تم التحديث 14 ساعة ago عن طريق ahmad

‏جريمة غسل الأموال كجريمة الكترونية

Download PDF

 

جريمة غسل الأموال كجريمة الكترونية

مما لا شك فيه أن الطفرة الهائلة في مجال تقنية المعلومات كان لها العديد من الآثار الإيجابية التي انعكست على طرق المعاملات المختلفة وخاصة المعاملات المالية، لاسيما وأن تلك الطفرة قد ساعدت وبشكل كبير في ارتفاع معدلات سرعة إتمام المعاملات التجارية والاقتصادية، إلا أنه وكما أن هناك آثار إيجابية لتلك الطفرة فهناك آثار سلبية لها أيضاً، حيث اتسع نطاق الجرائم التي تتم بشكل إلكتروني، وخاصة الجرائم الإلكترونية التي تستهدف تلك المعاملات المالية، وخلق ذلك كثيراً من التحديات التشريعية التي تدور في فلك الضرورة الملحة لإيجاد حلولاً فعالة لمواجهتها.

وتعد جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية من أخطر الجرائم الإلكترونية التي أصبحت تهدد الخدمات والمعاملات المالية، كما أن خطرها على المصارف والبنوك لا يستهان بها، لاسيما وأن تلك المؤسسات تقوم على تقديم الخدمات المالية المتنوعة، وبالتالي تعد من الجهات التي تهددها تلك الجرائم على صعيد ما تقدمه من خدمات بل وعلى صعيد تورطها في تلك الجرائم بما يستتبعه ذلك من مسؤولية قانونية قد تترتب على هذا التورط، لذلك فقد بادر المشرع إلى تجريم غسل الأموال كجريمة إلكترونية بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 63 لسنة 2015، وذلك لفرض المواجهة التشريعية لتلك الجريمة كجريمة إلكترونية، ومكملاً للمواجهة التشريعية لها كجريمة تقليدية والتي فرضها بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013 وتعديلاته.

وسوف نتناول في هذا المقال جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية، موضحين أهم جوانبها في ظل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وذلك لتسليط الضوء عليها باعتبارها جريمة مستحدثة تهدد بخطرها الاقتصاد الوطني.

 

أولاً: التعريف بجريمة عسل الأموال كجريمة إلكترونية

لتعريف جريمة غسل الأموال بوجه عام يلزم الرجوع إلى قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013 وتعديلاته، والذي تضمن تعريف فعل غسل الأموال في مادته الأولى على أنه “أي فعل من الأفعال المنصوص عليها في المادة 2 من هذا القانون”، وبمراجعة نص المادة الثانية من القانون يتبين أنه يعتبر مرتكباً لجريمة غسل الأموال كل من كان على علم بأن الأموال تم التحصل عليها من جريمة، وقام متعمداً بفعل من الأفعال التالية:

  • تحويل تلك الأموال أو نقلها أو استبدالها بهدف إخفاء أو التمويه على المصدر غير المشروع الذي تم التحصل عليها منه، أو مساعدة أي شخص شارك في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تم التحصل منها على تلك الأموال ليفلت من العقاب.
  • إخفاء أو التمويه على الطبيعة الحقيقية لتلك الأموال أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها.
  • اكتساب تلك الأموال أو حيازتها أو استخدامها.

أمام بشأن جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية فقد خلا قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من تعريف بها، حيث اقتصر على تجريمها بموجب نص مادته رقم (9) وعلى تجريم غسل الأموال أو تحويل أموال غير مشروعة، مما يمكننا معه استخلاص أن جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية هي ارتكاب أي فعل من الأفعال التي تم تجريمها بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ولكن يشترط ارتكابها عن طريق الشبكة المعلوماتية أو باستخدام أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات.

