة تتسم بالطابع الفني أو العلمي. ولا يقتصر تخصص الخبراء على مجال واحد، بل يمتد ليشمل خبراء متعددين بحسب طبيعة المسائل المعروضة على القضاء، فهناك من يُستمد من صفوف الشرطة والمعامل الجنائية، وهم من يخضعون لتدريب مؤسسي منظم في مجالات كالهندسة والتصوير والكيمياء، ويتميزون بالتفرد في فحص الأسلحة، والكشف عن التزييف والتزوير، ومضاهاة الخطوط، وفحص قضايا الحريق. وهناك من يُستمد من خريجي الكليات العملية كالطب والهندسة والعلوم، ومنهم الأطباء الشرعيون الذين تتوافر لديهم دراسة تخصصية في الإصابات الجنائية، إلى جانب خبراء البصمات والتصوير الجنائي الذين يتولون توثيق مسرح الجريمة.

وفي ظل موضوع هذه الدراسة، يبرز نوع ثالث من الخبرة أصبح لا غنى عنه، وهو خبير الأدلة الرقمية أو الخبير الإلكتروني، الذي يُفترض فيه الجمع بين الإلمام بأساسيات القانون الجنائي والإثبات من جهة، والتمكن التقني العميق من أدوات وتقنيات الحوسبة والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وهو ما يجعل من إعداد هذا النوع من الخبراء تحدياً في حد ذاته، سيأتي تفصيله في مواضع لاحقة من هذه الدراسة.

 

المطلب الثاني: مفهوم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مجال التزوير

الذكاء الاصطناعي هو فرع من علوم الحاسوب يهدف إلى تصميم أنظمة قادرة على أداء مهام كانت تتطلب – في الأصل – ذكاءً بشرياً، كالتعلم، والاستدلال، والإدراك، وفهم اللغة الطبيعية. وقد شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة تطوراً مذهلاً، حتى بات بمقدوره توليد محتوى رقمي بالغ الإتقان، كالصور والصوت والفيديو والنصوص، بشكل يصعب تمييزه عن المحتوى الحقيقي في كثير من الأحيان.

ومن أخطر تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال التزوير تقنية “الديب فيك” (Deepfake)، وهي تقنية تعتمد على خوارزميات التعلم العميق لإنشاء مقاطع فيديو أو صور أو تسجيلات صوتية مزورة تبدو حقيقية تماماً، وتُنسب فيها إلى أشخاص أقوال أو أفعال لم يقوموا بها في الواقع. وتكمن خطورة هذه التقنية في قدرتها على محاكاة ملامح الوجه ونبرة الصوت وحركة الشفاه بدقة عالية، بما يجعل عملية التمييز بين المحتوى الأصلي والمحتوى المصطنع بالعين المجردة أمراً بالغ الصعوبة، بل قد يكون مستحيلاً في بعض الحالات المتقنة.

ولا تقتصر مخاطر الذكاء الاصطناعي في هذا المجال على الديب فيك وحدها، بل تمتد لتشمل أدوات توليد النصوص والمستندات المزيفة، وتقنيات محاكاة التوقيعات والأختام، وبرمجيات التلاعب بالبيانات الوصفية (الميتاداتا) لإخفاء آثار التعديل أو التزوير، وهو ما يوسع من دائرة التحديات التي تواجه خبير الأدلة الجنائية عند تعامله مع هذا النوع من الأدلة.

 

المطلب الثالث: مفهوم التزوير التقني وصوره

التزوير التقني أو الإلكتروني هو تحريف الحقيقة في مستندات أو أدلة رقمية باستخدام وسائل تقنية متقدمة، بقصد خداع السلطات القضائية أو الإضرار بالغير. ويشمل هذا المفهوم كافة أشكال التلاعب بالأدلة الرقمية، سواء عبر التعديل، أو الحذف، أو الإضافة، أو الإنشاء الكامل لمحتوى رقمي مزور لم يكن له وجود من الأساس. ومع ظهور الذكاء الاصطناعي، ازداد التزوير التقني تعقيداً وخطورة، إذ أصبح بالإمكان استخدام تقنيات كالديب فيك لتزوير الأدلة السمعية والبصرية بشكل يكاد يكون متقناً بالكامل، مما يجعل عملية كشف هذا التزوير بالغة الصعوبة، ويستلزم توافر خبراء على درجة عالية من المهارة في مجالي الأدلة الرقمية والذكاء الاصطناعي معاً.

ويمكن تصنيف صور التزوير التقني المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى عدة أنماط رئيسية: تزوير كامل، ويقصد به إنشاء محتوى رقمي زائف من الصفر لا يستند إلى أي مادة حقيقية سابقة؛ وتزوير جزئي أو تعديلي، يقوم على التلاعب بمحتوى حقيقي موجود أصلاً عبر إضافة أو حذف أو تحوير بعض عناصره؛ وانتحال الهوية الرقمية، ويتمثل في محاكاة صوت أو ملامح شخص معين لنسب أقوال أو أفعال إليه لم يصدرها؛ وأخيراً تزوير البيانات الوصفية والسجلات المرافقة للملف الرقمي بهدف إخفاء آثار التلاعب أو تضليل أدوات الكشف الفني.

وتجدر الإشارة إلى أن جريمة التزوير بمفهومها التقليدي تقوم عادة على أركان ثلاثة: تغيير للحقيقة في محرر بإحدى الطرق التي يحددها القانون، وقصد جنائي باستعمال هذا المحرر المزور فيما زُوّر من أجله، وضرر محتمل أو فعلي يلحق بالغير من جراء هذا التزوير. وقد بُنيت هذه الأركان أصلاً على تصور تقليدي لمفهوم “المحرر”، باعتباره وثيقة مادية أو ما في حكمها. ومع اتساع مفهوم المحرر تدريجياً ليشمل المحررات الإلكترونية، تعيّن على الفقه والقضاء تكييف هذه الأركان التقليدية لتستوعب صور التزوير التقني المستحدثة، بما في ذلك تلك المرتكبة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما لا يخلو من صعوبة عملية حقيقية، خاصة فيما يتعلق بإثبات القصد الجنائي، وتحديد لحظة وقوع التزوير بدقة في بيئة رقمية متغيرة باستمرار، وتكييف صورة “التغيير في الحقيقة” في حالة المحتوى المولد بالكامل من العدم، والذي لا يمثل تعديلاً لمحرر أصلي بالمعنى التقليدي، بقدر ما يمثل خلقاً لواقعة لم تكن موجودة أصلاً.

 

الفصل الأول: طبيعة الأدلة الرقمية وأهمية الخبرة الفنية في إثبات جرائم التزوير التقني

المبحث الأول: خصائص الدليل الرقمي

تتميز الأدلة الرقمية بمجموعة من الخصائص التي تجعلها مختلفة جوهرياً عن الأدلة التقليدية، وتفرض تحديات خاصة على خبراء الأدلة الجنائية عند التعامل معها، خصوصاً في سياق جرائم التزوير التقني المرتكبة بالذكاء الاصطناعي. ويمكن إجمال أبرز هذه الخصائص فيما يلي:

  1. الطبيعة غير المادية: الأدلة الرقمية ليست ملموسة بذاتها، بل هي عبارة عن بيانات إلكترونية مخزنة على وسائط رقمية، وهذا يجعل من الصعب إدراكها بالحواس المجردة، ويستلزم استخدام أجهزة وبرامج متخصصة لاستخراجها وتحليلها وعرضها بشكل يمكن للمحكمة إدراكه وفهمه.
  2. سهولة التعديل والتزوير: يمكن تعديل الأدلة الرقمية أو تزويرها بسهولة نسبية، ودون ترك آثار واضحة في كثير من الأحيان، خاصة مع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة التي قد لا تترك أثراً يمكن كشفه بالأدوات التقليدية. وهذا يطرح تحدياً جوهرياً في مجال إثبات صحة الأدلة الرقمية وسلامتها من التلاعب، ويضع على عاتق الخبير عبئاً إضافياً يتمثل في ضرورة إثبات سلامة الدليل قبل الخوض في مضمونه.
  3. الانتشار والنسخ: يمكن نسخ الأدلة الرقمية ونشرها بسهولة بالغة عبر شبكات متعددة، مما يجعل من الصعب أحياناً تحديد مصدرها الأصلي، أو التأكد من عدم تعديلها أثناء عملية النسخ والنقل والتداول بين الأجهزة والمنصات المختلفة.
  4. الاعتماد على البيئة التقنية: تكتسب الأدلة الرقمية معناها وقيمتها الإثباتية من خلال البيئة التقنية التي نشأت فيها، بما تتضمنه من أجهزة وبرامج وشبكات، لذلك فإن فحص هذه الأدلة يتطلب فهماً عميقاً لهذه البيئة، وكيفية تفاعل الدليل معها، وهو أمر لا يتوافر إلا لدى خبير متمرس وملم بأحدث ما وصلت إليه هذه البيئة من تطور.
  5. الطابع الفني المعقد: تكتنف الأدلة الرقمية تفاصيل فنية دقيقة، تتعلق ببنية البيانات، والبيانات الوصفية (الميتاداتا)، وسجلات النظام، وغيرها من الجوانب التقنية التي لا يستوعبها إلا المتخصصون، وهو ما يستلزم بالضرورة الاستعانة بخبراء متمكنين من هذا المجال لتفسير هذه التفاصيل وبيان دلالتها للمحكمة بلغة يمكن فهمها واستيعابها.

وإذا كانت هذه الخصائص تشكل بذاتها تحدياً تقليدياً في التعامل مع الأدلة الرقمية بوجه عام، فإن دخول الذكاء الاصطناعي على خط التزوير يضاعف من حدة هذه التحديات، إذ تصبح إمكانية التلاعب بالدليل أكثر تطوراً، وتصبح آثار هذا التلاعب أكثر خفاءً، وهو ما يستدعي مستوى أعلى من الخبرة الفنية لمواجهته.

 

المبحث الثاني: أهمية الاستعانة بالخبرة الفنية ومرجعياتها القانونية

تبرز أهمية الاستعانة بالخبرة الفنية في كون التشريعات التقليدية غالباً ما تكون قاصرة عن استيعاب خصوصية الجريمة الإلكترونية، الأمر الذي دفع بعض المشرعين إلى إدراج نصوص قانونية صريحة تنظم الاستعانة بالخبرة في المجال الرقمي. ومن الأمثلة البارزة في هذا الصدد القانون البلجيكي الصادر عام 2000، الذي أجاز للقاضي وللشرطة القضائية الاستعانة بخبير يقدم لهما فهماً تقنياً لكيفية عمل النظام المعلوماتي المستهدف، وكيفية الدخول إليه أو الوصول للبيانات المخزنة فيه أو المعالجة أو المنقولة عبره.[2]

وعلى الصعيد الكويتي، نظّم المشرع أحكام الخبرة في مرحلة المحاكمة ضمن قانون تنظيم الخبرة، حيث يجوز للمحكمة ندب خبير من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصوم، سواء كان خبيراً واحداً أو أكثر بحسب حجم الدعوى وتعقيدها، مع إتاحة تقديم إيضاحات في الجلسة أو الاكتفاء بالتقارير المقدمة منهم في مرحلة التحقيق الابتدائي. كما نظّمت اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات عمل الخبراء التقنيين والفنيين، حيث يُعد هؤلاء الخبراء المقيدين في سجلات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الجهة المرجعية المعتمدة عند طلب ندب خبير في قضايا هذا النوع من الجرائم.

وتزداد أهمية هذه الأطر القانونية في سياق جرائم التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، ذلك أن الدليل الرقمي في هذه الجرائم لا يمكن تقييمه أو الحكم على مدى صحته دون المرور عبر مرحلة الخبرة الفنية، فالقاضي – مهما بلغت خبرته القانونية – لا يملك بمفرده الأدوات المعرفية اللازمة للتمييز بين محتوى رقمي أصيل وآخر مصطنع بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. وبذلك يصبح الخبير حلقة الوصل التي لا غنى عنها بين الحقيقة التقنية والحكم القضائي.

 

المبحث الثالث: أنواع الخبراء المتخصصين والمهارات اللازمة لمواجهة تزوير الذكاء الاصطناعي

نظراً للطبيعة الفنية الخاصة لجرائم التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي، تفرض هذه الجرائم توافر مجموعة من المهارات المتخصصة لدى الخبير المكلف بفحصها، تتجاوز في كثير من الأحيان المهارات التقليدية المطلوبة في خبرة الأدلة الرقمية العامة. ومن أبرز هذه المهارات:

الإلمام بتركيب الحاسب وأنواعه وصناعته، ونظم التشغيل والأجهزة الملحقة به، بما في ذلك كلمات المرور ورموز التشفير.

معرفة طبيعة البيئة التقنية التي يعمل فيها الحاسب من حيث التنظيم والتوزيع لعمليات المعالجة الآلية، وتحديد أماكن التخزين والوسائل المستعان بها في ذلك.

القدرة على نقل أدلة الإثبات غير المرئية وتحويلها إلى أدلة مقروءة، مع الحفاظ على دعامتها الأصلية، وإثبات تطابق المخرجات مع ما هو مدون على الدعامات الأصلية.

الإلمام بنظم الحاسب الآلي بمكوناته المادية والبرمجية، ومعرفة طرق فحصها، بما يشمل برامج كشف وإزالة الفيروسات، وبرامج استرجاع البيانات والمعلومات، وإظهار المخفي منها.

القدرة على الربط بين الدليل المادي والدليل الرقمي في الوقائع محل البحث والتحقيق.

بصفة خاصة في سياق الذكاء الاصطناعي، الإلمام بأساسيات علم التعلم الآلي والشبكات العصبية، ومعرفة الأدوات المستخدمة في توليد المحتوى المزيف، وتوظيف تقنيات الكشف المضاد القائمة هي الأخرى على الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط الدقيقة التي يصعب على العين البشرية رصدها.

وتنقسم الخبرة اللازمة، بحسب طبيعة القضية، إلى خبراء يُستمدون من صفوف الشرطة والمعامل الجنائية، ممن يخضعون لتدريب مؤسسي منظم، وخبراء من خريجي الكليات العملية والتخصصات الأكاديمية المتقدمة في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. ونظراً لحداثة هذا التخصص الأخير وندرة الكوادر المؤهلة فيه، تبرز الحاجة الملحة إلى الاستعانة بخبراء دوليين، أو إلى بناء برامج تأهيل وتدريب متخصصة على المستوى الوطني، بما يضمن توافر العدد الكافي من الخبراء القادرين على مواجهة هذا النوع المستحدث من الجرائم.[3]

 

المبحث الرابع: خبير الأدلة الجنائية التقليدي وخبير التزييف الرقمي – مقارنة في الأدوار والمهارات

يكشف التأمل في طبيعة عمل خبير الأدلة الجنائية التقليدي، مقارنة بخبير التزييف الرقمي المتخصص في كشف تزوير الذكاء الاصطناعي، عن فوارق جوهرية تستحق الوقوف عندها. فبينما يعتمد الخبير التقليدي – كخبير الخطوط أو خبير البصمات – على مضاهاة عينات مادية أو شبه مادية وفق معايير فنية مستقرة نسبياً وثابتة عبر الزمن، يجد خبير التزييف الرقمي نفسه في مواجهة موضوع متغير باستمرار، إذ إن الأدوات والخوارزميات التي يقوم بفحصها اليوم قد تختلف جذرياً عن تلك التي كانت سائدة قبل أشهر قليلة فقط، مما يفرض عليه تحديثاً دائماً لمعارفه وأدواته على نحو لا يُطلب بالقدر ذاته من نظرائه في التخصصات الفنية التقليدية.

كما يختلف الخبيران من حيث درجة اليقين التي يمكن الوصول إليها؛ فغالباً ما يستطيع خبير الخطوط أو البصمات الوصول إلى درجة عالية من اليقين الفني بناءً على معايير مضاهاة راسخة، في حين يجد خبير التزييف الرقمي نفسه، في كثير من الأحيان، مضطراً إلى تقديم رأي احتمالي أو استقرائي، نظراً للطابع المتطور والمتغير لتقنيات التوليد والتزييف. ويضاف إلى ذلك أن خبير التزييف الرقمي يحتاج إلى خلفية معرفية مزدوجة تجمع بين أساسيات علوم الحاسوب والتعلم الآلي من جهة، وفهم كافٍ للسياق القانوني والإجرائي الذي يعمل ضمنه من جهة أخرى، وهو مزيج نادر التوافر يفرض تحدياً حقيقياً أمام الجهات القضائية عند البحث عن الكفاءات المؤهلة لهذا الدور.

 

المبحث الخامس: أبرز الأساليب الفنية الحديثة المستخدمة في كشف تزوير الذكاء الاصطناعي

في مواجهة التحديات المشار إليها، طوّر الباحثون والخبراء المتخصصون في الطب الشرعي الرقمي مجموعة من الأساليب والتقنيات التي يستعين بها الخبير عند فحص الأدلة الرقمية المشتبه في تزويرها بالذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها:

  1. تحليل الإشارات الحيوية الدقيقة: تعتمد هذه الطريقة على رصد إشارات فسيولوجية دقيقة يصعب على تقنيات التزييف محاكاتها بدقة كاملة، كالتغيرات الطفيفة في لون بشرة الوجه الناتجة عن نبض الدم تحت الجلد، أو معدل رمش العين الطبيعي، حيث لوحظ أن مقاطع الديب فيك المبكرة كانت تفتقر إلى معدلات رمش طبيعية، وإن كانت النسخ الأحدث من هذه التقنية قد طورت من قدرتها على محاكاة هذه الإشارات.
  2. تحليل بصمة المستشعر: تترك كل كاميرا رقمية بصمة إلكترونية فريدة ناتجة عن عدم انتظام دقيق في مستشعر الالتقاط، ويمكن للخبراء مقارنة هذه البصمة في الملف محل الفحص ببصمة الجهاز المصدر المفترض، بحيث يكشف أي تباين أو غياب لهذه البصمة عن احتمال التوليد أو التعديل الاصطناعي للمحتوى.
  3. تحليل الترددات والضوضاء الرقمية: غالباً ما تترك عمليات التوليد بالذكاء الاصطناعي أنماطاً غير طبيعية في المجال الترددي للصورة أو الفيديو، يمكن الكشف عنها من خلال تقنيات التحويل الترددي المتخصصة، والتي تكشف عن اختلافات دقيقة في توزيع الضوضاء الرقمية لا تتفق مع ما يُتوقع من عملية التقاط طبيعية بالكاميرا.
  4. فحص تناسق الإضاءة والظلال والانعكاسات: يتولى الخبير فحص مدى اتساق مصادر الإضاءة والظلال والانعكاسات الظاهرة في الصورة أو الفيديو محل الفحص مع بعضها البعض، إذ كثيراً ما تعجز أدوات التوليد بالذكاء الاصطناعي عن إنتاج تناسق فيزيائي كامل بين هذه العناصر، مما يترك مؤشرات يمكن رصدها بعين الخبير المدرب أو من خلال برمجيات التحليل المتخصصة.
  5. تحليل تزامن حركة الشفاه مع الصوت: في الفيديوهات المشتبه في تزويرها، يقوم الخبير بفحص مدى التطابق الدقيق بين حركة شفاه المتحدث والمقاطع الصوتية المصاحبة، إذ لا تزال بعض أدوات الديب فيك تعاني من قصور طفيف في هذا التزامن يمكن رصده بالتحليل الدقيق للإطارات.
  6. الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مواجهة الذكاء الاصطناعي: تجدر الإشارة إلى أن جانباً مهماً من أدوات الكشف الحديثة يعتمد هو الآخر على تقنيات التعلم الآلي، حيث تُدرَّب نماذج متخصصة على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المولد اصطناعياً، بالاعتماد على قواعد بيانات ضخمة من العينتين. غير أن هذا النهج يظل عرضة لسباق تقني مستمر، إذ ما إن تُطور أداة كشف فعالة حتى تُطور تقنيات التزييف نفسها لتفادي هذه الأداة تحديداً، وهو ما يستدعي تحديثاً مستمراً لقدرات الخبير وأدواته.

ويخلص البحث في هذا المقام إلى أن الاعتماد على أداة واحدة من أدوات الكشف الفني لا يكفي لتكوين رأي فني قاطع، بل يتطلب الأمر عادة تضافر عدة أساليب من الأساليب سالفة الذكر، بما يعزز من موثوقية النتيجة النهائية التي يخلص إليها الخبير، ويجعلها أكثر قدرة على الصمود أمام الطعن أو التشكيك خلال إجراءات التقاضي.

 

الفصل الثاني: التحديات التي تواجه خبير الأدلة الجنائية في إثبات التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي

يواجه خبير الأدلة الجنائية مجموعة من التحديات المعقدة عند فحص الأدلة الرقمية في جرائم التزوير التقني المرتكبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، ويمكن تقسيم هذه التحديات إلى ثلاثة محاور رئيسية: تحديات فنية، وتحديات إجرائية وقانونية، وتحديات تتصل بحدود السلطة التقديرية للقاضي إزاء رأي الخبير.

المبحث الأول: التحديات الفنية

  1. تطور تقنيات التزوير: تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في التزوير بسرعة فائقة، مما يجعل من الصعب على الخبراء مواكبة هذا التطور وتحديث أدواتهم وأساليبهم في كشف التزوير باستمرار. فتقنيات مثل الديب فيك أصبحت أكثر إتقاناً يوماً بعد يوم، وباتت تنتج أدلة سمعية بصرية يكاد يكون من المستحيل تمييزها عن الحقيقية بالعين المجردة أو بالطرق التقليدية في الفحص.
  2. مشكلة “الصندوق الأسود”: تعمل بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي بطريقة غير شفافة، حيث يصعب على الخبراء أنفسهم فهم كيفية وصول النظام إلى نتائجه أو استنتاجاته. وهذا يشكل تحدياً كبيراً في المجال القضائي، إذ يجب أن يكون الخبير قادراً على تفسير وشرح منهجيته في الوصول إلى رأيه الفني، حتى يكون هذا الرأي مقبولاً ومقنعاً للمحكمة. وقد رفضت بعض المحاكم أدلة مولدة بالذكاء الاصطناعي لعدم قدرة الخبير على تفسير مصدرها ومنهجيتها بشكل كافٍ، إذ لوحظ في إحدى القضايا أمام القضاء الأمريكي أن الأدلة المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي افتقرت إلى ما وُصف بـ”الفهم الموضوعي لكيفية عمل الأداة” المستخدمة في توليدها.
  3. صعوبة الكشف الفني: تتطلب عملية كشف التزوير باستخدام الذكاء الاصطناعي أدوات وخبرات فنية متطورة، قد لا تكون متاحة لجميع الخبراء، أو قد تكون باهظة التكلفة. كما أن أساليب كشف التزوير نفسها قد تكون عرضة للتضليل، إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير أساليب تزوير أكثر تعقيداً، أو حتى لتضليل أدوات الكشف ذاتها، بل إن بعض الدراسات أشارت إلى أن خوارزميات التعلم الآلي يمكن توظيفها لتحسين جودة الأدلة المولدة، بما يجعل اكتشافها أكثر صعوبة، في سباق تقني مستمر بين أدوات التزوير وأدوات الكشف.
  4. التمييز بين الأدلة الحقيقية والمزورة: في كثير من الحالات، قد يكون من المستحيل فنياً الجزم بشكل قاطع بصحة الدليل الرقمي أو تزويره، خاصة مع تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقد يضطر الخبير إلى تقديم رأي استقرائي أو احتمالي، وهو ما قد لا يكون كافياً للإثبات الجنائي الذي يتطلب درجة عالية من اليقين. وقد نبّه بعض الباحثين المتخصصين في القانون الرقمي إلى أن الأدلة السمعية البصرية، التي كانت تُعد فيما مضى من أوثق أنواع الأدلة، أصبحت اليوم موضع شك متزايد مع انتشار تقنية الديب فيك، وهو ما يستدعي إعادة النظر في معايير تقييم هذا النوع من الأدلة، والاعتماد على ما يمكن تسميته “معدلات الثقة الأساسية” عند تقييمها بدلاً من افتراض صحتها المطلقة.

 

المبحث الثاني: التحديات الإجرائية والقانونية

  1. عبء الإثبات: في الدعوى الجنائية، يقع عبء إثبات التزوير على عاتق النيابة العامة، وهو عبء بالغ الصعوبة في حالات التزوير المتقن المرتكب بالذكاء الاصطناعي. فقد تحتاج النيابة إلى الاستعانة بخبراء متعددين وأدوات فنية متطورة، وهو ما قد يستغرق وقتاً طويلاً ويستلزم تكاليف مرتفعة، وقد لا يكون ممكناً في جميع القضايا بالقدر ذاته من الدقة.
  2. معايير قبول الأدلة: تختلف معايير قبول الأدلة الرقمية من نظام قانوني لآخر، وقد لا توجد معايير واضحة ومحددة لقبول الأدلة المدعى بتزويرها، أو الأدلة المولدة بالذكاء الاصطناعي. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، ويجعل من الصعب على القضاة اتخاذ قرارات حاسمة بشأن قبول أو استبعاد هذه الأدلة، خاصة أن الأطر القانونية القائمة لم تُصمم أصلاً لمواجهة التحديات التي تطرحها الأدلة المزورة بتقنيات متطورة لا تترك آثاراً مرئية يمكن رصدها بالوسائل التقليدية.
  3. دور الخبير أمام المحكمة: قد يواجه الخبير صعوبات في تقديم رأيه الفني المعقد للمحكمة بطريقة مفهومة للقاضي وهيئة المحكمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمسائل تقنية دقيقة تتصل بخوارزميات التعلم العميق. كما قد يتعرض الخبير لضغوط من أطراف الدعوى، أو لاتهامات بالتحيز أو عدم الموضوعية. وقد أشارت بعض الاتجاهات القضائية المقارنة إلى الحاجة المتزايدة للاعتماد على خبراء متخصصين في الذكاء الاصطناعي للتمييز بين الحقيقة والمصطنع في الأدلة المتنازع عليها، غير أن هؤلاء الخبراء أنفسهم قد يواجهون تحديات في إثبات مصداقيتهم، خاصة إذا استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي في تحضير تقاريرهم دون توثيق كافٍ لمنهجية عملهم.
  4. دفاع “الديب فيك”: ظهر في الآونة الأخيرة ما يُعرف بدفاع الديب فيك (Deepfake Defence)، حيث يدعي أحد أطراف الدعوى أن الدليل المقدم ضده ما هو إلا تزوير باستخدام تقنية الديب فيك، وذلك للتشكيك في صحته حتى لو كان الدليل حقيقياً بالفعل. وهذا يضع المحكمة في موقف بالغ الصعوبة، حيث قد يؤدي التشكيك غير المبرر إلى استبعاد أدلة حقيقية، أو إلى إطالة أمد التقاضي بشكل غير مبرر، أو إلى خلق حالة عامة من عدم الثقة في الأدلة السمعية البصرية، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً لمنظومة الإثبات الجنائي بأكملها.
  5. تكلفة التقاضي وإطالة أمده: تترتب على تعدد جولات الفحص الفني، وضرورة الاستعانة بأكثر من خبير في القضايا المعقدة، وإمكانية الطعن المتكرر في نتائج الخبرة الفنية، آثار سلبية على مدة التقاضي وتكلفته، بما قد يشكل عبئاً إضافياً على أطراف الدعوى وعلى منظومة العدالة الجنائية ككل، خاصة في ظل محدودية عدد الخبراء المؤهلين تأهيلاً كافياً في هذا التخصص الدقيق والمستحدث.

 

المبحث الثالث: حدود السلطة التقديرية للقاضي إزاء رأي الخبير في ظل هذه التحديات

الأصل أن سلطة المحكمة في تقدير الأدلة سلطة تقديرية، إلا أن هذه السلطة تتقيد في الحالات التي تكون فيها المسائل المطروحة فنية بحتة يصعب على غير المتخصص إدراك أبعادها، فلا يجوز للقاضي عندها أن يخرج عن نطاق ما انتهى إليه تقرير الخبير إلا إذا كان لديه من العلم ما يمكّنه من ترجيح رأي آخر بدقائق الأدلة المطروحة. وهذا المبدأ العام يواجه في سياق تزوير الذكاء الاصطناعي إشكالية مضاعفة؛ فمن جهة يزداد اعتماد القاضي على رأي الخبير كلما ازدادت التعقيدات الفنية للمسألة المطروحة، ومن جهة أخرى فإن رأي الخبير نفسه قد يكون عرضة للشك أو عدم اليقين في هذا النوع من القضايا، مما يضع القاضي أمام معضلة حقيقية عند بناء قناعته.

ويثير هذا الوضع تساؤلاً جوهرياً حول مدى كفاية آلية ندب الخبير الواحد في مثل هذه القضايا، إذ قد يكون من الأنسب – في القضايا التي يُدعى فيها بتزوير أدلة رقمية بالذكاء الاصطناعي – اللجوء إلى تعدد الخبراء، أو تشكيل لجان خبرة متخصصة تجمع بين الخبرة القانونية والخبرة التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي تحديداً، بما يعزز من موضوعية النتيجة النهائية ويقلل من احتمالات الخطأ أو التضليل.

كما يثير هذا السياق تساؤلاً حول معايير قبول رأي الخبير ذاته أمام القضاء، إذ إن الاتجاهات القضائية المقارنة تنحو نحو اشتراط أن يكون الخبير قادراً على شرح منهجيته العلمية بشكل واضح ومقنع، وأن تكون هذه المنهجية معتمدة ومقبولة في الأوساط العلمية المتخصصة، وأن تخضع الأداة أو البرنامج المستخدم في التحليل لاختبار وتحقق مسبق، بحيث لا يكتفى بمجرد الثقة الشخصية في كفاءة الخبير، بل يمتد الفحص إلى مدى سلامة وموثوقية الوسيلة الفنية التي استند إليها في تكوين رأيه.

 

المبحث الرابع: الأثر الأوسع لتحدي الديب فيك على الثقة في منظومة الإثبات الجنائي

لا يقتصر أثر تحدي التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي على القضايا الفردية التي يُثار فيها هذا الدفع، بل يمتد ليطال الثقة العامة في منظومة الإثبات الجنائي بأكملها. فمع تزايد الوعي العام بقدرة تقنية الديب فيك على إنتاج محتوى مزيف بالغ الإتقان، يتزايد لدى الأطراف والمحلفين والرأي العام بوجه عام شعور عام بالشك تجاه الأدلة السمعية والبصرية، حتى تلك التي لم يُطعن فيها أصلاً. وهذه الظاهرة، التي يطلق عليها بعض الباحثين “أثر الشك المعمم”، قد تُضعف من القيمة الإثباتية للأدلة الرقمية بوجه عام، وتضع عبئاً إضافياً على الخبير والقاضي على حد سواء في سبيل استعادة الثقة في هذا النوع من الأدلة.

ويترتب على ذلك أن مهمة خبير الأدلة الجنائية لم تعد تقتصر على الفحص الفني للدليل المتنازع عليه، بل امتدت لتشمل بُعداً توعوياً وتثقيفياً تجاه أطراف الدعوى والقضاء، من خلال بيان حدود ما يمكن وما لا يمكن لتقنيات الذكاء الاصطناعي تحقيقه في الوقت الراهن، وتوضيح الفارق بين مجرد الادعاء بالتزوير وبين وجود قرائن فنية جدية تدعم هذا الادعاء، بما يحول دون الانزلاق نحو حالة من الشك المطلق التي قد تُقوّض العدالة الجنائية بقدر ما قد يقوّضها التزوير ذاته.

 

الفصل الثالث: موقف القانون الكويتي والاتجاهات التشريعية والقضائية المقارنة

المبحث الأول: موقف القانون الكويتي من الأدلة الرقمية والتزوير التقني بالذكاء الاصطناعي

لم يتطرق المشرع الكويتي بشكل مباشر في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية إلى تنظيم الأدلة الرقمية بشكل مستقل، فهي تخضع للأحكام العامة للإثبات في المواد الجنائية. ويتطلب قبول الدليل الرقمي في الدعوى الجنائية أن يكون ذا صلة بالوقائع المطلوب إثباتها، وأن يكون مشروعاً من حيث طريقة الحصول عليه، وأن يكون مقبولاً أمام المحكمة، وهو ما يخضع في نهاية المطاف لتقدير القاضي.

وفيما يتعلق بالخبرة القضائية، ينظم قانون الإجراءات الجنائية الكويتي أحكام ندب الخبراء، ويشترط أن يكون الخبير متخصصاً في المجال الفني أو العلمي المطلوب، وأن يكون محايداً، وأن يؤدي اليمين القانونية قبل مباشرة عمله. وتقدير المحكمة لرأي الخبير غير ملزم لها، ولها أن تأخذ به أو ترفضه، وفقاً لقناعتها المستمدة من مجمل الأدلة المطروحة في الدعوى.

ومع ذلك، فإن التطورات التقنية السريعة، وخاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي وتقنيات التزوير المتقدمة، تطرح تحديات جدية على القانون الكويتي، كما هو الحال في العديد من النظم القانونية الأخرى. وتتمثل هذه التحديات في الحاجة إلى تحديث التشريعات لتواكب هذه التطورات التقنية، ووضع معايير واضحة لقبول الأدلة الرقمية وتقييمها، وتحديد مسؤوليات الخبراء في التعامل مع هذا النوع من الأدلة، وتوفير التدريب اللازم للقضاة وخبراء الأدلة الجنائية في مجال الذكاء الاصطناعي والأدلة الرقمية. وقد لوحظ وجود فجوة تشريعية حقيقية بين وتيرة التطور التقني والأطر القانونية التقليدية، وهو ما يفرض ضرورة تعديل قوانين الإثبات لتشمل الأدلة الرقمية بوضوح، وتنظيم المسؤولية المترتبة على استخدام تقنيات كالديب فيك في ارتكاب الجرائم.

ويبرز في هذا السياق تساؤل تفسيري مهم يتعلق بمدى إمكانية تطبيق نصوص التزوير التقليدية الواردة في قانون الجزاء الكويتي على صور التزوير التقني المستحدثة بالذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى انتظار تدخل تشريعي صريح. فمن جهة، يمكن القول إن المبادئ العامة التي تحكم جريمة التزوير – من تغيير للحقيقة، وقصد جنائي، وضرر محتمل – تبقى صالحة للتطبيق من حيث المبدأ على أي صورة من صور التزوير أياً كانت الوسيلة المستخدمة فيه، إعمالاً لمبدأ حياد النص الجنائي عن الوسيلة التقنية. ومن جهة أخرى، فإن تطبيق هذه المبادئ العامة على وقائع لم يكن المشرع يتصورها وقت وضع النص، كالمحتوى المولد بالكامل بالذكاء الاصطناعي دون أي أصل حقيقي سابق، قد يثير صعوبات تفسيرية حقيقية أمام القضاء، تتعلق بتحديد ما إذا كان “الخلق من العدم” يدخل أصلاً في مفهوم “تغيير الحقيقة” الذي يفترض بداهة وجود حقيقة سابقة تم تغييرها. وهذا الجدل الفقهي، وإن لم يكن محسوماً بشكل قاطع، يعزز من أهمية التدخل التشريعي الصريح الذي يضع حداً لأي التباس محتمل في هذا الشأن، بما يحقق الأمان القانوني المنشود لكل من المتقاضين والخبراء والقضاء على حد سواء.

 

المبحث الثاني: القواعد الإجرائية للاستعانة بالخبير في القانون الكويتي

تنقسم مرجعية الاستعانة بالخبير في القانون الكويتي إلى مسارين متكاملين: الأول عام، ويتمثل في قانون تنظيم الخبرة الذي يحكم ندب الخبراء أمام المحاكم بوجه عام في المسائل المدنية والجنائية على حد سواء، ويجيز للمحكمة ندب خبير أو أكثر من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب الخصوم، مع إتاحة تقديم إيضاحات شفوية في الجلسة أو الاكتفاء بما هو مقدم من تقارير مكتوبة. والثاني خاص، ويتمثل فيما تضمنته اللائحة التنفيذية لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من تنظيم لعمل الخبراء التقنيين والفنيين المقيدين في سجلات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، باعتبارهم الجهة المرجعية المعتمدة عند ندب خبير في قضايا هذا النوع من الجرائم.

وتزداد أهمية هذا الإطار الإجرائي المزدوج في سياق جرائم التزوير بالذكاء الاصطناعي، حيث يثير التساؤل حول مدى كفاية سجلات الخبراء التقنيين الحالية لاستيعاب هذا التخصص الدقيق والمستحدث، وحول ضرورة استحداث تصنيف خاص ضمن هذه السجلات لخبراء الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق تحديداً، بما يضمن أن يكون الخبير المنتدب في هذه القضايا على درجة كافية من التخصص الدقيق، لا مجرد الخبرة العامة في الأدلة الرقمية.

 

المبحث الثالث: الاتجاهات التشريعية والقضائية المقارنة

تشير الاتجاهات المقارنة إلى أن العديد من الدول بدأت بالفعل في تطوير تشريعاتها وإجراءاتها القضائية لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي في مجال الإثبات الجنائي، ومن أبرز هذه الاتجاهات:

  1. الاتحاد الأوروبي: أصدر الاتحاد الأوروبي قانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)، الذي يُعد أول تشريع شامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي على مستوى إقليمي، ويحدد مستويات المخاطر المرتبطة باستخداماته المختلفة، ويضع متطلبات صارمة للشفافية والمساءلة، خاصة في التطبيقات عالية المخاطر، ومنها التطبيقات المستخدمة في المجال القضائي وإنفاذ القانون. وقد عرّف هذا القانون “الديب فيك” بأنه المحتوى المولد أو المتلاعب به بواسطة الذكاء الاصطناعي والذي يبدو أصلياً أو حقيقياً، بما يفرض على مقدمي هذه الأنظمة التزامات محددة بالإفصاح عن الطبيعة الاصطناعية لمثل هذا المحتوى.
  2. الولايات المتحدة الأمريكية: طورت المحاكم الأمريكية مبادئ قانونية تدريجية للتعامل مع الأدلة المزورة بالذكاء الاصطناعي، من خلال أحكام قضائية تضع معايير لقبول الأدلة الرقمية. ففي إحدى القضايا المعروضة على القضاء الأمريكي (قضية Mendonez v. Cushman and Wakefield, Inc)، رفضت المحكمة أدلة فيديو ثبت تزويرها بالذكاء الاصطناعي، وأكدت على ضرورة الفحص الدقيق للبيانات الوصفية ومحتوى الدليل نفسه، كما لاحظت المحكمة في هذه القضية أنها لا تملك دائماً الوقت أو التمويل أو الخبرة التقنية الكافية لإجراء تحليل جنائي لكل دليل مشبوه، وهو ما يبرز من جهة أهمية دور الخبراء الخارجيين المتخصصين، ويشير من جهة أخرى إلى محدودية الموارد القضائية المتاحة لمواجهة هذا التحدي.
  3. الاتجاهات الآسيوية: تشهد عدة دول آسيوية، كسنغافورة واليابان وكوريا الجنوبية والصين، نقاشات تشريعية جادة حول تحديث قوانين الإثبات لتشمل الأدلة الرقمية والأدلة المولدة بالذكاء الاصطناعي، سعياً إلى تحقيق توازن بين الاستفادة من فوائد هذه التقنية ومواجهة مخاطرها، وقد طُورت في بعض هذه الدول أدوات قانونية وإجرائية مثل آليات “الاكتشاف الإلكتروني” وضوابط خاصة بالتعامل مع البيانات الوصفية في الدعاوى القضائية.

ويلاحظ من استعراض هذه الاتجاهات المقارنة أن ثمة قاسماً مشتركاً بينها، يتمثل في إدراك المشرعين والقضاء لخطورة هذا التحدي، والسعي إلى وضع أطر تنظيمية واضحة له، وإن تفاوتت درجة التفصيل والصرامة بين نظام وآخر. وهو ما يمثل مؤشراً مهماً يمكن الاستفادة منه عند التفكير في تطوير الإطار القانوني الكويتي في هذا الشأن، على النحو الذي سيأتي تفصيله في الفصل الخامس من هذه الدراسة.

 

المبحث الرابع: موقف بعض التشريعات العربية والخليجية

لا تقتصر الحاجة إلى تطوير الإطار القانوني لمواجهة تحدي التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي على القانون الكويتي وحده، بل تمتد لتشمل غالبية الأنظمة القانونية في المنطقة العربية والخليجية، التي تشترك في كثير من ملامح إطارها التشريعي المتعلق بجرائم تقنية المعلومات. فقد بادرت عدة دول عربية وخليجية، ومنها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، إلى إصدار قوانين خاصة بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، تتضمن تجريماً صريحاً لصور التزوير والاحتيال الإلكتروني، وتنظيماً – وإن كان عاماً في الغالب – لإجراءات جمع الأدلة الرقمية والاستعانة بالخبرة الفنية في هذا الشأن.

غير أن هذه التشريعات، على غرار نظيرتها الكويتية، لا تزال في مجملها بحاجة إلى استكمال أطر تنظيمية خاصة ومحددة تتعلق بالتعامل مع الأدلة المولدة أو المتلاعب بها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديداً، ذلك أن معظم النصوص القائمة صيغت في مرحلة سابقة على الانتشار الواسع لتقنيات كالديب فيك، وهو ما يجعلها – وإن صلحت كإطار عام – غير كافية بمفردها لمواجهة الطبيعة الخاصة لهذا النوع المستحدث من التزوير. ويرى البحث أن ثمة فرصة حقيقية أمام دول مجلس التعاون الخليجي لتنسيق جهودها التشريعية في هذا الشأن، من خلال وضع إطار استرشادي موحد يتعلق بمعايير قبول الأدلة الرقمية المولدة بالذكاء الاصطناعي، وضوابط تأهيل الخبراء المتخصصين في كشفها، بما يعزز من التكامل الإقليمي في مواجهة هذا التحدي العابر للحدود الوطنية.

 

الفصل الرابع: دور الخبرة الرقمية في تعزيز حجية التحريات الجنائية في مواجهة تزوير الذكاء الاصطناعي

لم يعد البحث والتحري عن الجرائم مقتصراً على الأساليب التقليدية، خاصة مع التحول الرقمي الهائل الذي يشهده العالم، وما نتج عنه من ظهور أنماط إجرامية جديدة تُعرف بالجرائم الإلكترونية. وهذه الجرائم التي تتسم بطبيعتها التقنية المعقدة وأساليب مرتكبيها المبتكرة في إخفاء الآثار، تضع تحديات كبيرة أمام الأجهزة الأمنية والقضائية التي تعتمد غالباً على تحريات تقليدية قد لا تكون كافية لكشف مثل هذه الجرائم وجمع الأدلة المتصلة بها، خاصة إذا كانت هذه الجرائم من طائفة التزوير التقني المرتكب بالذكاء الاصطناعي. ومن هنا، برزت الحاجة الملحة إلى تطوير منهجيات البحث والتحري من خلال دمج الخبرات التقنية الرقمية مع الإجراءات القانونية، للتعامل بكفاءة مع مسرح الجريمة الإلكتروني، بما يشكل نقطة التقاء وثيقة مع موضوع حجية التحريات في الإثبات الجنائي، حيث إن قوة التحريات وإمكانية الأخذ بها تتوقفان على مدى جديتها ودقتها، وهو ما لا يتأتى إلا بوجود محققين مؤهلين رقمياً.

المبحث الأول: ماهية الخبرة الرقمية وأنواع التحقيقات الرقمية

تُعرف الخبرة في التحقيقات الرقمية بأنها ذلك التراكم المعرفي والعملي لدى المحقق، الذي يمكّنه من توظيف أدوات التحليل الرقمي، واسترجاع البيانات المحذوفة، وتحديد مصادر الهجمات الإلكترونية، وربط الأدلة الرقمية بالوقائع المادية بشكل منهجي. وهي بذلك عملية جمع وتحليل وحفظ الأدلة الرقمية الموجودة في الأجهزة أو الشبكات، بهدف كشف حقيقة حادث أو جريمة إلكترونية، وتقديمها بشكل يمكن الاعتماد عليه في التحقيقات الجنائية والقانونية.

وتتضمن هذه الخبرة أهدافاً عدة، منها كشف الحقائق من خلال فهم طبيعة الحادثة الإلكترونية وتحديد مسؤولية المتهمين، وتقديم الأدلة القانونية عبر ضمان أن تكون الأدلة الرقمية دقيقة وموثقة بشكل يحافظ على سلسلة الحيازة (Chain of Custody) مما يجعلها مقبولة أمام المحاكم، ومنع الحوادث المستقبلية من خلال تحليل نقاط الضعف المستغلة، وحماية الحقوق عبر تحقيق التوازن بين متطلبات التحقيق وضرورة احترام الحق في الخصوصية المعلوماتية للأفراد.

ويُقسم علم التحقيقات الرقمية إلى عدة فروع، بحسب مصدر البيانات أو البيئة التقنية المستهدفة، والتي يجب على المحقق والخبير الإلمام بها جميعاً في سياق مكافحة تزوير الذكاء الاصطناعي: فتحقيق الحواسيب يركز على تحليل البيانات الموجودة في أجهزة الحاسوب والأقراص الصلبة وسجلات النظام؛ وتحقيقات الهواتف المحمولة تختص باستخراج الأدلة من الهواتف الذكية كالرسائل النصية والمكالمات وبيانات التطبيقات؛ وتحقيقات الشبكات تدرس حركة مرور البيانات لتحديد مصدر الهجمات أو عمليات سرقة المعلومات؛ وتحقيق الذاكرة يُستخدم لاستخراج الأدلة من الذاكرة العشوائية قبل إيقاف تشغيل الجهاز؛ والتحقيق في السحابة يختص بتحليل البيانات المخزنة في بيئات الحوسبة السحابية، بما يطرحه ذلك من تحديات تتعلق بالولاية القضائية وسلامة البيانات. ويضاف إلى هذه الفروع التقليدية، في سياق هذه الدراسة، فرع مستحدث يمكن تسميته “التحقيق في محتوى الذكاء الاصطناعي التوليدي”، ويختص بتحليل الملفات الصوتية والمرئية للكشف عن آثار التوليد أو التلاعب بالذكاء الاصطناعي، من خلال فحص الأنماط الرقمية الدقيقة، والبيانات الوصفية، وبصمات الخوارزميات المستخدمة في التوليد.

وهذا التصنيف يوضح أن حجية التحريات لم تعد تقتصر على مجرد أقوال مأمور الضبط، بل تتسع لتشمل الأدلة المستخلصة من هذه الأنواع المختلفة من التحقيقات الرقمية، والتي تحتاج بدورها إلى خبير لاستخلاصها وتقديمها، مما يجعل حجيتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكفاءة هذا الخبير ومدى التزامه بالمناهج العلمية السليمة في عمله.

الفرع الرابع: خصوصية التحري في جرائم التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي

تتميز التحريات في جرائم التزوير التقني المرتكبة بالذكاء الاصطناعي بخصوصية إضافية تميزها عن التحريات في الجرائم الإلكترونية التقليدية، ذلك أن المحقق لا يقتصر دوره على تتبع المصدر التقني للملف الرقمي محل البلاغ، بل يمتد ليشمل محاولة تحديد الأداة أو النموذج التقني الذي استُخدم في توليد المحتوى المزيف، وهو أمر بالغ الصعوبة نظراً لتعدد الأدوات المتاحة في هذا المجال وسرعة تطورها. ويستلزم ذلك من المحقق متابعة مستمرة لآخر ما يستجد من تطبيقات وأدوات ذكاء اصطناعي توليدي، وبناء قاعدة معرفية متجددة حول الخصائص الفنية المميزة لمخرجات كل أداة من هذه الأدوات، بما يساعده في مرحلة لاحقة على تضييق دائرة البحث عن مصدر المحتوى المزيف ومرتكب جريمة التزوير.

كما يتطلب التحري في هذا النوع من الجرائم تنسيقاً وثيقاً بين المحقق الرقمي والخبير الفني منذ المراحل الأولى للتحقيق، لا الاقتصار على الاستعانة بالخبير في مرحلة متأخرة بعد جمع الأدلة، وذلك نظراً لأن طبيعة الأدلة المتعلقة بالتزوير بالذكاء الاصطناعي قد تستلزم إجراءات فنية دقيقة منذ لحظة الضبط، كحفظ نسخة أصلية غير مضغوطة من الملف الرقمي فور اكتشافه، وتوثيق البيئة التقنية التي عُثر عليه فيها، وتحديد جميع النسخ المحتملة المتداولة له عبر مختلف المنصات، تلافياً لأي فقدان محتمل للتفاصيل الفنية الدقيقة التي قد تكون حاسمة في مرحلة الفحص اللاحقة.

المبحث الثاني: مهارات المحقق الرقمي وشروط صحة التحريات الرقمية

إن جدية التحريات – وهي شرط أساسي لصحتها وحجيتها – ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمهارات المحقق الرقمي، فالتحري الجاد هو الذي يقوم على أسس علمية سليمة، ويتسم بالدقة والموضوعية. ويجب أن يمتلك المحقق الرقمي مجموعة من المهارات التي تمكّنه من القيام بمهامه بكفاءة، وتتمثل في المعرفة بالمكونات المادية للحاسوب وملحقاته والأدوات التي يمكن للمجرمين توظيفها، وإتقان أساسيات الشبكات والإنترنت وآلية عملها وطرق اختراقها، والإلمام بأنواع الملفات والتطبيقات والتعامل مع كميات ضخمة منها، ومعرفة أنماط الجرائم الإلكترونية وخصائصها لاختيار الأساليب التحقيقية المناسبة، والقدرة على تحديد المواقع المحتملة للأدلة الرقمية وتحويلها إلى صيغ مادية يمكن للقاضي الاطلاع عليها مع ضمان مطابقتها للأصل.

ولكي تكتسب التحريات التي تتم بوسائل رقمية حجيتها أمام القضاء، يجب أن تستوفي شروطاً إضافية تتعلق بسلامة الإجراءات التقنية، أهمها:

  1. عدم تغيير البيانات الأصلية: المبدأ الذهبي في التحقيق الرقمي هو أن الإجراءات المتخذة يجب ألا تغير البيانات الموجودة على الجهاز الأصلي بأي شكل، ويتم العمل على نسخة طبق الأصل (Image) من القرص الصلب أو وسيط التخزين للحفاظ على سلامة الدليل الأصلي.
  2. توثيق الإجراءات وسلسلة الحيازة: يُوثق كل خطوة يتخذها المحقق بدءاً من جمع الدليل وحتى تقديمه أمام المحكمة، بما يمكّن أي طرف ثالث مستقل من التحقق من الإجراءات والوصول إلى النتيجة ذاتها، وهذا التوثيق هو ما يمنح التحريات صفة الجدية ويجعلها محصنة ضد الطعن بعدم الصحة.
  3. الالتزام بالقوانين والضوابط: يجب أن تتم عملية جمع الأدلة الرقمية وفقاً للقوانين المنظمة، وخاصة تلك المتعلقة بحماية الحياة الخاصة، وإلا أصبحت الأدلة غير مقبولة قانونياً مهما بلغت دقتها الفنية.

وتتجلى أهمية هذه المهارات في عدة مراحل خلال التحريات الجنائية: عند تلقي البلاغ، من خلال طرح أسئلة فنية دقيقة لفهم طبيعة الجريمة الإلكترونية والإشارات التي قد يغفل عنها المبلغ؛ وفي إدارة مسرح الجريمة، من خلال الإشراف المباشر على التفتيش الميداني مع الالتزام بالضوابط القانونية لضمان سلامة الإجراءات من البطلان؛ وفي معرفة أسلوب ارتكاب الجريمة، بفهم المصطلحات الفنية المرتبطة بها لاستيعاب آلية ارتكابها والأدوات المستخدمة فيها؛ وفي التحاور مع الخبراء التقنيين، عبر تبادل المعلومات لتعزيز الرؤية الفنية والقانونية للقضية؛ وعند الاستدعاء للمحكمة، من خلال القدرة على عرض المسائل الفنية بأسلوب قانوني واضح ودقيق، يمكّن هيئة المحكمة من فهم الوقائع وتقدير قيمة الدليل الرقمي.

المبحث الثالث: معوقات توظيف الخبرة الرقمية وأثرها على حجية التحريات

على الرغم من الأهمية البالغة للخبرة الرقمية، فإن تطبيقها في الواقع العملي يواجه عدداً من المعوقات التي تنعكس سلباً على جودة التحريات وحجيتها.

الفرع الأول: المعوقات التدريبية والتكنولوجية

سرعة التطور التكنولوجي، إذ تجعل وتيرته المتسارعة من الصعب مواكبتها من خلال برامج تدريبية تقليدية، فتظهر تطبيقات وأساليب إجرامية جديدة بشكل مستمر.

غياب البرامج التدريبية المتخصصة والمستمرة في مجال الأدلة الرقمية، مما يضعف قدرة المحققين على مواكبة المستجدات.

تشعب مهام أجهزة الضبط القضائي وتعدد مجالات تدخلها، بما يحول دون تخصيص وقت وإمكانات كاملة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية.

التضخم الهائل للمعلومات الذي يستغرق تحليله وقتاً وجهداً كبيرين، وهو ما قد يؤثر على سرعة الفصل في القضايا.

 

الفرع الثاني: المعوقات المادية والبشرية

محدودية الاعتمادات المالية المخصصة لتأهيل رجال الضبطية القضائية في مجال مكافحة الجرائم الإلكترونية.

نزيف الكفاءات نتيجة المنافسة القوية من القطاع الخاص، الذي يقدم عروضاً مالية مغرية تستقطب الكفاءات المتميزة من الأجهزة الحكومية.

ضعف التنسيق بين المحققين وأجهزة إنفاذ القانون المختلفة، لعدم وجود آليات واضحة لتبادل الخبرات والمعلومات.

غياب الإطار القانوني الواضح في بعض الأحيان لتنظيم إجراءات البحث والتحري في الجرائم الرقمية بما يتواكب مع التطورات التقنية.

الفرع الثالث: أثر هذه التحديات على حجية التحريات

لا تؤثر هذه التحديات على كفاءة البحث والتحري فحسب، بل تمتد لتؤثر مباشرة على حجية التحريات كدليل إثبات أمام القضاء؛ فغياب التدريب قد يؤدي إلى إتلاف الأدلة أو فقدانها بشكل نهائي، مما يجعل التحريات غير جدية ولا يمكن الأخذ بها؛ ونقص الموارد قد يدفع المحقق إلى استخدام طرق غير مشروعة لجمع المعلومات، مما يبطل تلك التحريات؛ وضعف التنسيق قد يؤدي إلى تناقض المعلومات الواردة في محاضر التحري، مما يفقدها مصداقيتها. وبناءً عليه، فإن حجية التحريات لم تعد مجرد مسألة قانونية شكلية، بل أصبحت مرتبطة بشكل جوهري بمدى توفر الخبرة الرقمية لدى المحققين، وبمدى قدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على تذليل هذه التحديات، وذلك تحديداً في تطبيق نص المادة (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، التي تجيز الأخذ بالتحريات كقرينة معززة متى توافرت فيها شروط الصحة والجدية.

 

الفصل الخامس: نحو معالجة تشريعية وقضائية وعملية لتحدي التزوير بالذكاء الاصطناعي

في ضوء ما تقدم من عرض لطبيعة التحديات التي يواجهها خبير الأدلة الجنائية في إثبات جرائم التزوير التقني المرتكبة بالذكاء الاصطناعي، وموقف القانون الكويتي منها، والاتجاهات المقارنة في هذا الشأن، يقترح هذا الفصل مجموعة من الحلول والمعالجات على ثلاثة مستويات: تشريعي، وإجرائي وقضائي، وتقني ودولي.

المبحث الأول: مقترحات تشريعية

  1. استحداث نصوص قانونية صريحة: تُعرّف الدليل الرقمي وتحدد ضوابط قبوله أمام القضاء الجنائي، على أن تشمل هذه الضوابط معايير خاصة بالمحتوى المولد أو المتلاعب به بواسطة الذكاء الاصطناعي، على غرار ما تبنّاه بعض الأنظمة القانونية المقارنة.
  2. تعديل المادة (46): من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي بإضافة عبارة “إلا في حالة وجود ما يساندها من الأدلة أو القرائن”، بما يعزز من مكانة التحريات الرقمية الجادة كقرينة معززة في الإثبات الجنائي، دون أن يغلق الباب أمام الطعن فيها متى قامت أسباب جدية لذلك.
  3. استحداث تصنيف خاص لخبراء الذكاء الاصطناعي: ضمن سجلات الخبراء المعتمدين لدى الجهات القضائية والفنية، بحيث يشترط لقيدهم فيه مستوى معين من التأهيل العلمي والعملي في هذا المجال الدقيق.
  4. إلزام مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي: من خلال تشريعات متخصصة، بوضع علامات رقمية (Watermarking) أو بيانات وصفية تُميّز المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي عن المحتوى الحقيقي، بما يسهّل على الخبراء عملية الكشف والتحقق.

المبحث الثاني: مقترحات إجرائية وقضائية

  1. اعتماد آلية تعدد الخبراء: أو تشكيل لجان خبرة متخصصة في القضايا التي يُدعى فيها بتزوير أدلة رقمية بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من الاكتفاء بندب خبير واحد، بما يعزز من موضوعية النتيجة النهائية ويقلل من احتمالات الخطأ.
  2. وضع بروتوكولات إجرائية واضحة: للتعامل مع “دفاع الديب فيك”، تُلزم من يثير هذا الدفع بتقديم قرائن أولية جدية تدعم ادعاءه، حتى لا يتحول هذا الدفاع إلى وسيلة للمماطلة أو التشكيك غير المبرر في أدلة صحيحة.
  3. إدراج برامج تدريبية إلزامية ودورية: للقضاة وأعضاء النيابة العامة في مجال الأدلة الرقمية وأساسيات الذكاء الاصطناعي، بما يمكّنهم من فهم أفضل لتقارير الخبراء وتقييمها بشكل أكثر دقة.
  4. تطوير آليات تعاون مؤسسي: بين النيابة العامة والجهات الفنية المتخصصة، لضمان سرعة الاستجابة عند طلب الخبرة في القضايا العاجلة.

المبحث الثالث: تعزيز البنية التقنية والتعاون الدولي

نظراً للطابع العابر للحدود الذي غالباً ما تتسم به جرائم التزوير التقني بالذكاء الاصطناعي، يوصي البحث بتعزيز التعاون الدولي والإقليمي في مجال تبادل الخبرات وأدوات الكشف الفني، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بمكافحة الجرائم الإلكترونية، والاستفادة من التجارب التشريعية والقضائية المقارنة، وبخاصة تجربة الاتحاد الأوروبي في قانون الذكاء الاصطناعي.

كما يوصي البحث بالاستثمار في البنية التقنية للجهات المعنية بمكافحة هذا النوع من الجرائم، من خلال توفير الأدوات والبرمجيات المتخصصة في الكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وتخصيص ميزانيات كافية لاستقطاب الكفاءات المؤهلة والاحتفاظ بها في القطاع الحكومي، بما يحد من ظاهرة “نزيف الكفاءات” التي تفاقم من نقص القدرات البشرية المؤهلة في هذا الميدان الحساس.

ويضيف البحث في هذا الصدد أهمية إنشاء أو تطوير مختبرات وطنية متخصصة في الطب الشرعي الرقمي، تُعنى تحديداً بفحص المحتوى المشتبه في توليده أو التلاعب به بالذكاء الاصطناعي، على أن تُزوَّد هذه المختبرات بأحدث الأدوات والبرمجيات المتاحة عالمياً في هذا المجال، وأن يُتاح للجهات القضائية والنيابة العامة اللجوء إليها مباشرة دون الحاجة إلى إجراءات معقدة أو مطولة، بما يقلص الفجوة الزمنية بين طلب الخبرة وصدور التقرير الفني، ويعزز من قدرة النظام القضائي على مواكبة سرعة تطور هذا النوع من الجرائم.

 

ملحق: نماذج تطبيقية توضيحية لطبيعة التحدي

تسهيلاً لفهم الطبيعة العملية للتحدي محل هذه الدراسة، يعرض هذا الملحق نماذج افتراضية توضيحية – لا تمثل وقائع بعينها – يتضح من خلالها الدور الذي يُفترض أن يضطلع به خبير الأدلة الجنائية عند مواجهة أدلة يُدعى تزويرها بالذكاء الاصطناعي:

النموذج الأول: مقطع فيديو منسوب لأحد الأطراف في نزاع تجاري

يُتصور أن يقدم أحد أطراف النزاع مقطع فيديو يُنسب فيه إلى الطرف الآخر إقرار شفوي بالتزام مالي معين، فيدفع هذا الأخير بأن المقطع مزور باستخدام تقنية الديب فيك. وهنا يتعين على الخبير المنتدب فحص الملف من عدة زوايا فنية متكاملة، منها تحليل البيانات الوصفية للملف لمعرفة تاريخ إنشائه والجهاز المستخدم في التقاطه، وفحص بصمة المستشعر الخاصة بالكاميرا المفترض التقاط المقطع بها، وتحليل تزامن حركة الشفاه مع الصوت، وفحص الإشارات الحيوية الدقيقة كنمط الرمش وتغيرات لون البشرة، وصولاً إلى رأي فني مسبب يوضح للمحكمة درجة الثقة في أصالة المقطع أو في وقوع التلاعب به.

النموذج الثاني: مستند إلكتروني يُدّعى تزوير توقيع إلكتروني عليه

في هذا النموذج، يُتصور أن يتم تقديم مستند إلكتروني موقع بتوقيع إلكتروني إلى جهة قضائية لإثبات التزام تعاقدي، فيدفع أحد الأطراف بأن التوقيع مزور أو أن محتوى المستند قد عُدّل بعد التوقيع عليه. ويتطلب هذا النموذج من الخبير فحص سجلات النظام الخاص بمنصة التوقيع الإلكتروني، والتحقق من سلامة سلسلة التشفير المرتبطة بالمستند، وفحص أي مؤشرات على تعديل لاحق للمحتوى بعد لحظة التوقيع، مع مراعاة أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تُستخدم لمحاكاة توقيعات يدوية ممسوحة ضوئياً بدقة عالية، مما يستلزم فحصاً إضافياً لمصدر صورة التوقيع ذاتها إذا كانت كذلك.

النموذج الثالث: تسجيل صوتي في بلاغ جنائي

يُتصور تقديم تسجيل صوتي كدليل في بلاغ جنائي، تُنسب فيه إلى أحد الأشخاص عبارات تدينه، فيدفع بأن الصوت مصطنع بالكامل عبر أدوات استنساخ صوتي قائمة على الذكاء الاصطناعي. وهنا يتوجب على الخبير تحليل الطيف الترددي للتسجيل للكشف عن أي أنماط اصطناعية غير طبيعية، ومقارنة الخصائص الصوتية الدقيقة كنبرة الصوت وسرعة النطق وأنماط التنفس بعينات صوتية معروفة الأصل للشخص المعني إن توافرت، إلى جانب فحص السياق التقني لعملية تسجيل الصوت ومصدرها المزعوم، وصولاً إلى تقدير احتمالية التوليد الاصطناعي بأعلى درجة ممكنة من الدقة الفنية.

وتوضح هذه النماذج الثلاثة، على اختلاف موضوعاتها، أن مهمة خبير الأدلة الجنائية في مواجهة تزوير الذكاء الاصطناعي لا تقوم على أداة فنية واحدة، بل على منهجية متكاملة تجمع بين عدة أساليب تحليلية متكاملة، وأن الرأي الفني النهائي الذي يقدمه الخبير للمحكمة ينبغي أن يكون مسبباً بشكل واضح، يوضح الأسس والأدوات التي استند إليها، بما يمكّن المحكمة من تكوين قناعتها القضائية على أساس سليم وموثوق.

 

الخاتمة

يمثل التحدي الذي يواجه خبير الأدلة الجنائية في إثبات التزوير التقني باستخدام الذكاء الاصطناعي أحد أهم التحديات التي تواجه العدالة الجنائية في القرن الحادي والعشرين. فمع كل تطور جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتقلص الفجوة بين الحقيقة والزيف، وتزداد الحاجة إلى خبير جنائي قادر على مواكبة هذا التطور بذات القدر من السرعة والدقة. ولا يمكن مواجهة هذا التحدي إلا من خلال رؤية متكاملة تجمع بين تطوير التشريعات، وتحديث الإجراءات القضائية، وتدريب الكوادر البشرية، وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ ثقافة قانونية وقضائية واعية بطبيعة هذا التحدي المستحدث وأبعاده.

ويأمل هذا البحث أن يكون قد ساهم في تسليط الضوء على هذه القضية المهمة، وتقديم رؤية علمية عملية لتطوير دور خبير الأدلة الجنائية في القانون الكويتي، بما يضمن تحقيق العدالة في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ويحافظ في الوقت ذاته على الثقة العامة في منظومة الإثبات الجنائي بأكملها.

وتبقى الإشارة أخيراً إلى أن مواجهة هذا التحدي ليست مسؤولية جهة واحدة بعينها، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين المشرع الذي يضع الإطار القانوني الملائم، والقضاء الذي يطبق هذا الإطار بحكمة ووعي بأبعاده الفنية، والخبير الذي يحمل عبء الفحص الفني الدقيق، والجهات التنفيذية التي توفر الموارد والتدريب اللازمين، والمجتمع البحثي والأكاديمي الذي يواصل تطوير أدوات الكشف ومواكبة تطور أدوات التزييف. ومتى تضافرت جهود هذه الأطراف جميعاً، أمكن للنظام القانوني الكويتي أن يواجه هذا التحدي المستحدث بثقة راسخة، وأن يحافظ على مكانة الدليل الرقمي كأداة موثوقة لكشف الحقيقة، لا مصدراً للشك والريبة.

 

[1]د. راشد محمد حمد المري، “الاستعانة بالخبير الإلكتروني أمام المحاكم الجنائية في القانون الكويتي (دراسة تحليلية)”، مجلة كلية الشريعة والقانون بتفهنا الأشراف – دقهلية، العدد الخامس والعشرون لسنة 2022م، الإصدار الثاني، الجزء الرابع، ص 3281.

[2]د. راشد محمد حمد المري، مرجع سابق، ص 3301.

[3]د. راشد محمد حمد المري، مرجع سابق، ص 3293-3294.

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية