تم التحديث 12 ساعة ago عن طريق ahmad
حجية التحريات كدليل إثبات في القانون الجنائي الكويتي: دراسة نقدية
من أهم المسائل التي ينظمها القانون الجنائي هي مسألة الإثبات، لاسيما وأن عملية الإثبات تمثل محور هام وحيوي في المواد الجنائية التي تعتمد بشكل أساسي على البحث عن الحقيقة وكشفها، ومعرفة الجاني ومعاقبته بالعقوبة المناسبة لجريمته، مما يجعلها عملية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يبذله القاضي من جهد قضائي في سبيل الوصول للحقيقة مستخدماً أدوات ووسائل الإثبات المتاحة والمتوفرة له وفقاً لظروف وملابسات الدعوى الجنائية المطروحة عليه، خاصة وأن الجريمة في حد ذاتها تمثل واقعة تمت في الماضي وبالتالي لا يتمكن القاضي من الاطلاع عليها ومعاينتها، مما يستدعي معه وجود وسائل يمكن الاستناد إليها لرسم صورة مفصلة للجريمة ووقائعها، وذلك للوصول إلى حقيقتها وتكوين عقيدة القاضي بما يتفق مع تلك الحقيقة.
وحتى تتم عملية الإثبات بشكل دقيق وفعال يحقق النتيجة المنشودة منها، فإن ذلك الأمر يستلزم الإلمام بالعديد من وسائل الإثبات المختلفة، والتي من شأنها أن تعين القاضي على سبر أغوار وغموض الدعوى الجنائية المطروحة أمامه وكشف جميع أسرارها، وتتعدد وسائل الإثبات وتختلف سواء من حيث أنواعها أو من حيث قوتها وحجيتها في الإثبات، ومن أكثر تلك الوسائل إثارة للجدل هي التحريات، والتي تعد أحد وسائل الإثبات التي تعمل على وضع محاكاة آنية للجريمة التي تمت في الماضي، وذلك عبر استقصاء تفاصيل تلك الجريمة ووقائعها، فالغاية الأساسية من التحريات في ظل القانون الجنائي هي جمع المعلومات اللازمة لرسم صورة للجريمة التي تم ارتكابها بصورة دقيقة قدر الإمكان، وذلك بغرض كشف الحقيقة الخاصة بالجريمة التي تتم التحريات بشأنها وتحديد شخص مرتكبها.
وتعد التحريات من وسائل الإثبات التي تخضع في تقدير قوتها الإثباتية لتقدير محكمة الموضوع الجنائية التي تتولى محاكمة المتهم بارتكاب الجريمة، مما جعلها بمثابة التربة الخصبة لظهور جدل وخلاف فقهي بشأن مدى حجيتها في الإثبات أمام القضاء الجنائي، وهو ما حدا بنا إلى اختيار موضوع هذا المقال المعنون بـ “حجية التحريات كدليل إثبات في القانون الجنائي” لتوضيح أهم الجوانب الخاصة بموضوع التحريات، سواء من جانب التعريف بها، أو بيان أنواعها، أو موقف القانون الجنائي الكويتي من حجيتها في الإثبات الجنائي، أو غيرها من الجوانب الأخرى ذات العلاقة، والتي تمكنا من الوقوف على مدى حجية التحريات كوسيلة من وسائل الإثبات أمام القضاء الجنائي.
أهمية البحث
تكتسي دراسة حجية التحريات كدليل إثبات في القانون الجنائي الكويتي أهمية بالغة تتجلى في عدة مستويات متداخلة، سواء على الصعيد النظري أو التطبيقي العملي، مما يجعل هذا الموضوع محط اهتمام الباحثين والقضاة ورجال القانون على حد سواء.
أولاً: الأهمية النظرية: تمثل التحريات محوراً جدلياً في الفقه القانوني الجنائي، حيث تثير إشكاليات جوهرية تتعلق بطبيعة هذه الوسيلة الإثباتية ومدى مشروعيتها وقوتها في تكوين عقيدة القاضي الجنائي. وقد أسهمت هذه الإشكاليات في إثراء المكتبة القانونية بالعديد من الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية المتباينة، مما يجعل الوقوف على حقيقة هذه المسألة ضرورة علمية وأكاديمية. فالدراسة تتيح فرصة لمحاولة التوفيق بين النصوص القانونية التي تجرد التحريات من أي حجية إثباتية، وبين الواقع العملي الذي يثبت أن للتحريات دوراً لا يمكن تجاهله في كشف الحقائق الجنائية. كما تسهم هذه الدراسة في تقديم رؤية تحليلية نقدية للموقف التشريعي، قد تكون نواة لتطوير النص القانوني بما يتلاءم مع متطلبات العدالة الجنائية ومقتضيات الواقع العملي.
ثانياً: الأهمية العملية: في الممارسة القضائية اليومية، تُعد التحريات أداة أساسية تسبق مرحلة التحقيق الرسمي، وغالباً ما تكون هي الخطوة الأولى في كشف الجرائم وتحديد هوية مرتكبيها. وتكمن أهميتها العملية في كونها تقدم صورة أولية عن الجريمة، تساعد القاضي والمحقق على توجيه مسار الدعوى الجنائية بشكل دقيق. كما أن التحريات كثيراً ما تكون سبباً مباشراً في إجراءات حساسة كالتفتيش أو القبض أو إعادة فتح التحقيق، مما يجعل آثارها ملموسة على مسار الدعوى الجنائية برمتها. من هنا، فإن فهم حجية هذه التحريات وأثرها في الإثبات يُعد أمراً بالغ الأهمية لكل من الضبطية القضائية والنيابة العامة وهيئات المحاكم، وذلك لضمان سلامة الإجراءات وحماية حقوق الأطراف في الدعوى الجنائية.
ثالثاً: الأهمية الاجتماعية والوطنية: لا يقتصر أثر هذا الموضوع على الجانب القانوني المجرد، بل يمتد ليشمل الأمن المجتمعي وحماية الحقوق والحريات العامة. فالتحريات إذا ما تمت وفق الضوابط الشرعية والقانونية، تُسهم بشكل فعال في تحقيق الردع العام والخاص، وتعزيز الثقة في الجهات القضائية والأمنية. وبالمقابل، فإن أي خلل أو تجاوز في هذه التحريات قد يؤدي إلى انتهاك حقوق الأفراد وحرياتهم، والإضرار بسمعة الأبرياء، وإهانة كرامة الأشخاص، مما يستدعي وضع ضوابط واضحة وفعالة تضمن مشروعية التحريات وحجيتها.
رابعاً: الأهمية المقارنة: تكتسب هذه الدراسة أهمية إضافية من خلال المقارنة التي أجراها الباحث بين موقف المشرع الكويتي ومواقف التشريعات الأخرى كالمشرع المصري واللبناني والأردني. وهذه المقارنة تتيح فرصة للاستفادة من تجارب الآخرين في تنظيم هذه المسألة، وطرح رؤى قد تكون أكثر اتساقاً مع الواقع العملي، مما يسهم في تطوير التشريع الكويتي بما يواكب التطورات القانونية في الأنظمة المقارنة.
أهداف البحث
انصبَّت أهداف هذا البحث حول محورين رئيسيين؛ محور نظري تحليلي يتمثل في التعمق في دراسة ماهية التحريات، وطبيعتها القانونية، وأنواعها، وشروط صحتها، ثم الوقوف على حجيتها في الإثبات الجنائي، وتناول الموقف التشريعي والقضائي منها في القانون الكويتي مع المقارنة ببعض التشريعات العربية. ومحور تطبيقي نقدي يرمي إلى الخروج بتوصيات عملية تسهم في تطوير النص القانوني بما يحقق انسجاماً أكبر بين النص والواقع العملي، وصولاً إلى مزيد من العدالة والفعالية في الإثبات الجنائي. ويمكن إجمال هذه الأهداف في النقاط التالية:
أولاً: التعريف بماهية التحريات وبيان طبيعتها القانونية: نظراً لعدم وجود تعريف قانوني محدد للتحريات في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، تهدف الدراسة إلى تقديم تعريف شامل للتحريات من خلال استقراء التعريفات الفقهية المختلفة، واستخلاص مفهوم دقيق يجمع بين عناصرها الجوهرية. كما تسعى إلى تحديد الطبيعة القانونية لهذه التحريات، ومدى كونها وسيلة إثبات مستقلة أو مجرد إجراء تمهيدي يسبق مرحلة الإثبات الرسمية، وذلك بالاستناد إلى ما ورد في النصوص القانونية والآراء الفقهية.
ثانياً: تصنيف التحريات وبيان أنواعها: تهدف الدراسة إلى وضع تصنيف واضح للتحريات من خلال تمييزها إلى نوعين رئيسين: التحريات الجنائية والتحريات غير الجنائية، ثم تقسيم كل منهما إلى أنواع فرعية. ويسهم هذا التصنيف في إزالة أي لبس حول مفهوم التحريات، وتحديد الإطار الذي تندرج ضمنه التحريات الجنائية محل البحث، ومن ثم تخصيص القواعد والحجج بما يتناسب مع كل نوع، مما يعين على ضبط الإجراءات وتحديد نطاق كل منها.
ثالثاً: استعراض الشروط اللازمة لصحة التحريات: تسعى هذه الدراسة إلى حصر وتحليل الشروط القانونية الواجب توافرها لصحة التحريات وعدم بطلانها، والتي تمثل الأسس التي تكتسب بها التحريات قيمتها القانونية. وتتضمن هذه الشروط: أن تكون التحريات خاصة بجريمة وقعت بالفعل، وأن يتم تحريرها في محضر رسمي، وأن يجريها مختص، وأن تتوافر فيها الجدية، وألا تكون مشوبة بأي وسائل غير مشروعة. كما تهدف الدراسة إلى بيان أثر انتفاء أي من هذه الشروط على القيمة الإثباتية للتحريات، مما يسهم في وضع معايير واضحة لقضاة الموضوع عند تقييمهم لهذه المحاضر.
رابعاً: تحديد حجية اعتراف المتهم في محضر التحريات: نظراً للجدل المثار حول الاعتراف الصادر عن المتهم أمام رجال الشرطة أثناء التحريات، تهدف الدراسة إلى توضيح الموقف القانوني من هذا الاعتراف، وبيان مدى حجيته في الإثبات، وذلك من خلال تحليل موقف المشرع الكويتي الذي يشترط لعرض المتهم على المحقق لتأكيد هذا الاعتراف، مما يحقق التوازن بين حماية حقوق المتهم وضمان عدم إكراهه، وبين الاستفادة من اعترافاته الصادرة بإرادته الحرة.
خامساً: دراسة موقف المشرع والقضاء الكويتي من حجية التحريات في الإثبات: يعد هذا الهدف هو الجوهر والغاية الأساسية من هذه الدراسة، حيث تسعى إلى تحديد الموقف النهائي للمشرع الكويتي من هذه المسألة وفقاً لنص المادة (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، ومقارنته بالموقف القضائي الكويتي المستقر في أحكام محكمة التمييز. ويهدف الباحث من خلال هذه المقارنة إلى إظهار الفجوة التي قد توجد بين النص القانوني الذي يجرد التحريات من أي حجية إثباتية مطلقاً، وبين الاجتهاد القضائي الذي يأخذ بهذه التحريات متى وجدت ما يساندها من أدلة أو قرائن، مما يدعو إلى ضرورة معالجة هذا التعارض الظاهري.
سادساً: المقارنة ببعض التشريعات العربية (المصري واللبناني والأردني): تهدف الدراسة إلى إلقاء الضوء على موقف التشريعات العربية المقارنة من مسألة حجية التحريات، للوقوف على أوجه التشابه والاختلاف مع القانون الكويتي. فمن خلال استعراض موقف المشرع المصري الذي يخضع محاضر جمع الاستدلالات لتقدير قاضي الموضوع وفقاً للمادة 300 من قانون الإجراءات الجنائية، وموقف المشرع اللبناني الذي يمنح هذه المحاضر قوة ثبوتية نسبية وفقاً للمادة 190 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وموقف المشرع الأردني الذي يتبنى مبدأ حرية الإثبات صراحة في المادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، يتبين للباحث مدى تباين المعالجات التشريعية لهذه المسألة، مما يثري الرؤية ويوفر بدائل يمكن الاستفادة منها في تطوير التشريع الكويتي.
أولاً: ماهية المقصود بالتحريات
بداية وقبل الخوض في موضوع هذا المقال يلزمنا أن نتعرض إلى بيان ماهية المقصود بالتحريات، خاصة وأن التحريات هي مصطلح قانوني قد لا يكون لدى غير المتخصصين أو العاملين بمجال القانون علماً بماهيته وفحواه، مما يجعل الأمر لزاماً علينا أن نتصدى إلى بيان تلك الماهية.
إذا ما طالعنا قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي رقم 17 لسنة 1960 وتعديلاته، سيتبين لنا أنه وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة للتحريات في تحديد خط سير الدعوى الجنائية،
إلا أن المشرع الكويتي لم يتعرض لها بتعريف محدد في القانون المذكور آنفاً، واكتفى بالإشارة إليها في بعض نصوصه الواردة بالباب الثاني منه والمعنون بعنوان “التحريات والتحقيق الابتدائي”، والتي منها على سبيل المثال لا الحصر:
- ما جاء بنص المادة رقم (36) من أنه “يجب على المحقق أن يقوم بالتحقيق في جميع الجنايات، وله أن يقوم بالتحقيق في الجنح إذا وجد أن ظروفها أو أهميتها تستلزم ذلك، وفيما عدا ما تقدم يكتفي في تقديم الدعوى إلى المحكمة بتحريات رجال الشرطة ..”.
- ما جاء بنص المادة رقم (37) من أنه “يجوز في التحريات وفي التحقيق البحث عن الأدلة المادية والشفوية …”
- ما جاء بنص المادة رقم (41) من أنه “يجب على رجل الشرطة أثناء قيامه بالتحري أن يسمع أقوال المبلغين ….”.
وغيرها من النصوص الأخرى التي تعرضت للإجراءات المتبعة عند القيام بالتحريات، والتي يمكن من خلالها رسم صورة عامة عن ماهية التحريات، وإن لم تكن أياً منها متضمنة لتعريف أو بيان بماهية التحريات، ونظراً لعدم اشتمال قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي على تعريف بماهية المقصود بالتحريات بشكل محدد، فقد تصدى الفقه القانوني للتحريات بأكثر من تعريف، ويمكننا أن نذكر منها على سبيل المثال التعاريف الآتي بيانها:
- عرف جانب من الفقه القانوني التحريات بأنها تلصص مشروع على الجريمة ومرتكبها، وذلك بغرض الوصول إلى المعلومات والأدلة والقرائن التي تؤكد إما صحة الاتهام الموجه للمتهم أو براءته منه[1].
- في حين عرف جانب آخر منه التحريات بأنها وسيلة من الوسائل التي أجازها القانون للبحث عن آثار الجريمة وتحديد شخص مرتكبها، ويتم إجرائها من قبل مأموري الضبط القضائي، والذين يجوز لهم أن يستعينوا بآخرين للتحصل على معلومات تخص الجريمة وتدل على مرتكبيها[2].
- وعرفت أيضا بأنها جملة الإجراءات التي يتمتع مأمور الضبط القضائي بالسلطات اللازمة لاتخاذها بغرض جمع الاستدلالات عن جريمة تم ارتكابها، وتتحقق هذه السلطة في إجراء التحريات حتى وإن لم تتحقق حالة تلبس أو لم يصدر إذن بإجرائها.
- واتجه بعض الفقه إلى تعريف التحريات بأنها مجموعة الإجراءات التي تتم بغرض الاستقصاء وجمع المعلومات التي تؤثر في كشف حقيقة الجريمة، وتساعد في الوصول إلى الجاني والمجني عليه فيها.
- بينما عرفها البعض الآخر بأنها المعلومات التي يتم الاجتهاد في البحث عنها وتحصيلها بطرق وسبل مشروعة، وذلك بهدف تمحيصها وتحليلها لتساعد في الكشف عن الحقيقة في جريمة ما، والتأكد من وقوعها ومعرفة مرتكبها.
ومن خلال هذه التعاريف آنفة الذكر يمكننا أن نستخلص تعريف شامل للتحريات، ويتمثل هذا التعريف في أن التحريات هي عملية جمع معلومات وقرائن وأمارات وتفاصيل حول الجريمة ووقائعها وشخص مرتكبها، ويتم إثبات تلك التحريات في محضر يطلق عليه “محضر التحري”، وذلك بهدف تقديم العون للمحقق في إجراء تحقيقات يترتب عليها قرارات دقيقة، والتي إما أن تكون بحفظ المحضر أو تحريك الدعوى الجنائية، وفي حالة كان القرار بتحريك الدعوى الجنائية فإن التحريات تمنح قاضي الموضوع معلومات وتفاصيل عن الجريمة تمكنه من الوصول إلى حكم يتفق مع حقيقة وقائع تلك الجريمة، وتتم تلك العملية بصورة مشروعة تتفق مع أحكام القانون.
ثانياً: الطبيعة القانونية للتحريات
يرى السواد الأعظم من الفقه القانوني أن التحريات تعتبر بمثابة وسيلة من وسائل الإثبات في المواد الجنائية، وذلك لما تقدمه التحريات من عون ومساعدة لجهات التحقيق والمحاكمة في كشف تفاصيل الجريمة، وفي رسم صورة شبه متكاملة للجريمة بعد ارتكابها، والتي قد يكون لها دوراً بالغ الأهمية في تحديد الجاني.
ولا خلاف حول هذا الدور الذي تلعبه التحريات ف مجال الإثبات الجنائي، إلا أن الطبيعة القانونية للتحريات لا تضعها في مصاف وسائل الإثبات بقدر من تضعها في مرتبة إجراء تمهيدي من الإجراءات التي يتم اتخاذها خلال مرحلة التحقيق الابتدائي في الدعوى الجنائية، لاسيما وأن الفقه القانوني في تعريفه للتحريات لم يستهل تعريفه لها بأنها وسيلة من وسائل الإثبات، بل استهل غالبية الفقه تعريفاتهم للتحريات أنها إجراء أو مجموعة من الإجراءات، ويؤيد ذلك ما جاء في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية من وصف لمحتويات محضر التحري، حيث تضمن القانون أن محتويات محضر التحري تشمل ما يلي:
- أقوال المبلغ (المبلغين) الخاصة بالبلاغ المقدم منهم، وذلك بما يشتمل على اسم المبلغ واسم المقدم ضده البلاغ وعنوانه وتفاصيل البلاغ وغيرها من التفاصيل الأخرى ذات العلاقة.
- أقوال الشهود التي يتم سماعها من قبل مأمور الضبط القائم على إجراء التحريات دون تحليفهم اليمين.
- الأقوال التي يدلي بها المتهم وما يبديه من دفاع ودفوع بشأن الواقعة المنسوب إليه ارتكابها.
- ما يتم اتخاذه من قبل مأمور الضبط من أعمال وإجراءات عند انتقاله إلى محل الواقعة.
- أي معلومات أخرى تتعلق بالواقعة محل التحري يكون مأمور الضبط قد توصل إليها بطرق مشروعة.
وهو ما يتبين منه أن التحريات لا تعد في حد ذاتها وسيلة للإثبات بقدر ما هي إجراء يستهدف الوصول إلى أي أدلة إثبات مادية كانت أو شفوية يمكن أن يستدل منها على وقائع الجريمة وتفاصيلها، بل ويمكن أن تدل على شخص مرتكب الجريمة أو كيفية الوصول إليه، وبالتالي يمكن توصيفها بأنها إجراء ينتج عنه وعاء (محضر التحري) يشتمل على مجموعة من وسائل وأدلة الإثبات المختلفة، والتي يمكن من خلالها للمحقق أن يستوضح حقيقة الأمر في الجريمة، أو يتبين من خلالها عدم وجود جريمة من حيث الأصل.
ثالثاً: أنواع التحريات
لا تقتصر التحريات بوجه عام على نوع واحد من التحريات، فكما أن هناك تحريات جنائية فهناك أيضاً تحريات غير جنائية، والتحريات غير الجنائية أكثر من نوع، والتي من أهمها وأبرزها نذكر ما يلي:
1- التحريات المالية
والتي تختص بتحديد القدرة المالية لشخص ما، كما هو الحال في التحريات التي يتم إجرائها عن الزوج في قضايا النفقة، والتي يستهدف من خلالها تحديد مدى يساره المالي لتحديد نفقة زوجية أو نفقة صغار تتناسب مع هذا اليسار.
2- التحريات القضائية
وهي التحريات التي تأمر الجهات القضائية بإجرائها بشأن واقعة معينة (غير جنائية)، ومنها على سبيل المثال التحريات التي تأمر المحكمة بها لمعرفة محل إقامة شخص ما، والتحريات التي تأمر بها النيابة العامة في منازعات الحيازة لتحديد شخص الحائز.
3- التحريات الإدارية
وهي التحريات التي تأمر بإجرائها إحدى الجهات الإدارية، والتي يمكننا أن نذكر كمثال عليها التحريات التي تأمر بها جهة إدارية بشأن شخص ما، وذلك لتقدم هذا الشخص بطلب لشغل وظيفة من الوظائف العامة، وتكون تلك التحريات بغرض الوقوف على مدى صلاحية هذا الشخص لشغل تلك الوظيفة من عدمه.
وغيرها من التحريات الأخرى التي تصنف كتحريات غير جنائية، والتي نكتفي بما تقدم ذكره بشأنها، لاسيما وأن موضوعنا هذا يدور في فلك التحريات الجنائية، وبالتالي لن نخوض في عمار الحديث عن النوع الثاني المتمثل في التحريات غير الجنائية بشكل موسع.
أما بشأن التحريات الجنائية فهي التحريات التي تتم بغرض البحث والاستقصاء عن أي معلومات أو قرائن أو أدلة تخص جريمة ما، وذلك للوقوف على وقائعها وشخص مرتكبها، وفي هذا الشأن يمكننا أن نصنف التحريات الجنائية إلى نوعين رئيسيين وهما:
النوع الأول: التحريات الذاتية من قبل رجال الشرطة
ويقصد بالتحريات الذاتية التحريات التي يقوم بها رجال الشرطة من تلقاء ذاتهم دون الحاجة إلى إذن أو تكليف بها، وهذا النوع من التحريات هو حق أصيل للشرطة باعتبارها جهة إدارية قائمة على حفظ النظام العام ومنع الجرائم، وتستمد الشرطة هذا الحق من القانون كمهمة أساسية من المهام المنوط بها تنفيذها.
وسندنا في ذلك ما جاء بنص المادة رقم (39) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، والتي نصت على أن “الشرطة هي الجهة الإدارية بحفظ النظام ومنع الجرائم، وتتولى إلى جانب ذلك وطبقاً لهذا القانون المهمات الآتية: أولاً: إجراء التحريات اللازمة للكشف عن الجرائم ومعرفة مرتكبيها وجمع كل ما يتعلق بها من معلومات لازمة”، وهذا النص يوضح أن من ضمن المهام التي حددها القانون وأناط بها الشرطة هي إجراء التحريات، ولم يشترط لقيامها بتلك المهمة الحصول على إذن بها.
النوع الثاني: التحريات من قبل رجال الشرطة بتكليف من المحقق
إذا كان إجراء التحريات اللازمة للكشف عن الجرائم ومعرفة مرتكبيها هو حق أصيل ومهمة أساسية للشرطة، فإن هناك حالة أخرى يكون قيام الشرطة فيها بإجراء تلك التحريات بتكليف من المحقق الذي يتولى التحقيق في تلك الجريمة، والذي يصدر أمره للشرطة بالقيام بالتحريات أو بالاستمرار في إجرائها.
وهذا النوع من التحريات الجنائية قرره المشرع الكويتي بموجب نص المادة رقم (47) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، والتي جاء بها أن “للمحقق عندما يصله بلاغ أو محضر تحريات من الشرطة بشأن حادث معين أن يتصرف على أحد الأوجه الآتية تبعاً لما تقتضيه أهمية الجريمة وظروفها: … ثالثاً: أن يأمر الشرطة بالاستمرار في تحرياتها إذا لم يجد داعياً لفتح التحقيق”.
ومن خلال النص آنف البيان نستخلص أن قيام الشرطة بإجراء التحريات قد يكون بناء على أمر يصدره المحقق، وذلك بعد أن تعرض عليه تحريات الشرطة ويتبين له أنها ليست كافية لإجراء التحقيق، فيقوم بإعادة محضر التحريات إلى الشرطة لاستكمال تلك التحريات بشكل أدق وعلى نطاق أوسع وأشمل.
رابعاً: الشروط اللازمة لصحة التحريات
حتى يمكننا أن نتصدى للبحث في مدى حجية التحريات كدليل في الإثبات الجنائي، فإن ذلك الأمر يستلزم أولاً أن تكون تلك التحريات سليمة من أي عيوب قانونية قد تشوبها، وأن تستوفي كافة الشروط والمتطلبات التي يستلزم القانون توافرها بها، وفي هذا الصدد يمكننا أن نحصر تلك الشروط والمتطلبات اللازمة لصحة التحريات وتجنب إبطالها، وذلك على النحو الوارد في النقاط التالية:
1- أن تكون التحريات خاصة بجريمة وقعت بالفعل
بتعلق هذا الشرط بالجريمة التي تتم التحريات بشأنها، وفحوى هذا الشرط هو أن تكون التحريات التي يقوم بها رجل الشرطة هي جريمة قد تم ارتكابها بالفعل وتحققت آثارها على أرض الواقع، فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتم إجراء التحريات بشأن جريمة لم يتم ارتكابها بعد حتى وإن كانت إمكانية وقوعها مستقبلاً قائمة.
2- أن يتم تحرير محضر تحري
تطلب قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي أن تكون التحريات مثبتة بشكل مكتوب في محضر يسمى “محضر التحري”، وذلك الشرط هو شرط بديهي حتى تكتسب تلك التحريات قيمة قانونية، لاسيما وأنه في حالة أن كانت التحريات شفهية ولم يتم تدوينها، وأدلى بها مأمور الضبط بمحضر تحقيق أمام المحقق، فإنها تتحول من تحريات إلى شهادة من قبل مأمور الضبط[3].
وقد استلزم المشرع الكويتي ذلك الشرط بموجب نص المادة رقم (40) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، وذلك فيما جاء بها من أن “تختص الشرطة بتلقي البلاغات عن جميع الجرائم وعليها أن تقوم بفحصها وجمع المعلومات المتعلقة بها وإثباتها في محضر التحري“، كما أن ذات القانون قد تطلب عرض محضر التحري على النيابة العامة، وهو ما لا يتصور حدوثه في حال لم تكن تلك التحريات محررة في شكل مكتوب.
3- أن يتم إجراء التحريات من مأمور ضبط قضائي (رجل الشرطة)
منح القانون الكويتي الاختصاص بإجراء التحريات الخاصة بالجرائم المختلفة لمأموري الضبط القضائي المتمثلين في رجال الشرطة، وذلك طبقاً لما سبق وأن ذكرناه آنفاً عند تعرضنا لمضمون نص المادة رقم (39) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، والتي قررت أن إجراء التحريات هي وظيفة ومهمة رجال الشرطة، وبالتالي فإن إجرائها من قبل أي شخص آخر يجعل التحريات مشوبة بالبطلان لكونها قد تمت من قبل من لا يملك الاختصاص بذلك.
4- ألاختصاص المكاني للقائم بالتحريات
يتعلق هذا الشرط بالاختصاص المكاني لرجل الشرطة القائم بإجراء التحريات، ومفاد هذا الشرط هو أن يكون رجل الشرطة مختص اختصاصاً مكانياً بإجراء تلك التحريات، وبمعنى آخر أن يكون ملتزماً في إجرائها بحدود دائرة اختصاصه، ولا ينال من ذلك الشرط قيام رجل الشرطة بتجاوز حدود اختصاصه المكاني وإجراء تحريات خارج نطاق هذا الاختصاص، وذلك متى كان ما قام به نتاجا لحالة من حالات الضرورة التي تستدعيها عملية استكمال لتحريات كان يمارسها داخل نطاق اختصاصه المكاني، وعلى سبيل المثال لذلك أن تقوده التحريات التي يقوم بها داخل دائرة اختصاصه المكاني بشأن المتهم إلى مكان يقع خارج حدود هذا الاختصاص ويتواجد فيه المتهم حالياً، مما يستدعي الأمر معه انتقال رجل الشرطة إلى هذا المكان لاستكمال تحرياته.
5- أن يتضمن محضر التحري البيانات والمعلومات التي يستلزمها القانون: استلزم قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي مجموعة من البيانات والمعلومات التي يجب أن يتضمنها محضر التحري ولا تصح إلا بتحققها، ويمكننا أن نوجز تلك البيانات والمعلومات في النقاط التالية:
- الأقوال التي يدلي بها مقدم البلاغ.
- الأقوال والدفوع التي يدلي بها المتهم وما قد يصدر منه من إقرارات.
- أقوال الشهود التي يدلون بها إلى رجل الشرطة دون تحليفهم اليمين.
- كافة الإجراءات التي قام بها رجال الشرطة بشأن الحادث بغض النظر عن كونها أسفرت عن نتيجة من عدمه.
6- أن تتم التحريات بطرق مشروعة
اشترط القانون عند إجراء التحريات من قبل رجل الشرطة ان يتحقق فيها شرط الشرعية، بمعنى أن تتم التحريات بشكل مشروع وبدون استخدام أي وسائل أو طرق تخالف القانون، وذلك طبقاً لما نصت عليه المادة رقم (45) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي من أن “لرجال الشرطة عند قيامهم بالتحريات أن يستعملوا وسائل البحث والاستقصاء التي لا تضر بالأفراد ولا تقيد حرياتهم ….)، وبالتالي فإن لجوء رجل الشرطة عند قيامه بإجراء التحريات إلى وسائل غير مشروعة لا يقرها القانون فإن تحرياته عندئذ تتسم بأنها غير مشروعة وتكون محل بطلان لابتنائها على معلومات مستمدة من طرق ووسائل غير مشروعة حتى وإن كانت تلك التحريات صحيحة وتطابق الواقع.
وعلى سبيل المثال للطرق والوسائل غير المشروعة التي يمكن أن يستخدمها رجل الشرطة في تحرياته ويترتب عليها بطلان تلك التحريات نذكر ما يلي:
- دخول مسكن بدون إذن من النيابة العامة لتفتيشه بما يعد اعتداء على حرمة المسكن والحياة الخاصة، وتكون التحريات باطلة فيما يخص أي معلومات أو أدلة أو قرائن ترتبت على ها التفتيش.
- التنصت دون إذن من النيابة العامة على مكالمات هاتفية أو مراسلات أو غيرها من وسائل التواصل الأخرى.
- مراقبة الأشخاص أو اختلاس النظر عليهم من مكان خفي أثناء تواجدهم بأماكن خاصة، ما لم يكن رجل الشرطة القائم بالتحري قد تحصل على إذن بذلك من النيابة العامة.
7- عرض محضر التحري على النيابة العامة أو محققي الشرطة
حتى يكون محضر التحري صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية، فيجب أن يقوم رجل الشرطة بعد الانتهاء من تحرياته بعرض محضر التحري على النيابة العامة، أو على محققي الشرطة متى كان المحقق قد انتدب أحد رجال الشرطة للتحقيق في القضية التي تمت بها التحريات فاكتسب الأخير صفة المحقق، ويكون هذا العرض بغرض التحقق من كون التحريات مستوفاه من عدمه، فإذا كانت غير مستوفاه يتم ردها للشرطة لاستكمال التحريات، أما إذا كانت مستوفاه فيتم التصرف في المحضر من قبل المحقق.
8- جدية التحريات
هذا الشرط من الشروط الهامة والجوهرية التي يلزم تحققها في التحريات، وعلى الرغم من أن تقدير تحقق هذا الشرط وما إذا كانت التحريات تتسم بالجدية أم لا هو من إطلاقات السلطة التقديرية لقاضي الموضوع الذي ينظر القضية، إلا أن المقصود بالجدية كشرط لصحة التحريات هو أن تكون متسمة بالجدية في ظاهرها، فلا تتضمن معلومات متناقضة أو مغالطات واضحة.
ولا يشترط لتحقق الجدية أن تكون التحريات مطولة لاسيما وأن العبرة بالمضمون وليس بالكم، حيث يكفي لتحقق شرط جدية التحريات أن تكون متسقة مع سائر الأدلة المتوافرة، وأن تتضمن تفصيلات دقيقة مؤيدة بوقائع أو أدلة أو حتى قرائن مادية، حتى وإن كانت تلك التحريات مقتضبة وغير مطولة.
خامساً: حجية اعتراف المتهم في محضر التحريات
كما سبق وأن ذكرنا آنفاً فإن محضر التحري يمثل وعاء يتضمن أكثر من وسيلة إثبات، ومن تلك الوسائل ما قد يصدر من المتهم من اعتراف بارتكاب الجريمة التي يتم إجراء التحريات بشأنها، لاسيما وأن من ضمن محتوى محضر التحريات سماع أقوال المتهم، والذي قد يدلي خلال تلك الأقوال باعتراف صريح بأنه قد ارتكب تلك الجريمة محل التحقيق، فهل لهذا الاعتراف حجية في الإثبات أم لا؟ وفي حال كان له حجية فما هو مدى قوة تلك الحجية من حيث الإلزام بالأخذ بهذا الاعتراف؟
أجاب المشرع الكويتي على تلك التساؤلات في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، حيث لم يجعل لهذا الاعتراف الصادر من المتهم بمحضر التحري أي حجية في حد ذاته، بل استلزم لتمتعه بالحجية أن يتم عرض المتهم على المحقق ليقوم باستجوابه بشأن هذا الاعتراف، والوقوف على مدى صحته من عدمه، لاسيما وأن هناك من المتهمين اللذين يدلون باعترافاتهم أمام رجل الشرطة من يزعمون أمام المحكم خلال محاكمتهم أنه قد تم إكراههم على مثل تلك الاعترافات، وبالتالي وقطعاً لهذا السبيل فقد استلزم المشرع في مثل تلك الاعترافات أن يتم عرضها على المحقق، وذلك للتأكد من أن الاعتراف قد تم بإرادة المتهم منعاً للطعن عليه فيما بعد.
سادساً: الآثار المترتبة على التحريات
بعيداً عن مسألة مدى حجية التحريات في الإثبات والتي سنتعرض إليها في موضعها فإن محضر التحريات في حد ذاته يمكنه أن يرتب آثار ينتج عنها أدلة قاطعة ذات دلالة وحجية قوية في الإثبات، وتتمثل أهم تلك الآثار في التفتيش وإعادة فتح التحقيق.
1- التفتيش
يعد يعد التفتيش إجراءاً هاماً يمكن أن ينتج عنه أدلة هامة تفيد في كشف حقيقة الجريمة ومعرفة مرتكبها، وهو إجراء له أسباب متعددة من أهمها التحريات التي يقوم بها رجل الشرطة.
فوفقاً لقانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي يجوز لرجل الشرطة القائم على التحريات متى أسفرت تلك التحريات عن ضرورة إجراء تفتيش لمكان كمسكن المتهم أو غيره أو تفتيش شخص ما كالمتهم أو غيره، أن يقوم بعرض محضر التحري على المحقق الذي يتولى التحقيق في الجريمة التي تتم التحريات بشأنها، ويطلب منه إصدار إذن بتفتيش المكان أو الشخص المطلوب.
وبالتالي متى وجد المحقق أن التحريات المثبتة بمحضر التحري تتسم بالجدية وتستدعي بالفعل إجراء هذا التفتيش، فإنه يصدر الإذن بالتفتيش لرجل الشرطة، وهذا التفتيش قد يثمر عن أدلة تساعد في كشف حقيقة الجريمة أو معرفة مرتكبها، بما يتحقق معه دليل ذو حجية في الإثبات كنتيجة للتحريات التي تم إجراءها، والتي قادت إلى التفتيش الذي أوجد هذا الدليل.
2- إعادة فتح التحقيق
بعد انتهاء رجل الشرطة من إجراء التحريات في الجريمة، فإنه وكما سبق أن أوضحنا سلفاً يقوم بعرض محضر التحري على المحقق للتصرف فيها، ويختلف تصرف المحقق في أوراق الدعوى بحسب ما تسفر عنه تلك التحريات وما تضمه أوراقها من أدلة، ومتى كانت أدلة الدعوى وما تم بها من تحريات غير كافية لتقديم المتهم للمحاكمة فإن المحقق يصدر قراره بحفظ التحقيق مع توجيه أمره إلى الشرطة بالاستمرار في التحريات، والحفظ في هذه الحالة يكون حفظاً مؤقتاً وليس نهائياً لأن الحفظ النهائي يكون بناء على أن التحريات والأدلة أثبتت أن المتهم ليس له علاقة بالجريمة، بينما الحفظ المؤقت هو الحفظ الذي يستند إلى عدم كفاية التحريات والأدلة لتقديم المتهم للمحاكمة، أو عدم قدرة المحقق على تحديد شخص مرتكب الجريمة.
فإذا ما أسفرت التحريات الجديدة التي يقوم بها رجل الشرطة – استكمالاً لتحرياته السابقة – عن أدلة جديدة، وأصبح هناك رابط يمكن أن يربط المتهم بالجريمة أو كشفت تلك التحريات عن شخص مرتكب الجريمة، أو أي دليل جديد يكون له تأثير في قرار الحفظ المؤقت السابق صدوره من المحقق، فيكون للمحقق عندئذ الحق في إعادة فتح التحقيق بناء على الأدلة الجديدة التي تضمنتها تلك التحريات.
وفي ذلك قضت محكمة التمييز الكويتية في أحد أحكامها أنه “ولما كان الثابت من الأوراق أن النيابة العامة قررت حفظ التحقيق مؤقتاً لعدم معرفة الفاعل وتكليف الشرطة بموالاة البحث والتحري عنه، وأنه بإجراء التحريات عن الواقعة توصلت إلى معرفة مرتكبها وهو الطاعن، مما تعد أدلة جديدة لم تكن قد عرضت على النيابة العامة عند إصدارها لقرارها السابق، فإن ذلك يجيز لها العودة إلى التحقيق”[4].
سابعاً: موقف المشرع والقضاء الكويتي من حجية التحريات في الإثبات
كان موقف المشرع الكويتي من مسألة حجية التحريات في الإثبات في المواد الجناية واضحاً، حيث اعتبر أن محاضر التحري بما تحتويه من تحريات ليس لها أي حجية في الإثبات، وذلك طبقاً لما ورد بنص المادة رقم (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي من أن “محاضر التحري التي يحررها رجال الشرطة يجب عرضها على النيابة العامة أو محققي الشرطة بحسب الأحوال للتصرف فيها ومباشرتها، وعلى هؤلاء التأكد من استيفائها، ولا يكون لهذه المحاضر حجية في الإثبات أمام القضاء“.
ومن خلال نص هذه المادة يتبين لنا أن المشرع الكويتي لم يمنح التحريات أي حجية في الإثبات الجنائي بشكل واضح وصريح، مما يترتب على ذلك آثار عديدة منها على سبيل المثال أنه يجوز لأي شخص من ذوي الشأن كالمتهم أو المجني عليه أن يثبت ما يخالف أي واقعة من الوقائع التي تضمنتها التحريات، وذلك بأي وسيلة من وسائل الإثبات، دون الحاجة عندئذ إلى سلوك سبيل الطعن بالتزوير[5].
أما عن موقف القضاء الكويتي فإن مبدأ حرية القاضي في الاقتناع وسلطته التقديرية قي تقدير الأدلة وتغليب بعضها على الآخر هو المبدأ الذي يعتمده القضاء الكويتي، كما تعتمده الغالبية العظمى من من التشريعات والقوانين المعاصرة، وقد اعتمد المشرع الكويتي أيضاً هذا المبدأ، ونستدل على ذلك من خلال ما جاء بنص المادة رقم (151) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية من أنه “تعتمد المحكمة في اقتناعها على الأدلة المستمدة من التحقيق الذي أجرته في القضية أو من التحقيقات السابقة على المحاكمة، ولها الحرية المطلقة في ترجيح دليل على دليل وتكوين اقتناعها حسبما يوحيه إليه ضميرها”.
وهو ما يستفاد منه أن القاعدة العامة في الإثبات في المواد الجنائية هي أن القاضي الجنائي لا يتقيد في تكوين قناعته بأدلة إثبات محددة، بل يتقيد في ذلك بما يطمئن إليه ضميره منها فيستند إليه ويطرح ما عداه، ومن ضمن تلك الأدلة تحريات الشرطة وما ورد بمحضر التحري من استدلالات ومعلومات، حيث أنها وعلى الرغم من كونها محاضر رسمية إلا أنها لا تلزم المحكمة بالأخذ بما ورد بها، بل يكون للمحكمة السلطة التقديرية في طرحها متى لم تطمئن إلى الأقوال الواردة بها والتي تم الإدلاء بها أمام رجل الشرطة، أو تشككت في مضمون التحريات وارتأت أنها غير متوافقة مع بعضها البعض أو مع وقائع الدعوى وأدلتها، وذلك جميعه باعتبار أن محضر التحري يشتمل على جملة من عناصر ووسائل الإثبات، والتي تخضع مثلها في ذلك من الأدلة لتقدير قاضي الموضوع، والذي يتمتع بسلطة الأخذ بها من عدمه، فيجوز للقاضي أن يغلب أقوال المتهم أمام الشرطة على أقواله أمام المحقق والعكس صحيح، وذلك وفقاً لما يستقر في وجدانه وضميره.
وقد جرت أحكام محكمة التمييز في صدورها على ترسيخ هذا المبدأ، حيث قضت بأنه “من المقرر في قضاء محكمة التمييز أن الأدلة في المواد إقناعية وللمحكمة أن تلتفت عن دليل النفي ولو حملته أوراق رسمية مادام يصح في العقل أن يكون غير ملتئم مع الحقيقة التي اطمأنت إليها من باقي الأدلة القائمة في الدعوى”[6].
وقد منح القضاء الكويتي للتحريات مكانة خاصة تتميز عن المكانة التي منحها لها المشرع الكويتي، حيث أنه وبالرجوع إلى نصوص قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية نجد أن المشرع لم يقم بالتفرقة بين التحريات والاستدلالات، بل تعامل معهما كما لو أنهما مسميان لذات الإجراء، بينما اتجه القضاء الكويتي إلى التفرقة فنياً بين المسميين وتعامل مع كل منهما على حدة باعتباره وحدة مستقلة عن الأخرى، حيث تضمن في أحكامه الصادرة بهذا الشأن أنه متى كانت الإجراءات التي تمت في الجريمة قد تمت بغرض كشف حقيقة الجريمة والجاني الذي ارتكبها فإنها تعد تحري، بينما إذا كان الغرض من تلك الإجراءات هو الوصول إلى دليل من الأدلة الخاصة بإثبات الاتهام فإنها تعد استدلال[7].
وهو ما يتبين منه أنه وعلى الرغم من تقرير المشرع صراحة في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أن محاضر التحري بما تتضمنه من تحريات لا تتمتع بأي حجية في الإثبات أمام القضاء الجنائي، فإن القضاء فطن إلى أن هذا النص لا يؤخذ به على إطلاقه، بمعنى أن ذلك لا يهدر القيمة الكاملة للتحريات بشكل تام، بل يؤخذ به في إطار إمكانية نفي ما جاء في تلك التحريات بكافة طرق الإثبات المختلفة، كما لا يمكن الاعتماد والتعويل عليها وحدها لتكون قرينة أو دليل أساسي يتم بموجبه إثبات الاتهام، بل يتم الأخذ بها وبحجيتها متى استندت إلى دلائل أو قرائن تعضدها وتقوي منها، فعندئذ يجوز للمحكمة تقدير قوة حجيتها والأخذ بها أو الالتفات عنها.
بل إن القضاء قد أخذ بالتحريات وما يترتب عليها من تفتيش على الرغم من الطعن عليها بعدم الجدية، ويتبين لنا ذلك من خلال حكم محكمة التمييز الكويتية والتي قضت فيه بأن “وحيث أنه عن الدفع ببطلان إذن التفتيش لابتنائه على تحريات غير جدية، فهو مردود بأن المحكمة اطمأنت إلى ما بان من الاطلاع على الأوراق أنه قد صدر لضبط جريمة تحقق وقوعها من المتهم “[8].
وهو ما يوضح أن موقف القضاء الكويتي من حجية التحريات هو موقف نسبي، بمعنى أنه ينظر إلى القيمة الفعلية والحقيقية للتحريات في الإثبات في ظل مدى جديتها وتوافقها مع باقي الأدلة والقرائن التي تساندها في مضمونها، بحيث لا يكون لها حجية في الإثبات متى لم يكن هناك ما يساندها من الأدلة والقرائن، في حين أنه إذا وجد دليل أو قرينة أو أكثر تؤيد ما جاء بالتحريات، وكانت التحريات جدية ومتسقة مع بعضها البعض، فيجوز للمحكمة عندئذ التعويل عليها في تكوين عقيدتها وإصدارها للحكم.
واستناداً إلى ما سبق فإننا نرى أنه كان من الأفضل والأكثر تناسباً مع الواقع العملي أن يتخذ المشرع الكويتي في هذا الشأن أياً من المواقف التالية:
- أن يتم التعديل على قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي في مادته رقم (46) بحذف العبارة الواردة في عجزها، وهي عبارة “ولا يكون لهذه المحاضر حجية في الإثبات أمام القضاء“، وذلك لكونها قد يتم تفسيرها على خلاف حقيقتها بأن تؤخذ على إطلاقها ، لاسيما وأنه وعلى الرغم من ذكرها في القانون فإن القضاء يأخذ بها متى وجدت أدلة أو قرائن تساندها، وبالتالي لم يخلع عنها الحجية في الإثبات بشكل مطلق.
- أن يتم الإبقاء على نص المادة كما هو، مع إضافة عبارة “إلا في حالة وجود ما يساندها من الأدلة أو القرائن”، لتصبح الصياغة النهائية للفقرة الأخيرة بتلك المادة على النحو التالي “ولا يكون لهذه المحاضر حجية في الإثبات أمام القضاء إلا في حالة وجود ما يساندها من الأدلة أو القرائن”، وذلك حتى يكون هناك توازن بين عدم حجية التحريات في حد ذاتها بشكل مستقل، وبين تمتعها بالحجية في حالة توافرت أدلة أو قرائن تساند مضمون تلك التحريات.
- أن يتم استبدال عبارة “ولا يكون لهذه المحاضر حجية في الإثبات أمام القضاء” بعبارة أخرى قوامها “وتتمتع محكمة الموضوع بالسلطة التقديرية في تحديد مدى حجية تلك المحاضر في الإثبات من عدمه”، وذلك باعتبار أن الواقع العملي يؤكد أن السلطة التقديرية للمحكمة في ظل ما هو متوافر في الدعوى من أدلة وقرائن هي الفيصل في اعتماد حجية التحريات في الإثبات من عدمه.
وخلاصة القول في هذا الشأن أن ما قرره القانون بشأن عدم تمتع محاضر التحريات بأي حجية في الإثبات يمكن أن يتعارض في تفسيره مع ما جرت عليه أحكام محكمة التمييز في صدورها في المواد الجنائية، خاصة وأن ظاهر نص المادة رقم (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية يوحي بأن النص مطلق ولا يجيز بأي حال من الأحوال اعتماد أي حجية للتحريات، وهو ما يجعل من التعديل على هذا النص بأياً من التعديلات التي سبق وأن طرحناها آنفاً هو أمر سيكون له تأثيراً إيجابياً على تفسير النص القانوني وفهم فحواه بشكل يتوافق مع مقصد المشرع، وأيضاً على تطبيق هذا النص عملياً على القضايا الجنائية المطروحة على القضاء.
ثامناً: موقف المشرع المصري واللبناني والأردني:
بالنسبة للمشرع المصري فمحاضر التحريات (أو محاضر جمع الاستدلالات) في القانون المصري ليس لها حجية ملزمة أو قاطعة في الإثبات الجنائي، وتخضع لتقدير قاضي الموضوع وفقاً لمبدأ حرية القاضي في تكوين عقيدته.
الأساس القانوني :
نصت المادة 300 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه:
“لا تتقيد المحكمة بما هو مدون في التحقيق الابتدائي، أو في محاضر جمع الاستدلالات، إلا إذا وجد في القانون نص على خلاف ذلك”.
هذا يعني أن ما يرد في محاضر التحريات (سواء التي يجريها مأمورو الضبط القضائي أو المباحث) ليس دليلاً قاطعاً يُلزم المحكمة، بل هو مجرد عنصر من عناصر الاستدلال أو قرينة يمكن الاستئناس بها.
موقف محكمة النقض المستقر :
استقرت أحكام محكمة النقض المصرية على المبادئ التالية:
التحريات وحدها لا تصلح سنداً للإدانة: لا يجوز بناء حكم الإدانة على محضر التحريات بمفرده. فهي مجرد رأي لمُجريها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان والصدق والكذب، حتى يُعرف مصدرها ويتحدد ويتحقق القاضي منه بنفسه.
يجوز للمحكمة أن تعول على التحريات كقرينة معززة لما ساقته من أدلة أخرى (مثل شهادة شهود، اعتراف، أدلة مادية، تقارير فنية…)، بشرط أن تكون مطروحة على بساط البحث وأن تطمئن إليها المحكمة.
تقدير جدية التحريات من المسائل الموضوعية التي يستقل بها قاضي الموضوع، ولا رقابة عليه من محكمة النقض ما دام تقديره سائغاً ومستنداً إلى ما له أصل في الأوراق.
إذا كانت التحريات هي الدليل الوحيد ولم تُعزز بأدلة أخرى يقينية، فإنها تكون قاصرة عن حمل الاتهام، ويتعين القضاء بالبراءة
وبالنسبة للمشرع اللبناني فالبرجوع للقانون اللبناني وبالتحديد (قانون أصول المحاكمات الجزائية) نجد أن لبنان يعتمد على نظام الإثبات الحر (المختلط في بعض الجوانب)، وفقاً للمادة 179: يمكن إثبات الجرائم بطرق الإثبات كافة ما لم يرد نص مخالف.
لا يبني القاضي حكمه إلا على الأدلة التي توافرت لديه ووُضعت قيد المناقشة العلنية أثناء المحاكم، و.يقدر القاضي الأدلة بهدف ترسيخ قناعته الشخصية.
أما بخصوص المحاضر تحديداً، فنصت المادة 190 على الآتي:
“إن المحاضر والتقارير المضمومة إلى ملف الدعوى لا تتمتع بالقوة الثبوتية إلا إذا كانت صحيحة في الشكل وكان من نظمها قد وضعها في حدود وظيفته واختصاصه وأثبت فيها ما شاهده أو سمعه أو تحقق منه بنفسه.
إذا كان المحضر هو مما أوجب القانون اعتماده حتى ثبوت تزويره فعلى القاضي أن يأخذ به. لا يجوز له أن يفسح المجال لإقامة البينة الشخصية على ما يخالفه.
إذا كان المحضر هو مما يوليه القانون قوة ثبوتية حتى ثبوت عكس ما ورد فيه فللمدعى عليه أن يثبت ما يخالفه بالبينة الخطية أو بالشهادة».
الخلاصة العملية في لبنان:
محاضر التحريات والاستدلالات التي تنظمها الضابطة العدلية (تحت إشراف النيابة العامة) في مرحلة التحقيق الأولي لا تتمتع بحجية مطلقة.
تكون لها قوة ثبوتية نسبية فقط إذا استوفت الشروط الشكلية والموضوعية (صحة الشكل، الاختصاص، إثبات ما شاهده أو تحقق منه المحرر بنفسه).
ما ينقله المحرر عن الغير أو ما يكون رأياً شخصياً أو تحريات عامة يبقى خاضعاً لتقدير القاضي، ويمكن إثبات عكسه.
بعض المحاضر الخاصة (مثل الجمركية أو المخالفات في قوانين خاصة) قد تتمتع بحجية أقوى إلى حين إثبات التزوير أو العكس.
وفيما يتعلق بالقانون الأردني فوفقاً لـ (قانون أصول المحاكمات الجزائية) نجد أن الأردن يتبنى مبدأ حرية الإثبات صراحة في المادة 147:
“تقام البينة في الجنايات والجنح والمخالفات بجميع طرق الإثبات ويحكم القاضي حسب قناعته الشخصية”.
الخلاصة العملية في الأردن:
محاضر التحريات العادية (خاصة في الجنايات) تُعامل كمجرد معلومات أو قرائن، ولا تصلح وحدها سنداً للإدانة، ويجوز للمحكمة التعويل عليها كعنصر معزز إذا اطمأنت إليها وتساندت مع أدلة أخرى، ومحكمة التمييز الأردنية تؤكد سلطة محكمة الموضوع في وزن هذه المحاضر وفقاً لقناعتها الشخصية، مع مراعاة الشروط الشكلية والموضوعية، كما أن التقارير الفنية المخبرية أو بعض الضبوط الخاصة قد تتمتع بحجية أقوى نسبياً.
نتائج البحث :
توصل الباحث بعد الدراسة المتأنية والنقد المتعمق لموضوع حجية التحريات كدليل إثبات في القانون الجنائي الكويتي إلى مجموعة من النتائج التي يمكن إجمالها في النقاط التالية:
أولاً: خلط المشرع بين التحريات والاستدلالات: تبين من خلال تحليل نصوص قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي أن المشرع لم يفرق بين مصطلحي “التحريات” و”الاستدلالات”، بل تعامل معهما كمصطلحين مترادفين، وهو ما يعد خللاً منهجياً من الناحية القانونية والفنية. إذ أن التحريات هي عملية البحث والاستقصاء التي تسبق جمع الأدلة، بينما الاستدلالات هي ثمرة هذه العملية وما تسفر عنه من أدلة وقرائن. وقد تصدى القضاء الكويتي لهذا الخلط من خلال التفرقة بين المفهومين في أحكامه، حيث اعتبر أن الإجراءات التي تهدف إلى كشف حقيقة الجريمة والجاني هي تحريات، بينما التي تهدف إلى الوصول إلى دليل إثبات هي استدلالات. إلا أن هذا التباين بين موقف المشرع والقضاء يخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني، ويؤكد ضرورة تدخل المشرع لتوحيد المفاهيم بما يتوافق مع الواقع العملي.
ثانياً: التحريات ليست وسيلة إثبات مستقلة بذاتها: أثبتت الدراسة أن التحريات في جوهرها ليست وسيلة إثبات قائمة بذاتها، بقدر ما هي إجراء تمهيدي يسبق الإثبات، ووعاء يجمع أدلة وقرائن مختلفة. فهي لا تثبت واقعة الجريمة بذاتها، بل تقدم معلومات أولية واستدلالات يحتاجها المحقق للوصول إلى أدلة قاطعة. وتتمثل قيمتها الحقيقية في قدرتها على توجيه مسار التحقيق، وكشف خيوط الجريمة، والوصول إلى الأدلة المادية أو الشفوية التي تشكل الأساس الحقيقي للإثبات الجنائي. مما يستدعي النظر إليها كأداة تمهيدية لا غنى عنها، وإن كانت تفتقر إلى الحجية المباشرة في الإثبات.
ثالثاً: موقف المشرع الكويتي واضح في تجريد التحريات من الحجية: تبين للباحث من خلال تحليل نص المادة (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي أن المشرع قد اتخذ موقفاً صريحاً وحاسماً من هذه المسألة، حيث نص صراحة على عدم حجية محاضر التحري في الإثبات أمام القضاء. وهذا الموقف يستند إلى اعتبارات موضوعية، من أهمها أن التحريات تتم خارج إطار الضمانات القضائية التي تحيط بالتحقيق الرسمي، كسماع الشهود تحت اليمين، وحضور المتهم مع محاميه، والمواجهة، مما يجعل المعلومات الواردة فيها غير مضمونة الدقة وغير محاطة بضمانات الكشف عن الحقيقة. كما أن التحريات كثيراً ما تتضمن معلومات غير مؤكدة، أو آراء شخصية لمأمور الضبط، أو استنتاجات غير مدعومة بأدلة، مما يجعل الاعتماد عليها وحدها في الإثبات أمراً غير مضمون.
رابعاً: الموقف القضائي الكويتي أكثر مرونة: على الرغم من موقف المشرع الحاسم، إلا أن الباحث وجد أن القضاء الكويتي قد اتخذ موقفاً أكثر مرونة وتوازناً، حيث لم يقف عند حدود النص القانوني حرفياً، بل نظر إلى القيمة الفعلية للتحريات في ضوء ما تسنده من أدلة وقرائن. وقد استقرت أحكام محكمة التمييز على جواز الأخذ بالتحريات والتعويل عليها كقرينة معززة للأدلة الأخرى، متى توافرت فيها شروط الجدية والاتساق مع باقي عناصر الدعوى، وكانت مطروحة للنقاش أمام المحكمة. وهذا الموقف القضائي يعكس فهماً عميقاً لدور التحريات الفعلي في العملية الجنائية، وحرصاً على تحقيق العدالة من خلال الاستفادة من كل ما من شأنه كشف الحقيقة، دون التقيد بنص قد يؤدي تفسيره الحرفي إلى حرمان القضاء من عناصر استدلالية مهمة.
خامساً: التباين بين النص القانوني والواقع العملي: توصل الباحث إلى أن هناك تبايناً واضحاً بين ما قرره المشرع في المادة (46) من عدم حجية التحريات، وما يجري به العمل في الواقع العملي من قبل القضاء الذي يأخذ بها في كثير من الأحيان، مما يخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني، ويضع القضاء في موقف حرج قد يضطر فيه إلى التوفيق بين النص القانوني الصارم ومتطلبات الواقع العملي. وهذا التباين يؤكد الحاجة الملحة إلى تعديل النص القانوني ليتلاءم مع الممارسة القضائية الفعلية، ويحدد بشكل واضح ودقيق شروط وضوابط الأخذ بالتحريات كدليل إثبات، بدلاً من ترك الأمر لتقدير القضاء في ظل نص يبدو مطلقاً في تجريده من الحجية.
سادساً: المقارنات التشريعية تقدم حلولاً متنوعة: من خلال المقارنة مع التشريعات العربية (المصري واللبناني والأردني)، تبين للباحث أن هناك تبايناً في المعالجات التشريعية لمسألة حجية التحريات. فالمشرع المصري في المادة 300 من قانون الإجراءات الجنائية لا يتقيد بما ورد في محاضر جمع الاستدلالات، ويترك الأمر لتقدير المحكمة. بينما المشرع اللبناني في المادة 190 من قانون أصول المحاكمات الجزائية يمنح المحاضر قوة ثبوتية نسبية إذا توافرت فيها الشروط الشكلية والموضوعية. أما المشرع الأردني في المادة 147 من قانون أصول المحاكمات الجزائية فيتبنى صراحة مبدأ حرية الإثبات، ويجعل القاضي يحكم وفق قناعته الشخصية. وهذه النماذج التشريعية المختلفة تقدم للباحث خيارات متعددة يمكن الاستفادة منها في صياغة تعديل مقترح للمادة (46) من القانون الكويتي، بما يحقق توازناً بين قواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة.
سابعاً: أهمية شروط الصحة والجدية للتحريات: أثبتت الدراسة أن التحريات لا يمكن أن تحظى بأي اعتبار قانوني إلا إذا توافرت فيها مجموعة من الشروط الجوهرية، وهي: أن تكون خاصة بجريمة وقعت بالفعل، وأن تحرر في محضر رسمي، وأن يجريها مأمور ضبط قضائي مختص مكانياً، وأن تتضمن البيانات التي يستلزمها القانون، وأن تتم بطرق مشروعة، وأن تعرض على النيابة العامة أو محققي الشرطة، والأهم من ذلك كله أن تتسم بالجدية. وتكتسب هذه الشروط أهمية كبيرة لأنها تشكل الضمانات الأساسية التي تحول دون تحول التحريات إلى أداة للتعسف أو انتهاك الحقوق، وتضمن أن تكون المعلومات الواردة فيها دقيقة ومعتمدة على أساس قانوني صحيح. وتُعد جدية التحريات الشرط الأكثر أهمية، وإن كان الأكثر غموضاً، إذ أن تقديرها متروك للسلطة التقديرية لقاضي الموضوع، مما يثير تساؤلات حول المعايير التي يعتمدها القاضي في هذا التقدير.
ثامناً: الآثار المترتبة على التحريات: بينت الدراسة أن للتحريات آثاراً قانونية مهمة تتجاوز مجرد كونها معلومات استدلالية، فهي قد تؤدي إلى إجراءات جوهرية في الدعوى الجنائية كالتفتيش، حيث يجوز لمأمور الضبط أن يعرض محضر التحري على المحقق للحصول على إذن بالتفتيش متى أسفرت التحريات عن ضرورة ذلك. كما قد تؤدي التحريات إلى إعادة فتح التحقيق، حيث يجوز للمحقق أن يعيد النظر في قرار الحفظ المؤقت إذا أسفرت تحريات جديدة عن أدلة أو معلومات لم تكن متوفرة من قبل. وهذه الآثار تعكس دور التحريات كأداة ديناميكية تؤثر في مسار الدعوى الجنائية، وتفتح آفاقاً جديدة للإثبات، مما يعزز من أهميتها رغم عدم حجيتها المباشرة.
تاسعاً: الحاجة إلى تعديل تشريعي: استناداً إلى ما سبق، يخلص الباحث إلى أن الحل الأمثل لهذه الإشكالية يكمن في تعديل نص المادة (46) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، بحيث يصبح النص أكثر توازناً وواقعية، ويتناسب مع الممارسة القضائية الفعلية. وقد قدم الباحث ثلاثة مقترحات للتعديل، هي: حذف عبارة “ولا يكون لهذه المحاضر حجية في الإثبات أمام القضاء” تماماً، أو تعديلها بإضافة استثناء يجيز الأخذ بالتحريات متى وجد ما يساندها من أدلة أو قرائن، أو استبدالها بعبارة تخول محكمة الموضوع السلطة التقديرية في تحديد مدى حجية هذه المحاضر. ويرى الباحث أن الخيار الثاني -إضافة استثناء- هو الأكثر توازناً، حيث يحافظ على القاعدة العامة وهي عدم حجية التحريات وحدها، مع إتاحة المجال للأخذ بها كقرينة معززة متى توافرت الظروف المناسبة.
عاشراً: خاتمة البحث: يخلص الباحث في النهاية إلى أن التحريات تُعد أداة تمهيدية مهمة في الإثبات الجنائي، وإن كانت تفتقر إلى الحجية الذاتية، وتكمن أهميتها في قدرتها على كشف الأدلة وتوجيه مسار الدعوى الجنائية. ورغم موقف المشرع الكويتي الصريح بتجريدها من الحجية، فإن القضاء الكويتي قد تبنى موقفاً أكثر مرونة يسمح بالأخذ بها كقرينة معززة متى توافرت شروط الجدية والاتساق مع الأدلة الأخرى. إلا أن هذا التباين بين النص القانوني والممارسة القضائية يدعو إلى ضرورة تدخل المشرع لتعديل النص بما يتناسب مع الواقع العملي، ويحقق التوازن بين حماية حقوق المتهمين وفعالية الإجراءات الجنائية، وذلك من خلال إعادة صياغة المادة (46) بصيغة تمنح محكمة الموضوع السلطة التقديرية في تحديد حجية التحريات في ضوء ما تسنده من أدلة وقرائن، أو بإضافة استثناء يجيز الأخذ بها في حالة وجود ما يساندها، وهو ما يتسق مع النهج الذي استقرت عليه أحكام محكمة التمييز الكويتية، ويحقق الانسجام المنشود بين النص القانوني والواقع القضائي.
[1] – جلال ثروت – نظم الإجراءات الجنائية – دار الجامعة الجديدة – لبنان – 1997 – ص 198.
[2] – طارق سيد أحمد – التحريات الشرطية بين الشرعية الإجرائية والرقابة القضائية – مجلة البحوث القانونية والاقتصادية – ع (55) – كلية الحقوق – جامعة المنصورة – مصر – 2014 – ص848.
[3] – سعد العسيلي – دليل مأمور الضبط القضائي واختصاصاته – منشورات أمانة اللجنة الشعبية للعدل – 1983 – ص528.
[4] – محكمة التمييز الكويتية (الدائرة الجزائية) – الطعن رقم 303 لسنة 2018 جزائي – جلسة 1/10/2019.
[5] – فاضل نصر الله – شرح قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي – ط1 – مطابع كلية الحقوق – جامعة الكويت – 2007/2008 – ص543.
[6] – تمييز جزائي – س35 – ج2 – جلسة 6/5/2003 – ق13/3 – ص522.
[7] – محكمة التمييز الكويتية (الدائرة الجزائية) – الطعن رقم 292 لسنة 1995 جزائي – جلسة 8/4/1996.
[8] – محكمة التمييز الكويتية (الدائرة الجزائية) – الطعن رقم 210 لسنة 1999 جزائي – جلسة 4/4/2000 – مكتب فني 28 – ص 569 – القاعدة رقم 21.