ويتفق ذلك مع تعريف الفقه القانوني لجريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية، والذي عرفها بأكثر من تعريف، كان أبرزها تعريفها بأنها عملية إضفاء الصفة المشروعة على أموال متحصل عليها من جرائم وأنشطة غير قانونية، وذلك عن طريق استغلال الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات لإخفاء أصل ومصدر تلك الأموال وطبيعتها غير المشروعة، بحيث تصبح وكأنها أموال ذات مصدر قانوني ومشروع.

 

ثانياً: خصائص جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية

تفرض طبيعة جريمة غسل الأموال التي ترتكب عبر شبكة الإنترنت سمة خاصة على تلك الجريمة، وتميزها عن غيرها بمجموعة من الخصائص التي يمكن أن نحصرها في النقاط الآتي بيانها:

(1) الأداة التي ترتكب من خلالها: يعتبر الحاسب الآلي (أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات) والشبكة المعلوماتية (شبكة الإنترنت) هما الأداتين اللتان لا تُرتكب جريمة غسل الأموال بشكل إلكتروني إلا من خلالهما، لاسيما وأن الحاسب الآلي أو الهاتف الذكي أو أي وسيلة لتقنية المعلومات تعتبر أداة رئيسية في ارتكاب تلك الجريمة، فلا يمكن إسباغ وصف الجريمة الإلكترونية على جريمة غسل الأموال إلا إذا كانت قد ارتُكبت من خلال الحاسب الآلي أو غيره من وسائل تقنية المعلومات التي تتيح الدخول إلى شبكة الإنترنت، والقيام بالأفعال المشكلة للسلوك الإجرامي للجريمة.

أما شبكة الإنترنت أو الشبكة المعلوماتية فهي تمثل الأداة الاساسية التي تتولى مهمة ربط الجاني بالجهات المستهدفة بارتكاب جريمة غسل الأموال، كما هو الحال عند ارتكاب الجريمة عبر بنك من البنوك الإلكترونية، أو من خلال المحافظ الإلكترونية، أو العملات الرقمية، أو غيرها من الجهات المستهدف ارتكاب الجريمة من خلالها، حيث توفر شبكة الإنترنت مناخاً مناسباً لعملية دمج وخلط الأموال غير المشروعة من الأموال المشروعة، وهو ما يدعم ويعزز إمكانية إخفاء تلك الأموال والتمويه عليها، ويزيد من صعوبة إمكانية تتبع المصدر الحقيقي للأموال محل الجريمة.

(2) جريمة عابرة للحدود: تُعد جريمة غسل الأموال إلكترونياً جريمة من الجرائم العابرة للحدود، وذلك لكونها لا ترتبط بحدود جغرافية، لاسيما وأنها تُرتكب عبر شبكة الإنترنت التي في ظلها أصبحت الحدود الجغرافية لا قيمة لها في العالم الافتراضي، بحيث يستطيع أي شخص التواصل عبرها مع آخر في الطرف الآخر من العالم، وهو بدوره من يتيح للجاني في تلك الجريمة أن يقوم بغسل أموال ناتجة عن جريمة تم ارتكابها في بلد ما في بلد أخرى، وهو ما يجعل آثار تلك الجريمة تمتد لتصيب هاتين الدولتين.

(3) جريمة اقتصادية: الجريمة الاقتصادية بوجه عام هي الجريمة التي تتضمن أي مخالفة للقواعد القانونية التي تنظم النشاط الاقتصادي للدولة، بحيث يترتب على تحققها تهديد بضرر أو إلحاق الضرر بأي مصلحة اقتصادية بغض النظر عن نوعها أو صورتها، وجريمة غسل الأموال إلكترونياً تعد جريمة ذات طبيعة اقتصادية لكونها تنصب بشكل رئيسي على الأموال، كما أنها تعتمد بشكل رئيسي على إدخال تلك الأموال غير المشروعة التي يتم غسلها داخل النظام الاقتصادي والمالي للدولة التي يتم ارتكاب الجريمة بها، بما يسفر عن أضرار جسيمة تصيب هذا النظام.

 

ثالثاً: الأفعال المكونة للركن المادي لجريمة غسل الأموال إلكترونياً

حدد نص مادة التجريم رقم (9) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الأفعال التي تشكل السلوك الإجرامي أو الركن المادي لجريمة غسل الأموال إلكترونياً، مع ملاحظة أنه يجب أن يتم هذا الفعل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو وسيلة من وسائل تقنية المعلومات وإلا أصبحت جريمة غسل أموال عادية وليست إلكترونية، ويمكننا أن نحصر تلك الأفعال في الأفعال الآتية:

  • فعل غسل الأموال: ويُطبق في تحديد فحوى فعل غسل الأموال الأفعال التي ينطوي عليها نص المادة الثانية من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 106 لسنة 2013 وتعديلاته، والسابق ذكرها آنفاً في البند (أولاً) من هذا المقال، على أن يكون ارتكابها بشكل إلكتروني.
  • فعل تحويل أموال غير مشروعة أو نقلها أو التمويه أو الإخفاء لمصدرها غير المشروع، على أن يتم ذلك جميعه بشكل إلكتروني.
  • فعل استخدام أو اكتساب أو حيازة أموال غير مشروعة بشكل إلكتروني، شريطة أن يكون مرتكب هذا الفعل على علم بأن تلك الأموال ذات مصدر غير مشروع.
  • فعل تحويل الموارد أو الممتلكات إلكترونياً مع علم القائم على هذا الفعل بأن مصدرها غير مشروع، وقيامه بهذا الفعل بغرض إسباغ الصفة المشروعة على تلك الأموال.

 

رابعاً: هل جريمة غسل الأموال إلكترونياً جريمة عمدية؟

تدخل جريمة غسل الأموال كجريمة إلكترونية في إطار الجرائم العمدية، والتي يتطلب المشرع لتحققها أن يتوافر فيها الركن المعنوي والمتمثل في القصد الجنائي العام لدى مرتكبها، والقصد العام في جريمة غسل الأموال إلكترونياً يتحقق بتحقق عنصرية المتمثلين في العلم والإرادة.

فبالنسبة لعنصر العلم يتمثل في أن يكون مرتكب جريمة غسل الأموال إلكترونياً على علم بأنه يقوم بفعل يمثل السلوك الإجرامي لتلك الجريمة، وذلك بأن يتوافر لديه العلم بأن المال الذي يقوم بغيله أو تحويله أو نقله أو غيرها من الأفعال التي نص عليها القانون هو مال مستمد من مصدر غير مشروع، أو يتحقق لديه العلم بأن فعله يمثل تمويهاً أو إخفاءاً لهذا المصدر غير المشروع، أو أن المال الذي يستخدمه أو يحوزه أو يكتسبه هو مال مستمد من مصدر غير مشروع.

أما عنصر الإرادة فيتمثل في أن تكون إرادة الجاني متجهة لارتكاب السلوك الإجرامي الذي يشكل الركن المادي لجريمة غسل الأموال إلكترونياً، وتكون إرادته حرة خالية من ثمة ضغط أو إجبار أو إكراه.

 

خامساً: عقوبة جريمة غسل الأموال إلكترونياً

لحرص من المشرع الكويتي على الحد من جريمة غسل الأموال إلكترونياً، ورغبة منه في تحقيق الردع العام والخاص على حد سواء لمرتكبي تلك الطائفة من الجرائم، فقد قرر عقوبة مغلظة لمرتكبي تلك الجرائم، وتتمثل تلك العقوبة في الحبس لمدة لا تزيد عن عشر سنوات والغرامة المالية التي تتراوح من عشرين ألف دينار وحتى خمسين ألف دينار، أو الاكتفاء بإحدى العقوبتين فقط، ويرجع تحديد مقدار العقوبة المناسبة والجمع بين العقوبتين أو الاكتفاء بإحداهما فقط إلى السلطة التقديرية للمحكمة المعروض عليها القضية، حيث تقضي في حكمها بالعقوبة التي تتناسب مع جسامة الجريمة المعروضة عليها، والتي تختلف بحسب الأحوال من جريمة إلى أخرى.

 

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية