تم التحديث 12 ساعة ago عن طريق ahmad

‏المسؤولية القانونية للمؤثر (الإنفلونسر) في القانون الكويتي

Download PDF

 

المسؤولية القانونية للمؤثر (الإنفلونسر) في القانون الكويتي

بحث قانوني تحليلي

 

المقدمة

تشهد المنظومة التجارية والإعلامية في دولة الكويت، شأنها شأن غيرها من دول العالم، تحولاً جذرياً في وسائل الترويج للسلع والخدمات، إذ لم يعد الإعلان التقليدي عبر الصحف والقنوات الفضائية هو القناة الوحيدة أو حتى الأكثر فاعلية للوصول إلى المستهلك، بل تصدّرت منصات التواصل الاجتماعي هذا المشهد، وبرز إلى جانبها فاعل جديد لم يكن معروفاً من قبل بهذا الحجم من الأثر، هو “المؤثر” أو “الإنفلونسر”، وهو شخص يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة تتابع محتواه وتثق بآرائه، فيتحول بذلك إلى وسيط فعلي بين التاجر والمستهلك، بل قد يتجاوز أثره أثر الوسائل الإعلانية التقليدية ذاتها.

وقد رافق هذا التحول الاقتصادي والاجتماعي فراغ تشريعي طال أمده، إذ ظل نشاط المؤثر لسنوات يمارَس دون إطار قانوني مخاطِب له بذاته، وكانت مساءلته تُستمد بصورة غير مباشرة من نصوص عامة سابقة عليه في نشأتها وتفكيرها التشريعي، وهو ما كان يثير إشكاليات عملية عديدة، أبرزها صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن المحتوى الإعلاني (المؤثر أم المعلن أم كلاهما)، وغموض معيار التمييز بين الحساب الشخصي والنشاط التجاري المنظم، وقصور آليات الرقابة والإثبات في بيئة رقمية متغيرة بطبيعتها. وقد بدأ هذا الفراغ يتقلص تدريجياً مع صدور تشريعات حديثة تخاطب هذا النشاط بصورة أكثر مباشرة، وعلى رأسها المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 بشأن تنظيم قطاع التجارة الرقمية، الذي عرّف “المؤثرين” تعريفاً تشريعياً صريحاً للمرة الأولى في تاريخ التشريع الكويتي.

أهمية البحث

تتجلى أهمية هذا البحث في تزايد الوزن الاقتصادي لنشاط التأثير الرقمي في السوق الكويتية، وتحوله من ممارسة فردية عفوية إلى صناعة متكاملة تضم المؤثر والمعلن ووكالات إدارة المواهب والمنصات الرقمية ذاتها، بما يستوجب معرفة دقيقة بالإطار القانوني الذي يحكم هذه المنظومة من قبل جميع أطرافها. كما تتجلى أهميته في أن هذا النشاط يتقاطع مع مصالح متعددة يحرص المشرع على حمايتها في آن واحد: حرية التعبير والنشاط التجاري المشروع من جهة، وحماية المستهلك من الغش والتضليل من جهة أخرى، وحماية النظام العام والآداب وسمعة الأفراد وخصوصياتهم من جهة ثالثة، وضبط الحركة المالية للأموال المتحصلة من هذا النشاط من جهة رابعة. ولا تخفى الحاجة العملية لهذا البحث بالنسبة للمؤثرين أنفسهم وللمعلنين المتعاقدين معهم، إذ يوفر لهم صورة واضحة عن حدود المسؤولية التي يمكن أن يتعرضوا لها، وللمستهلك الذي يحتاج إلى معرفة السند القانوني الذي يستند إليه إذا ما تضرر من محتوى ترويجي مضلل.

إشكالية البحث

تتمحور إشكالية هذا البحث حول التساؤل الآتي: هل يخضع نشاط المؤثر في القانون الكويتي لنظام مسؤولية قانونية متكامل وواضح المعالم يواكب خصوصية هذا النشاط، أم أن هذه المسؤولية لا تزال تُستخلص بصورة مجتزأة من نصوص متفرقة لم تُصَغ أصلاً لمخاطبة هذا الفاعل الرقمي؟ ويتفرع عن هذا التساؤل الرئيسي عدة تساؤلات فرعية: ما هو التكييف القانوني الدقيق لنشاط المؤثر؟ وما هي طبيعة العلاقات القانونية التي ينشئها هذا النشاط بينه وبين المعلن والمستهلك والمنصة الرقمية؟ وما مدى كفاية الجزاءات المدنية والجزائية والإدارية المقررة حالياً لردع المخالفات وتحقيق التوازن بين مصالح الأطراف المختلفة؟

خطة البحث

للإجابة عن هذه التساؤلات، يُقسَّم هذا البحث إلى مبحث تمهيدي وسبعة مباحث رئيسية: يتناول المبحث التمهيدي نشأة ظاهرة التأثير الرقمي وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية، ويُخصَّص المبحث الأول لمفهوم المؤثر وتكييفه القانوني، بينما يعرض المبحث الثاني الأساس التشريعي لتنظيم هذا النشاط في الكويت، ويتناول المبحث الثالث طبيعة العلاقات القانونية الناشئة عن هذا النشاط، ويُفرد المبحث الرابع لدراسة المسؤولية المدنية للمؤثر، والمبحث الخامس لمسؤوليته الجزائية، والمبحث السادس لمسؤوليته الإدارية والرقابية، ويُختتم البحث بالمبحث السابع الذي يعرض أبرز الإشكاليات العملية في إثبات هذه المسؤولية ومساءلة المؤثر عنها، تليه خاتمة تتضمن أهم النتائج والمقترحات.

المبحث التمهيدي: نشأة ظاهرة التأثير الرقمي وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية

المطلب الأول: نشأة نشاط التأثير الرقمي وتطوره

ارتبطت نشأة ظاهرة “التأثير الرقمي” بالتطور التقني الذي شهدته منصات التواصل الاجتماعي منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، حين انتقل المستخدم من موقع المتلقي السلبي للمحتوى إلى موقع المنتج الفعّال له. وقد بدأ هذا النشاط في صورته الأولى ممارسة شخصية بحتة، يعرض من خلالها الفرد اهتماماته أو تجاربه اليومية، قبل أن يكتشف المعلنون قيمته التسويقية حين لاحظوا أن ثقة الجمهور بشخص يعرفونه أو يتابعونه أعلى بكثير من ثقتهم بالإعلان التقليدي المباشر. ومنذ ذلك الحين تحول هذا النشاط تدريجياً من هواية إلى مهنة قائمة بذاتها لها اقتصادها الخاص ومنظومتها التعاقدية، وظهرت إلى جانب المؤثر الفرد وكالات متخصصة في إدارة أعماله والتفاوض نيابة عنه مع المعلنين.

وفي الكويت، رافق اتساع قاعدة مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي نمو متسارع لهذا النشاط، بحيث أصبح كثير من التجار والشركات يخصصون جزءاً معتبراً من ميزانياتهم الإعلانية للتعاقد مع المؤثرين، سواء كانوا من أصحاب قواعد الجمهور الواسعة أم من فئة المؤثرين محدودي المتابعين ذوي التأثير النوعي في شريحة معينة. وقد رافق هذا النمو الاقتصادي غياب تشريعي طال أمده قبل أن يبادر المشرع الكويتي إلى مخاطبة هذا النشاط، أولاً بصورة غير مباشرة عبر تطبيق النصوص العامة، ثم بصورة مباشرة وصريحة مع صدور المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 بشأن تنظيم قطاع التجارة الرقمية.

المطلب الثاني: الأبعاد الاقتصادية لنشاط المؤثرين وأثرها على سوق الاستهلاك في الكويت

لم يعد نشاط المؤثرين هامشياً في بنية الاقتصاد الرقمي، بل أصبح قناة تسويقية موازية أو بديلة عن الإعلان التقليدي، يعتمد عليها التاجر بوصفها أكثر قدرة على الوصول إلى الفئة العمرية والاجتماعية المستهدفة بدقة، وأقل كلفة نسبياً من الحملات الإعلانية الكبرى، وأكثر قدرة على كسب ثقة المستهلك بفعل الطابع الشخصي الذي يضفيه المؤثر على المحتوى. وقد أدى هذا الوزن الاقتصادي المتنامي إلى نشوء سوق عمل مواز يضم -إلى جانب المؤثر نفسه- منتجي المحتوى والمصورين ومديري الحسابات والوكالات المتخصصة في التفاوض على العقود الإعلانية، بما يستدعي معه تنظيماً قانونياً يواكب هذا التوسع.

غير أن هذا الأثر الاقتصادي الإيجابي يحمل في طياته مخاطر لا يستهان بها على المستهلك بصفة خاصة، ذلك أن الثقة التي يمنحها الجمهور للمؤثر قد تُستغل -إذا لم تُضبط بضوابط قانونية واضحة- في الترويج لمنتجات غير مطابقة للمواصفات، أو في إخفاء الطابع الإعلاني للمحتوى بما يوهم المتابع بحياد التجربة المعروضة عليه، وهو ما يجعل الموازنة بين تشجيع هذا النشاط الاقتصادي المستحدث وحماية المستهلك مسألة جوهرية تحتاج إلى تدخل تشريعي متوازن، وهو ما سعى إليه المشرع الكويتي عبر التشريعات محل هذا البحث.

المطلب الثالث: التحديات التي يطرحها هذا النشاط على النظام القانوني

يطرح نشاط المؤثر على النظام القانوني تحديات ذات طبيعة خاصة تختلف عن تلك التي يطرحها النشاط التجاري أو الإعلامي التقليدي، أولها طبيعة النشاط العابرة للحدود، إذ قد يكون المؤثر مقيماً خارج الكويت بينما يستهدف محتواه جمهوراً كويتياً، أو العكس، بما يثير إشكاليات في تحديد الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق. وثانيها الطابع اللحظي والمتغير للمحتوى الرقمي، إذ قد يُحذف المحتوى المخالف بعد فترة وجيزة من نشره، بما يستدعي آليات إثبات وتوثيق خاصة تختلف عن تلك المعتمدة في مجال الإعلان التقليدي المطبوع أو المذاع.

وثالث هذه التحديات هو صعوبة التمييز بين المحتوى الشخصي المحض والمحتوى ذي الطابع التجاري أو الإعلامي المنظم، وهو تمييز يترتب عليه اختلاف جوهري في نطاق الالتزامات القانونية المفروضة (كالترخيص والقيد التجاري)، ورابعها تعدد الأطراف المتداخلة في العملية الترويجية الواحدة (المعلن، المؤثر، الوكالة، المنصة)، بما يثير إشكالية توزيع المسؤولية فيما بينهم عند وقوع المخالفة. وقد سعى هذا البحث إلى تحليل الإطار القانوني الكويتي في ضوء هذه التحديات، وبيان مدى نجاحه في مواجهتها.

المبحث الأول: مفهوم المؤثر وتكييفه القانوني

المطلب الأول: تعريف المؤثر لغة واصطلاحاً وتشريعاً

لا يخرج مدلول “التأثير” لغة عن معنى القدرة على ترك أثر في الغير، سواء في فكره أو سلوكه أو قراره. أما اصطلاحاً، فيمكن تعريف المؤثر بأنه كل شخص طبيعي يدير حساباً أو أكثر على إحدى منصات التواصل الاجتماعي أو الوسائط الرقمية، ويتمتع بقاعدة متابعين ذات حجم معتبر تمكّنه من التأثير في آراء هذا الجمهور وسلوكه الاستهلاكي، سواء مارس ذلك بمقابل مادي أو عيني، أو بدافع شخصي محض دون مقابل. ويلاحَظ من هذا التعريف أن عنصر “القدرة الفعلية على التأثير” هو جوهر الوصف، لا مجرد امتلاك حساب على منصة رقمية.

وقد حسم المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 بشأن تنظيم قطاع التجارة الرقمية هذا الجدل جزئياً، إذ عرّف المشرع الكويتي المؤثرين -لأول مرة في نص تشريعي- بأنهم الشخصيات التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتؤثر في قرارات المستهلكين من خلال ما تنشره من محتوى أو ترويج. ويُلاحَظ أن هذا التعريف التشريعي جاء واسعاً نسبياً، إذ لم يشترط حداً أدنى لعدد المتابعين أو للمقابل المالي حتى ينطبق الوصف القانوني على الشخص، وإنما ناط الأمر بمعيار “التأثير الفعلي” في القرار الاستهلاكي، وهو معيار واقعي يخضع للتقدير بحسب ظروف كل حالة، الأمر الذي يحقق مرونة في مواجهة تنوع صور هذا النشاط، لكنه في المقابل يفتح باباً لشيء من عدم اليقين القانوني ما لم تُستكمل معالمه بلائحة تنفيذية تضع معايير تطبيقية أدق.

المطلب الثاني: تصنيفات المؤثرين ومعايير التمييز بينهم

يمكن تصنيف المؤثرين وفق أكثر من معيار، أبرزها معيار حجم الجمهور، إذ جرى العرف التسويقي على التمييز بين المؤثر النانو (صاحب القاعدة الجماهيرية المحدودة العالية التفاعل)، والمؤثر المتوسط، والمؤثر الكبير أو صاحب الجمهور الواسع جداً. ولهذا التصنيف أثر عملي في تحديد درجة الأثر المحتمل لمخالفته، وإن لم يرتب القانون الكويتي حتى تاريخه تمييزاً صريحاً في المعاملة القانونية تبعاً لحجم الجمهور، خلافاً لما قد يُقترح مستقبلاً من ربط بعض الالتزامات (كالقيد الإلزامي في السجلات) بحد أدنى لعدد المتابعين.

كما يمكن التصنيف وفق طبيعة المحتوى المقدَّم، بين المحتوى الترفيهي المحض الذي لا يتضمن ترويجاً تجارياً، والمحتوى ذي الطابع التوعوي أو الثقافي، والمحتوى التجاري الذي يشكّل صلب النشاط الإعلاني للمؤثر. ويكتسب هذا التصنيف الأخير أهمية خاصة في هذا البحث، إذ إن الأحكام القانونية المتعلقة بحماية المستهلك وتنظيم الإعلانات لا تنصرف من حيث الأصل إلا إلى المحتوى ذي الطابع الترويجي التجاري، دون المحتوى الشخصي أو الترفيهي المحض الذي يبقى خاضعاً للقواعد العامة فحسب.

ويمكن أيضاً التصنيف حسب نوع المنصة التي يستخدمها المؤثر في تقديم محتواه من خلالها، فنجد مؤثر اليوتيوب والذي يعتمد على الفيديو الطويل والمحتوى العميق والمفصل، والذي غالباً ما يكون دوراً تعليمياً أو ترفيهياً استقصائياً، وهناك مؤثر الإنستغرام الذي يركز على الصور والفيديو القصير (Reels)، ويميل إلى محتوى الجماليات البصرية والموضة والسفر والطعام، وهناك مؤثر التيك توك والذي يميل إلى تقديم محتوى قصير وسريع الإيقاع، ويركز على التحديات والترندات والموسيقى، ويكون جمهوره غالباً أصغر سناً، وهناك أيضاً مؤثر تويتر (إكس) والذي يختص بالرأي السريع، التحليل الموجز، الأخبار العاجلة، والنقاشات السياسية أو الفكرية، وهناك مؤثر متعدد المنصات والذي ينشر محتوى معدلاً لكل منصة حسب طبيعتها لزيادة الانتشار.

وهناك تصنيف آخر للمؤثرين يستند إلى الهدف من المحتوى، ووفقاً لهذا التصنيف نجد المؤثر التعليمي الذي ينقل معرفة أو مهارة، والمؤثر التوعوي ينشر حملات توعية اجتماعية أو صحية، والمؤثر السياسي الذي يؤثر في الرأي العام حول القضايا السياسية، والمؤثر الديني الذي يقدم محتوى دينياً وتوجيهاً روحياً، والمؤثر الثقافي الذي يسلط الضوء على التراث والفنون.

 

المطلب الثالث: تمييز المؤثر عمن يشتبه به من الفاعلين الرقميين

يتميز المؤثر عن الإعلامي التقليدي (كالصحفي أو مقدّم البرامج) بأن نشاطه لا يقوم بالضرورة على مهنة إعلامية منظمة تخضع لتراخيص المؤسسات الإعلامية التقليدية، وإنما ينبثق غالباً من حساب شخصي اكتسب صفة جماهيرية بفعل المحتوى الذي يقدّمه، دون أن يمر بالضرورة بمسار مهني تقليدي (كالتخرج من كلية إعلام أو الانضمام إلى مؤسسة صحفية). كما يتميز عن “صانع المحتوى” (Content Creator) الذي قد لا يمتلك بالضرورة قاعدة جماهيرية مؤثرة، وإن كان كل مؤثر بالضرورة صانع محتوى، فليس كل صانع محتوى مؤثراً بالمعنى القانوني الدقيق.

ويتميز المؤثر كذلك عن المعلِن أو التاجر ذاته (موفر المنتج أو الخدمة) بأنه -من حيث الأصل- طرف ثالث مستقل يُستعان به للترويج لمنتج أو خدمة يملكها غيره، وإن كان يمكن أن يجمع بين الصفتين متى كان يروّج لمنتجاته أو خدماته الخاصة، وعندها تنطبق عليه -بالإضافة إلى القواعد الخاصة بالمؤثرين- الأحكام المقررة للتاجر أو موفر المنتج ذاته. وهذا التمييز ليس شكلياً، بل تترتب عليه نتائج عملية مهمة، إذ يتحدد على أساسه الطرف الذي يقع عليه الالتزام القانوني الأصلي في كل حالة، وما إذا كانت المسؤولية فردية أم تضامنية بين أكثر من طرف.

 

المبحث الثاني: الأساس التشريعي لتنظيم نشاط المؤثر في الكويت

المطلب الأول: قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني رقم (8) لسنة 2016

يُعدّ هذا القانون أول تشريع كويتي تناول تنظيم النشاط الإعلامي عبر الوسائط الإلكترونية، ونصّت المادة (6) منه على وجوب حصول من يرغب في إنشاء أو تشغيل أي من المواقع أو الوسائل الإعلامية الإلكترونية على ترخيص من وزارة الإعلام، مدته عشر سنوات قابلة للتجديد بناء على طلب المرخص له وموافقة الوزارة. وقد نظمت اللائحة التنفيذية لهذا القانون إجراءات تقديم طلب الترخيص وشروط منحه أو رفضه، والتظلم من قرار الرفض، وإيداع كفالة مالية مقدارها خمسمائة دينار كويتي أو ضمانة بنكية موجَّهة للوزارة.

غير أن هذا القانون استبعد صراحة من نطاق تطبيقه النطاق أو الموقع أو الوسيلة أو الحساب الإلكتروني الشخصي الذي لا يتصف مستخدمه بالمهنية المتخصصة، وهو ما يعني أن الحساب الشخصي البسيط -الذي لا يرقى نشاطه إلى مستوى الممارسة الإعلامية الاحترافية المنتظمة- يبقى خارج نطاق التزام الترخيص المقرر بهذا القانون. ويثير هذا الاستثناء إشكالية عملية جوهرية في تكييف نشاط المؤثرين: متى يتحول الحساب الشخصي إلى “وسيلة إعلامية إلكترونية” تستوجب الترخيص؟ والرأي الراجح أن معيار التمييز هو معيار واقعي مرن يقوم على مدى انتظام النشاط واحترافيته وحجم جمهوره وطبيعة المحتوى الذي يقدّمه، لا على مجرد عدد المتابعين وحده.

 

المطلب الثاني: قانون حماية المستهلك رقم (39) لسنة 2014

يخاطب قانون حماية المستهلك بصفة أصلية “المزوّد”، وهو كل من يعرض سلعة أو خدمة على المستهلك بقصد بيعها أو تأجيرها أو أداء الخدمة، بما يشمل -بحسب طبيعة النشاط- المؤثر الذي يتولى بنفسه الترويج لمنتجاته أو خدماته الخاصة. وقد حظر هذا القانون في فصله الخامس الإعلان عن بيع أو عرض أو تقديم أو ترويج السلع أو الخدمات بأي وسيلة تتضمن معلومات أو بيانات كاذبة، كما حظر الإعلان عن أي سلع مغشوشة أو فاسدة، وأوجب أن يكون الإعلان عن السلع والخدمات وكتابة البيانات الجوهرية بلغة عربية على الأقل.

ويكتسب هذا القانون أهميته من كونه يشكّل الإطار العام الذي تُستمَد منه معايير مشروعية المحتوى الإعلاني، بصرف النظر عن الوسيلة التي يُنشر بها هذا المحتوى، بحيث تنطبق أحكامه على الإعلان التقليدي والإعلان عبر المؤثرين على حد سواء. وقد فرض هذا القانون في المادة (27) منه عقوبات جزائية على مخالفة التزامات المزوّد سيأتي تفصيلها في موضعه من هذا البحث.

 

المطلب الثالث: المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 بشأن تنظيم قطاع التجارة الرقمية

جاء هذا المرسوم بقانون ليسدّ الفراغ التشريعي الذي كان قائماً بشأن العلاقة الثلاثية بين موفر المنتج (التاجر أو المعلن) والمؤثر والمستهلك، في إطار سعي الدولة إلى موازنة تشجيع الابتكار في قطاع التجارة الرقمية مع حماية المستهلك وضمان الشفافية والعدالة في المعاملات. وقد وضع المشرع في هذا القانون تعريفات دقيقة للتجارة الرقمية والمتجر الإلكتروني والمؤثرين، وألزم كل من يعمل في هذا القطاع بالقيد في السجلات المخصصة لذلك بوزارة التجارة والصناعة قبل مباشرة النشاط.

وقد خصّص المشرع الفصل الخامس من هذا القانون (المواد من 18 حتى 23) لتنظيم الإعلان عن التجارة الرقمية والترويج لها، وتضمّن هذا الفصل أحكاماً خاصة بالتسويق عبر المؤثرين تفرض التزامات على “موفر المنتج” الذي يستعين بالمؤثر، أبرزها الالتزام بحفظ العقود والبيانات المتعلقة بالمؤثر مدة لا تقل عن خمس سنوات وتقديمها للوزارة عند الطلب، والالتزام بصرف مستحقات المؤثرين عبر وسائل دفع موثوقة تتوافق مع معايير مكافحة غسل الأموال وتعليمات بنك الكويت المركزي، وحظر الاستعانة بالمؤثرين في حملات ترويجية تهدف إلى تضليل المستهلك أو التهرب من الأنظمة المالية أو الرقابية.

كما تناول القانون بصفة عامة ضوابط الإعلان الإلكتروني -التي يخضع لها المؤثر بوصفه ناشراً للمحتوى الإعلاني- إذ أوجب أن يتضمن الإعلان اسم موفر المنتج والسعر ووصفاً دقيقاً وبيانات الاتصال، وحظر أن يتضمن ادعاءات كاذبة أو مضللة، أو علامات تجارية مقلَّدة، أو عبارات من شأنها خداع المستهلك. وفي حال المخالفة، تُخطِر الوزارة المتجر المخالف لتصحيح وضعه خلال أربع وعشرين ساعة، فإن لم يُصحَّح جاز حجب المتجر بالتنسيق مع الجهات المعنية. ويُستفاد من مجمل هذه الأحكام أن المشرع الكويتي -ولئن وجّه الالتزام الأصلي إلى “موفر المنتج” في الأساس- لم يُخرج المؤثر ذاته من دائرة المساءلة، وبخاصة متى شارك في صياغة المحتوى المضلل أو علم بمخالفته ولم يمتنع عن نشره.

 

المطلب الرابع: لمحة مقارنة موجزة

يفيد استعراض بعض التجارب التشريعية المقارنة في دول الخليج العربي في إبراز خصوصية الحل الكويتي، إذ اتجهت بعض التشريعات في المنطقة إلى إصدار ضوابط أو أدلة إرشادية خاصة بالمؤثرين تُلزمهم صراحة وبصفة مستقلة عن المعلن بالإفصاح عن الطابع الإعلاني للمحتوى المدفوع، عبر وسم أو عبارة واضحة تظهر للمتابع دون لبس، مع اشتراط الحصول على ترخيص تجاري لممارسة هذا النشاط على وجه الاحتراف، وربط هذا الترخيص أحياناً بحد أدنى معين من عدد المتابعين أو من تكرار النشاط الترويجي.

ومن الأمثلة على تلك التشريعات نذكر ما يلي:

أولاً: التشريع السعودي

نجد أن المنظم السعودي قد اشترط حصول أي شخص يمارس نشاطاً من أنشطة مجال الإعلام المرئي والمسموع – ومن ضمنها الإعلام الرقمي – على ترخيص بذلك، وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة الثالثة من نظام الإعلام المرئي والمسموع الصادر بموجب المرسوم الملكي رقم (م/33) وتاريخ 28/6/1440هـ، ووفقاً لضوابط الهيئة العامة لتنظيم الإعلام، حيث تُعد «ضوابط تقديم الأفراد للمحتوى الإعلاني عبر منصات التواصل الاجتماعي» الأداة التنظيمية الأكثر تخصصًا ومباشرة، إذ تشترط على الأفراد ممارسي النشاط الإعلاني الحصول على ترخيص «موثوق».

وأيضاً نظام التجارة الإلكترونية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/126) وتاريخ 7/11/1440هـ ولائحته التنفيذية، والذي حرص فيه المنظم السعودي على تنظيم عملية الإعلان الإلكتروني من قبل المؤثرين، حيث اعتبر المؤثر بمثابة مزود خدمة متى قام بتقديم خدمات إعلانية، كما استهدف حماية المستهلك من الإعلانات المضللة وفقاً لما ورد بالمادة الحادية عشر من النظام آنف البيان، والتي نصت على أنه “يحظر تضمين الإعلان الإلكتروني ما يأتي:

  • عرضاً أو بياناً أو ادعاءاً كاذباً أو مصوغاً بعبارات من شأنها أن تؤدي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى خداع المستهلك أو تضليله.
  • شعاراً أو علامة تجارية لا يملك موفر الخدمة حق استعمالها أو علامة مقلدة.”

وما جاء بنص المادة رقم (10) من اللائحة التنفيذية لنظام التجارة الإلكترونية من وجوب تضمين الإعلان ما يفيد أنه مادة إعلانية، وهاتين المادتين يلزما المؤثر بالصدق فيما يقدمه من محتوى إعلاني، وأيضاً بالإفصاح عن مضمون الإعلان والتنويع للمتابعين بأن مضمونه هو مادة إعلانية، بما يحقق الشفافية للمحتوى المقدم، ويترتب على مخالفة المؤثر لتلك الالتزامات المسؤولية القانونية أياً كان نوعها.

ثانياً: التشريع الإماراتي

ألزم المشرع الإماراتي أي شخص يمارس نشاطاً إعلامياً بالحصول على ترخيص من مجلس الإمارات للإعلام أو من الجهة المختصة، وذلك طبقاً لما ورد بنص المادة رقم (12) من المرسوم بقانون اتحادي رقم 55 لسنة 2023 في شأن تنظيم الإعلام، ويشمل ذلك المؤثرين باعتبارهم من مقدمي نشاط الإعلام الإلكتروني والرقمي.

وتضمنت المادة رقم (20) من ذات المرسوم بقانون ما يفيد ضرورة عدم اشتمال الإعلان على أي مخالفة لمعايير المحتوى الإعلامي التي يقررها القانون، وذلك لحماية الجمهور من الغش أو التضليل، وأيضاً ضرورة تضمين الإعلان الرقمي أو الإلكتروني ما يشير بشكل واضح وصريح أن ما يتضمنه الإعلان هو مادة إعلانية، بما يحافظ على الشفافية والمصداقية والوضوح.

كما أكدت المادة رقم (21) من المرسوم بقانون على حماية حقوق الملكية الفكرية من أي تعدي يشمله المحتوى الإعلاني المدقمك من قبل المؤثر، وذلك فيما نصت عليه من أن “يجب على الأشخاص والمنشآت والمؤسسات الإعلامية الالتزام بتشريعات الملكية الفكرية والعلامات التجارية المعمول بها في الدولة”.

ثالثاً: تجربة الاتحاد الأوروبي  (النهج الشامل)

يقوم النموذج الأوروبي على إطار تشريعي متعدد الطبقات، أداته الأساسية (توجيه الممارسات التجارية غير النزيهة)، الذي يحظر الإعلانات المضللة ويوجب على المعلنين، بمن فيهم المؤثرون، الكشف الصريح عن النية التجارية للمحتوى بشكل لا لبس فيه. وقد عُزِّز هذا الإطار مؤخرًا بـ (قانون الخدمات الرقمية) الذي فرض التزامات شفافية جديدة لا تقتصر على المؤثرين وحدهم، بل تمتد إلى المنصات الرقمية ذاتها، بإلزامها بتوفير معلومات واضحة للمستخدم حول سبب ظهور إعلان معين له ومن هي الجهة الممولة له.

وتكمن السمة الجوهرية لهذا النموذج في شموليته؛ إذ لا يركز على المؤثر بوصفه فردًا معزولًا عن السياق، بل ينظر إلى المنظومة الرقمية البيئية بأكملها، بما في ذلك مسؤولية المنصات نفسها في توفير الشفافية الإعلانية. وبالنسبة للمؤثرين تحديدًا، فإن الإفصاح عن المحتوى الإعلاني لم يعد بموجب هذا الإطار مجرد ممارسة فضلى اختيارية، بل أصبح التزامًا قانونيًا صارمًا، وأي إخفاء للطبيعة التجارية للمحتوى يُعد ممارسة مضللة محظورة.

رابعاً: النموذج الأمريكي — إرشادات لجنة التجارة الفيدرالية

تُعد الولايات المتحدة رائدة في وضع إرشادات عملية ومفصلة لمسؤولية المؤثرين، من خلال (إرشادات لجنة التجارة الفيدرالية بشأن استخدام الإقرارات والشهادات في الإعلان)، ويقوم هذا النموذج على مبدأ أساسي وبسيط: وجوب إفصاح المؤثر بوضوح وشفافية عن أي علاقة مادية تربطه بالعلامة التجارية التي يروّج لها، وتشمل هذه العلاقة ليس فقط المقابل المالي، بل أيضًا الحصول على منتجات مجانية، أو وجود علاقة عائلية، أو أي منفعة أخرى قد تؤثر على مصداقية التوصية.

وتشدد الإرشادات على أن يكون الإفصاح (واضحاً وظاهراً)، بحيث لا يمكن للمستهلك العادي أن يفوته بسهولة، وتوفر اللجنة أمثلة عملية دقيقة لما هو مقبول وما هو غير مقبول، كاستخدام وسم #ad في مستهل المنشور، ورفض الإفصاحات الغامضة أو المخفية في نهاية قائمة طويلة من الوسوم. ويتميز النموذج الأمريكي بتركيزه على الجانب العملي والتعليمي، ويهدف إلى جعل الشفافية جزءًا لا يتجزأ من ممارسة التسويق عبر المؤثرين.

خامساً: الموقف في جمهورية مصر العربية

عالج المشرّع المصري إشكالية الإعلانات المضللة عبر قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018، وذلك بشكل عام دون تخصيص نصي مباشر يستهدف المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا. وتنسحب أحكام هذا القانون على المحتوى الإعلاني الذي يقدمه المؤثرون باعتبارهم جزءًا من السلسلة الترويجية، مع تركيز أساسي على دور جهاز حماية المستهلك في ممارسة الرقابة وإنفاذ أحكام القانون في مواجهة الممارسات الإعلانية الكاذبة أو المضللة.

ويلاحَظ من هذه التجربة أن التنظيم المصري لا يزال يفتقر إلى نصوص خاصة تعالج الطبيعة المستحدثة لدور المؤثر، وتُميّزه عن المعلن التقليدي والوسيط التجاري، وهو ما يجعل مساءلة المؤثر تتم بصورة غير مباشرة عبر القواعد العامة لحماية المستهلك.

سادساً: الموقف في المملكة الأردنية الهاشمية

اعتمدت الأردن على تعليمات أصدرتها هيئة الإعلام خاصة بتنظيم الإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي، وتضمنت هذه التعليمات قواعد تتعلق بضرورة الإفصاح عن الطبيعة الإعلانية للمحتوى ومنع الممارسات التضليلية، بشكل مشابه من حيث المبدأ لما هو معمول به في التجارب الأخرى. غير أن النموذج الأردني اعتمد على آلية الرقابة اللاحقة على المحتوى المنشور، دون اشتراط الحصول على ترخيص مسبق لممارسة نشاط التسويق عبر المؤثرين، وهو ما يميزه عن نماذج الترخيص الإلزامي المسبق المعتمدة في بعض الأنظمة الأخرى في المنطقة.

وتعكس هذه التجربة، إلى جانب التجربة المصرية، وعيًا إقليميًا متزايدًا بأهمية تنظيم قطاع الإعلان عبر المؤثرين، وإن اختلفت الآليات التنظيمية المتبعة بين الدولتين من حيث الاعتماد على الرقابة اللاحقة بدلًا من الاشتراطات الإجرائية المسبقة[1].

وتتقارب هذه التجارب المقارنة في اعتمادها معياراً مزدوجاً لتحديد نطاق التنظيم: معيار الصفة الاحترافية للنشاط، ومعيار وجود مقابل مادي أو عيني للترويج، بحيث يُستثنى المحتوى الشخصي المحض من الالتزامات الخاصة، على نحو يشبه إلى حد بعيد الاستثناء الذي أورده المشرع الكويتي في قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني للحساب الشخصي غير المهني. كما تشترك هذه التجارب في تشديد الرقابة على الإعلانات الموجهة إلى فئة الأطفال والقصّر بصفة خاصة، نظراً لضعف قدرتهم على تمييز الطابع الترويجي للمحتوى عن المحتوى المحايد، وهو اتجاه يُنصح بأن يُراعى بصورة أوضح عند استكمال اللائحة التنفيذية الكويتية المتعلقة بالإعلانات الرقمية.

ويُلاحَظ أن التشريع الكويتي، وإن كان قد قطع خطوة مهمة بتعريف المؤثر تشريعياً وتنظيم علاقته بموفر المنتج ضمن منظومة التجارة الرقمية بصفة عامة، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدقة في تحديد الالتزام المستقل للمؤثر ذاته بالإفصاح بمعزل عن التزام موفر المنتج، وإلى معايير أكثر تفصيلاً بشأن المحتوى الموجه للقصّر، وهو ما سيأتي تفصيله في موضعه من هذا البحث.

المبحث الثالث: طبيعة العلاقات القانونية الناشئة عن نشاط المؤثر

المطلب الأول: علاقة المؤثر بالمعلن (موفر المنتج)

تنشأ العلاقة بين المؤثر والمعلن -في الغالب الأعم- من عقد ترويج أو تسويق يُحدَّد بموجبه محل الالتزام (المحتوى المطلوب نشره، وتوقيته، ومدته، ومقابله المالي أو العيني، وشروط الحصرية إن وُجدت). ويثير التكييف القانوني لهذا العقد جدلاً فقهياً، إذ يذهب اتجاه إلى تكييفه بأنه أقرب إلى عقد المقاولة (عقد عمل) الذي يلتزم فيه المؤثر بإنجاز عمل محدد (إنتاج ونشر محتوى بمواصفات معينة) لقاء أجر، دون أن يخضع لإشراف أو تبعية المعلن بما يخرجه من دائرة عقد العمل بمعناه الدقيق. ويذهب اتجاه آخر إلى وصفه بأنه عقد ذو طبيعة خاصة يجمع بين عناصر من عقد المقاولة وعناصر من عقد الوكالة التجارية، بحسب درجة الاستقلالية التي يتمتع بها المؤثر في صياغة المحتوى.

وأياً كان التكييف الدقيق لهذا العقد، فإنه يخضع للقواعد العامة في نظرية العقد في القانون المدني الكويتي من حيث أركانه وشروط صحته وآثاره، وأهمها الالتزام بتنفيذ المحتوى المتفق عليه بالجودة والتوقيت المتفق عليهما، والالتزام بعدم الإخلال بشروط الحصرية إن وُجدت، وعدم استخدام المحتوى المنتَج لأغراض تخالف الغاية التي أُبرم العقد من أجلها. كما تفرض التشريعات الخاصة (كالمرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2026) التزامات إضافية على هذه العلاقة تتعلق بتوثيقها وحفظ سجلاتها والصرف من خلال وسائل دفع موثوقة، وذلك طبقاً لما نصت عليه المادة رقم (23) من المرسوم بقانون آنف الذكر، والتي نصت على أنه “في حالة استخدام المؤثرين للترويج عن المنتجات أو الخدمات يلتزم موفر المنتج أو الخدمة بالآتي:

  • حفظ البيانات والسجلات والاتفاقات المتعلقة بالمؤقر لمدة لا تقل عن خمس سنوات وتقديمها للوزارة عند طلبها.
  • دفع جميع المستحقات للمؤثرين عبر وسائل دفع موثوفة تتوافق مع معايير مكافحة غسيل الأموال وتعليمات البنك المركزي والأنظمة المصرفية في الدولة. “.

المطلب الثاني: علاقة المؤثر بالمستهلك

لا تنشأ بين المؤثر والمستهلك (متابعه) من حيث الأصل أي رابطة عقدية مباشرة، إذ لا يُبرم المؤثر عقداً مع كل متابع من متابعيه، وإنما ينحصر دوره في نشر محتوى يصل إلى هذا المتابع عبر منصة رقمية وسيطة. ومع ذلك، فإن غياب الرابطة العقدية لا يعني انتفاء كل أثر قانوني لهذه العلاقة، إذ يخضع المؤثر تجاه المستهلك للقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية كلما تسبب بفعله الخاطئ (كنشر محتوى مضلل) في ضرر لهذا المستهلك، على النحو الذي سيأتي تفصيله في مبحث المسؤولية المدنية.

ويُضاف إلى ذلك أن بعض التشريعات الخاصة تضع على عاتق موفر المنتج (لا المؤثر مباشرة) التزامات تجاه المستهلك تتصل بالمحتوى الترويجي الذي يُنشر بواسطة المؤثر، كضرورة أن يتضمن الإعلان بيانات جوهرية معينة وألا يتضمن ما يخدع المستهلك أو يضلله، وهو ما يجعل مركز المستهلك القانوني في مواجهة هذه المنظومة الثلاثية (موفر المنتج-المؤثر-المستهلك) مركزاً يتوزع بين مطالبة موفر المنتج بصفته الأصيلة عن الإعلان، ومطالبة المؤثر بصفته فاعلاً مباشراً في إحداث الضرر متى قام هو بصياغة أو ترويج المحتوى المخالف.

المطلب الثالث: علاقة المؤثر بالمنصة الرقمية

تعد المنصة الرقمية عامل من أهم العوامل المؤثرة في عمل المؤثرين، لاسيما وأنها تمثل النافذة التي يطل على جمهوره من خلالها لعرض محتواه الرقمي عليهم، فهي أداة الوصل التي يتواصل المؤثرين بموجبها مع جمهورهم.

والمنصة (Platform) بوجه عام يقصد بها مكان يمثل نقطة تلاقي لأصحاب المصالح أو المنافع المشتركة، وذلك وفقاً لقواعد وضوابط ومبادئ محددة وواضحة ومعلن عنها، ويكون ذلك بغرض تبادل للافكار أو السلع أو الخدمات أو أي من الأغراض التي تهم الإنسان[2].

أما المنصة الرقمية فتعرف بأنها بيئة برمجية وتكنولوجية متكاملة تتواجد في العالم الافتراضي على شبكة الإنترنت، وتتيح لجمهور المستخدمين والمنتجين والمزودين والمؤثرين وغيرهم القدرة على التواصل والتفاعل وتبادل المحتوى الرقمي بكافة أنواعه وأشكاله، وذلك في أي وقت وأي مكان.

وتخضع علاقة المؤثر بالمنصة الرقمية التي ينشر عليها محتواه (كمنصات التواصل الاجتماعي المختلفة) من حيث الأصل لشروط الاستخدام التي تضعها هذه المنصات من جانبها، وهي شروط تعاقدية إذعانية يقبلها المستخدم عند تسجيله، وتتضمن غالباً أحكاماً تتعلق بالمحتوى المسموح نشره، وحقوق الملكية الفكرية على المحتوى المنشور، وآليات إزالة المحتوى المخالف أو تعليق الحسابات. وهذه العلاقة، وإن كانت في الأصل ذات طابع تعاقدي خاص يحكمه القانون الذي تختاره المنصة عادة (وهو غالباً قانون أجنبي)، إلا أنها لا تحول دون تطبيق القانون الكويتي على الوقائع التي تقع داخل الكويت أو تستهدف جمهوراً كويتياً، بحسب ما تقرره القواعد العامة لتنازع القوانين والاختصاص القضائي.

ويثير هذا التداخل بين شروط المنصة والقانون الوطني إشكالية عملية تتمثل في أن إزالة المنصة للمحتوى المخالف (تنفيذاً لسياساتها الداخلية) لا تعني بالضرورة انتفاء المسؤولية القانونية للمؤثر في الكويت عن هذا المحتوى، كما أن بقاء المحتوى على المنصة (لعدم مخالفته لسياساتها) لا يعني بالضرورة مشروعيته وفق القانون الكويتي، إذ تبقى معايير كل منهما مستقلة عن الأخرى.

 

المطلب الرابع: علاقة المؤثر بوكالات إدارة المؤثرين

انتشر في السنوات الأخيرة نمط تعاقدي يقوم على استعانة المؤثر بوكالة متخصصة تتولى نيابة عنه التفاوض مع المعلنين وإدارة أعماله التجارية لقاء نسبة من عائداته. وتخضع هذه العلاقة للقواعد العامة في عقد الوكالة، بحيث تلتزم الوكالة بالعمل ضمن حدود التفويض الممنوح لها من المؤثر، ويلتزم المؤثر في المقابل بأداء العمولة المتفق عليها. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة من الناحية القانونية عندما تتصرف الوكالة باسم المؤثر أو لحسابه في إبرام عقود ترويج تتضمن مخالفات (كعدم الإفصاح عن الطابع الإعلاني)، إذ يثور التساؤل عن مدى امتداد أثر هذا الفعل إلى المؤثر ذاته وفقاً للقواعد العامة في نظرية النيابة والوكالة، وهو ما يُحسم من حيث الأصل بالرجوع إلى حدود التفويض الممنوح للوكالة ومدى علم المؤثر بالمخالفة أو إقراره لها ولو ضمنياً.

المبحث الرابع: المسؤولية المدنية للمؤثر

المطلب الأول: أساس المسؤولية المدنية ومصادرها

الفرع الأول: المسؤولية العقدية تجاه المعلن

نصت المادة رقم (196) من القانون المدني الكويتي على أنه “العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز لأحدهما أن يستقل بنقضه أو تعديل أحكامه إلا في حدود ما يسمح به الاتفاق أو يقض القانون بغيره”، وبالتالي لا يجوز للمؤثر أن يخالف الالتزامات التعاقدية المقررة عليه بموجب العقد المبرم بينه وبين المعلن، وعليه أن ينفذها وفقاً لما وردت في العقد وطبقاً لما يقتضيه حسن النية.

فإذا أخلّ المؤثر بأي من التزاماته التعاقدية تجاه المعلن -كعدم نشر المحتوى المتفق عليه، أو نشره بصورة مخالفة للمواصفات المتفق عليها، أو الإخلال بشرط الحصرية بالترويج لمنتج منافس خلال مدة العقد- كان مسؤولاً عقدياً تجاه المعلن عن التعويض المترتب على هذا الإخلال، وذلك في حدود الشروط المتفق عليها وبمراعاة القواعد العامة في تنفيذ الالتزامات وآثار عدم تنفيذها المقررة في القانون المدني الكويتي، وأهمها ضرورة إعذار المدين (المؤثر) قبل المطالبة بالتعويض في الأحوال التي يشترط فيها القانون ذلك، وتحديد التعويض بحسب الضرر المتوقع وقت التعاقد ما لم يثبت غش المدين أو خطؤه الجسيم.

الفرع الثاني: المسؤولية التقصيرية تجاه المستهلك والغير

أما تجاه المستهلك والغير من متابعي المؤثر، فلا تربطهم بالمؤثر أي رابطة عقدية مباشرة في الغالب، الأمر الذي يستوجب الرجوع إلى القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية المنصوص عليها في المادة (227) من القانون المدني الكويتي الصادر بالمرسوم بقانون رقم (67) لسنة 1980، والتي تقضي بأن كل من أحدث بفعله الخاطئ ضرراً بغيره يلتزم بتعويضه، سواء كان في إحداث هذا الضرر مباشراً أو متسبباً. وتقوم هذه المسؤولية على أساس موضوعي لا يشترط توافر التمييز في محدث الضرر بحسب الاتجاه السائد فقهاً وقضاءً في الكويت، وهو ما يوسّع من دائرة تطبيقها.

 

المطلب الثاني: أركان المسؤولية التقصيرية بالتفصيل

الفرع الأول: الخطأ

يتمثل الخطأ في هذا السياق في كل إخلال بالتزام قانوني مفروض على المؤثر، سواء كان هذا الالتزام عاماً (كواجب عدم الإضرار بالغير) أو خاصاً (كالالتزامات المنصوص عليها في قانون حماية المستهلك أو قانون التجارة الرقمية). ويأخذ هذا الخطأ صوراً متعددة أبرزها نشر محتوى ترويجي كاذب أو مضلل، أو إخفاء الصفة الإعلانية للمحتوى، أو نشر محتوى مسيء لسمعة الغير أو خصوصيته. ولا يشترط لقيام الخطأ توافر القصد الجنائي بالمعنى الدقيق، إذ يكفي إثبات الإهمال أو عدم التبصر الكافي بالمحتوى المنشور، خلافاً لما تشترطه بعض النصوص الجزائية من توافر القصد الجنائي الخاص.

الفرع الثاني: الضرر

يجب أن يكون الضرر محققاً ومباشراً وشخصياً يمكن تقديره مادياً أو أدبياً، ويأخذ في سياق نشاط المؤثر صورتين رئيسيتين: الضرر المادي المتمثل في الخسارة المالية التي يتكبدها المستهلك جراء شراء منتج غير مطابق للمواصفات المعلَن عنها اعتماداً على محتوى المؤثر، والضرر الأدبي المتمثل في المساس بسمعة الشخص أو خصوصيته أو شعوره بالخداع نتيجة اعتماده على محتوى بدا له محايداً بينما كان في حقيقته إعلاناً مدفوعاً.

الفرع الثالث: علاقة السببية

يجب أن يثبت أن الضرر وقع نتيجة مباشرة لخطأ المؤثر، دون تدخل سبب أجنبي يقطع رابطة السببية، كخطأ المستهلك ذاته إذا ثبت علمه المسبق بعدم دقة المحتوى، أو تدخل فعل الغير (كتعديل المنتج من قبل التاجر بعد نشر المحتوى الترويجي)، أو القوة القاهرة. فإذا انقطعت رابطة السببية لأي سبب من هذه الأسباب، سقط حق المطالبة بالتعويض عن المؤثر كلياً أو جزئياً بحسب مدى مساهمة السبب الأجنبي في إحداث الضرر.

المطلب الثالث: صور الإخلال الموجب للمسؤولية

الفرع الأول: الإخلال بواجب الإفصاح عن طبيعة المحتوى الإعلاني

من أبرز صور الإخلال التي تشغل الفقه والتطبيق العملي في مجال التسويق عبر المؤثرين هي إخفاء الصفة الإعلانية للمحتوى المنشور، بحيث يظهر المحتوى في مظهر رأي أو تجربة شخصية محايدة في حين أنه في حقيقته إعلان مدفوع الأجر. وقد اشترط المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 -في سياق تنظيمه لضوابط الإعلان الرقمي- توافر الشفافية والوضوح في الإعلانات وعدم احتوائها على ما يخدع المستهلك أو يضلله، وهو ما يستوعب في مضمونه واجب الإفصاح عن العلاقة التعاقدية بين المؤثر وموفر المنتج. وعدم الإفصاح عن هذه العلاقة يشكّل من الناحية المدنية خطأً موجباً للمسؤولية متى ترتب عليه ضرر للمستهلك الذي اتخذ قراره الشرائي بناءً على اعتقاد خاطئ بحياد المحتوى المعروض عليه.

وهو ما أكدته المادة رقم (18) من القانون آنف البيان، حيث قررت أنه “يجب أن يتضمن الإعلان الخاص بالتجارة الرقمية على البيانات الآتية:

1- اسم موفر المنتج أو الخدمة وسعرها.

2- وصف واضح ودقيق للمنتج أو الخدمة المعلن عنها.

3- بيانات الاتصال بموفر المنتج أو الخدمة، ويستثنى من تطبيق هذا البند الإعلانات الإلكترونية التي تتم عبر حسابات التواصل الاجتماعي المسجلة لدى الوزارة، شريطة أن يتم ربط الإعلان بحساب التواصل الاجتماعي الرسمي للجهة المعلنة والذي يحتوي على كافة المعلومات المطلوبة هم موفر المنتج أو الخدمة.

4- البيانات الأخرى التي تحددها اللائحة”.

الفرع الثاني: الترويج المضلل والإعلان الكاذب

يقع كثير من المؤثرين -بحكم اعتمادهم على وصف تجربتهم الشخصية بالمنتج- في مخالفة تتمثل بالمبالغة في وصف خصائص المنتج أو نتائجه على نحو يجاوز الحقيقة، أو نسبة صفات وهمية إليه، كادعاءات علاجية أو تجميلية غير مثبتة علمياً. وهذا السلوك يندرج ضمن مفهوم “الإعلان الكاذب أو المضلل” الذي يحظره قانون حماية المستهلك على “المزوّد” بوجه عام، ولا يمنع تطبيق هذا الحظر -من الناحية المدنية على الأقل- من مساءلة المؤثر بوصفه فاعلاً أسهم في إحداث الضرر متى كان هو من صاغ العبارات المضللة أو روّجها وهو عالم بعدم صحتها.

وفي ذلك نصت المادة رقم (23) من قانون تنظيم العمل بالتجارة الرقمية الكويتي على أنه “في حالة استخدام المؤثرين للترويج عن المنتجات أو الخدمات يلتزم موفر المنتج أو الخدمة بالآتي: …. عدم استخدام المؤثرين في أي حملات ترويجية تنطوي على تحايل أو تضليل المستهلكين، أو تهدف إلى التهرب من الأنظمة المالية المقررة.

الفرع الثالث: انتهاك حقوق الملكية الفكرية والخصوصية

قد يقع المؤثر في إخلال آخر يتصل باستخدام مواد محمية بحقوق الملكية الفكرية (كالصور أو المقاطع الموسيقية أو العلامات التجارية) دون إذن أصحابها، أو باستخدام صور أو معلومات شخصية للغير دون رضاهم في سياق محتواه الترويجي، وهو ما يرتب مسؤولية مدنية مستقلة عن أحكام حماية الملكية الفكرية وحماية الخصوصية بحسب القواعد العامة والتشريعات الخاصة ذات الصلة، إلى جانب ما قد يترتب على ذلك من مسؤولية جزائية بحسب طبيعة الفعل وجسامته.

الفرع الرابع: مسؤولية المؤثر عن تعليقات الجمهور على منشوراته

كاتب التعليق على المنشور يقصد به الشخص الذي يضع تعليقاً على المنشور أو المحتوى الذي ينشره والتفاعل معه، ويكون ذلك التعليق إما في شكل رد على المحتوى المنشور أو إعادة نشر له[3].

ويثور تساؤل عملي حول مدى مسؤولية المؤثر عما ينشره متابعوه من تعليقات مسيئة أو مخالفة أسفل منشوراته، وإن كان لا يُسأل من حيث الأصل عن فعل الغير المستقل عنه، إلا أن هذه المسؤولية قد تنعقد استثناءً إذا ثبت علمه بالتعليق المخالف وامتناعه عمداً عن حذفه أو الإبلاغ عنه رغم قدرته على ذلك، وبخاصة إذا كان التعليق يمس شخصاً بعينه بصورة جسيمة، إذ يقترب الأمر عندئذ من صورة المشاركة بالامتناع في نشر أو إبقاء المحتوى المخالف متاحاً للجمهور. وتبقى هذه المسؤولية استثنائية ومقيدة بإثبات العلم والقدرة على المنع، حتى لا تتحول إلى مسؤولية موضوعية مطلقة عن كل فعل يصدر عن الغير في مساحة تفاعلية لا يملك المؤثر عليها سيطرة كاملة.

المطلب الرابع: التعويض وموانع المسؤولية

يُقدَّر التعويض في مواجهة المؤثر وفقاً للقواعد العامة بحسب جسامة الضرر المادي والأدبي الذي أصاب المضرور، ويشمل ما لحق المضرور من خسارة وما فاته من كسب متى كان ذلك نتيجة طبيعية للخطأ، وذلك طبقاً لما نصت عليه المادة رقم (230/1) من القانون المدني الكويتي من أنه “يتحدد الضرر الذي يلتزم المسؤول عن العمل غير المشروع بالتعويض عنه بالخسارة التي وقعت والكسب الذي فات طالما كان ذلك نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع”، وأوضحت ذات المادة في الفقرة الثانية منها متى تكون الخسارة الواقعة أو الكسب الفائت نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع، وذلك بأن لا يكون في المقدور تفاديها في ظل بذل جهداً معقولاً مما تقتضيه ظروف الحال للشخص العادي.

ولا تحول العقوبة الجزائية المقررة لبعض صور هذا الإخلال دون حق المتضرر في إقامة دعوى مدنية مستقلة أو تبعية للدعوى الجزائية للمطالبة بالتعويض، ولا تُعفي إحدى المسؤوليتين من الأخرى لكون كل مسؤولية منهما تقوم بذاتها وبشكل مستقل عن الأخرى.

وتنتفي مسؤولية المؤثر أو تُخفَّف إذا أثبت توافر سبب أجنبي يقطع رابطة السببية، كالقوة القاهرة (وهي نادرة التصور في هذا السياق)، أو خطأ الغير كتدخل موفر المنتج بتعديل مضمون المنتج بعد نشر المحتوى الترويجي دون علم المؤثر، أو خطأ المضرور ذاته إذا ثبت علمه المسبق بعدم دقة المحتوى أو تجاهله لتحذيرات واضحة تضمنها المحتوى ذاته، وهو ما نصت عليه المادة رقم (233) من القانون المدني الكويتي، حيث تضمنت أنه “إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي عنه لا يد له فيه، كقوة قاهرة أو حادث فجائي أو فعل المضرور أو فعل الغير، كان غير ملزن بالتعويض، وذلك ما لم يوجد نص يقضي بخلافه”.

المبحث الخامس: المسؤولية الجزائية للمؤثر

المطلب الأول: المسؤولية بموجب قانون حماية المستهلك رقم (39) لسنة 2014

قرر قانون حماية المستهلك في المادة (27) منه عقوبة الحبس مدة لا تجاوز سنتين والغرامة التي لا تجاوز عشرين ألف دينار كويتي، أو إحدى هاتين العقوبتين، لكل من يخالف الالتزامات المفروضة على المزوّد بموجب مواد الفصل الخامس من هذا القانون، ومنها حظر الإعلان الكاذب أو المضلل. وتُضاعَف هذه العقوبة في حال العود إذا ارتكب المخالف جريمة مماثلة خلال خمس سنوات من تاريخ الحكم عليه بالجريمة الأولى. كما قرر القانون مسؤولية تضامنية على الشخص الاعتباري عن الوفاء بالتعويضات والغرامات إذا ارتُكبت المخالفة من أحد العاملين باسمه أو لصالحه، ومسؤولية المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري بذات العقوبات إذا ثبت علمه بالمخالفة أو مصلحته الشخصية فيها.

وتنطبق هذه الأحكام على المؤثر متى كان هو ذاته المزوّد (أي يروّج لمنتجاته أو خدماته الخاصة)، كما تنطبق عليه -بوصفه فاعلاً أصلياً أو شريكاً بحسب القواعد العامة في المشاركة الجزائية- متى كان هو من صاغ المحتوى المخالف أو أسهم بعلمه في ترويجه لحساب موفر منتج آخر.

المطلب الثاني: المسؤولية بموجب قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (63) لسنة 2015

بوصف المحتوى الرقمي الذي ينشره المؤثر محتوىً يمر عبر شبكة الإنترنت ووسائل تقنية المعلومات، فإنه يقع -شأنه شأن أي مستخدم آخر لهذه الوسائل- تحت طائلة الأحكام العامة لقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (63) لسنة 2015، الذي عالج المشرع الكويتي بموجبه عدداً من صور العنف والإساءة المرتكبة عبر هذه الوسائل.[4]

وقبل التعرض لأحكام قانون مكافحة تقنية المعلومات نود أن نتعرض إلى تعريف المحتوى الرقمي، باعتباره محل تطبيق هذا القانون، وهو الذي يشتمل على المضمون الذي يشكل الفعل أو السلوك المادي للجريمة.

يعرف المحتوى الرقمي بأنه المحتوى الإلكتروني الذي يشتمل على كل كا يتم إنتاجه وتقديمه عبر شبكة الإنترنت، وذلك باختلاف صوره وأشكاله من نصوص مكتوبة وصور ومقاطع صوتية وفيديوهات وغيرها من محتوى.

الفرع الأول: جريمة القذف والسب الإلكتروني

تُشدَّد عقوبة السب والقذف المنصوص عليها في قانون الجزاء الكويتي (المادتان 209 و210) متى ارتُكبت عبر وسائل تقنية المعلومات، وذلك تطبيقاً للمادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهو ما يشمل المحتوى المسيء الذي قد ينشره المؤثر تجاه منافسيه أو منتقديه أو أي شخص آخر. ولا يشترط لقيام هذه الجريمة ذكر اسم المجني عليه صراحة، بل يكفي أن ينصرف معنى العبارات إليه بحسب ظروف النشر وسياقه.[5]

الفرع الثاني: جريمة التهديد والابتزاز الإلكتروني

قد يُستخدم النفوذ الجماهيري للمؤثر أداةً للضغط على شخص بقصد حمله على القيام بعمل أو الامتناع عنه، كالتهديد بنشر محتوى مسيء عن تاجر أو شخص ما ما لم يُستجب لمطلب مالي أو غيره، وهو ما يندرج ضمن جريمتي التهديد والابتزاز الإلكتروني المؤثمتين بموجب قانون تقنية المعلومات في مادته رقم (3/4) والتي نصت على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن عن ثلاثة آلاف دينار ولا تجاوز عشرة آلاف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من استعمل الشبكة المعلوماتية أو استخدام وسيلة من وسائل تقنية المعلومات في تهديد أو ابتزاز شخص طبيعي أو اعتباري لحمله على القيام بفعل أو الامتناع عنه، فإذا كان تاتهديد بارتكاب جناية أو بما يعد مساساً بكرامة الأشخاص أو خادشا للشرف والاعتبار أو السمعة كانت العقوبة الحبس مدة لا تجاوز خمس سنوات والغرامة التي لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تجاوز عشرين ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين”، والتي جرم أيضاً قانون الجزاء صورتها التقليدية في المواد (173 و174 و176)، وتُعتبر العبرة في قيام هذه الجريمة بالأثر النفسي الذي تحدثه العبارات في نفس المجني عليه لا بألفاظها المجردة.[6]

الفرع الثالث: جريمة التحريض على الفتنة والكراهية

حظر المشرع نشر أو بث ما من شأنه إثارة روح البغضاء والكراهية بين فئات المجتمع، وهو حظر ينطبق على أي محتوى يبثه المؤثر من هذا القبيل، وتُطبَّق عليه عقوبة قد تصل إلى الحبس والغرامة، مع جواز إغلاق الحساب أو الموقع المستخدم في ارتكاب المخالفة. وتزداد جسامة هذه الجريمة في سياق نشاط المؤثر نظراً لاتساع قاعدة جمهوره، إذ يزداد الأثر الفعلي لمحتواه في تحريك الرأي العام مقارنة بالمستخدم العادي.[7]

الفرع الرابع: جرائم أخرى ذات صلة

يخضع المؤثر كذلك لأحكام قانون المطبوعات والنشر رقم (3) لسنة 2007 فيما يتصل بحظر نشر ما يمس كرامة الأشخاص أو حياتهم أو معتقداتهم الدينية أو ما يثير الكراهية بين فئات المجتمع، وذلك في نطاق تطبيقه على وسائل التعبير الشبكية المعلوماتية والمدونات وغيرها من وسائل الاتصالات الحديثة. كما يخضع لأحكام قانون الجزاء العامة المتعلقة بالنصب والاحتيال الإلكتروني متى استخدم منصته للحصول على أموال أو معلومات بطرق احتيالية أو مضللة، وهي جريمة قد تتقاطع مع نشاطه الترويجي إذا انطوى على غش في وصف المنتج بقصد تحقيق كسب غير مشروع.

المطلب الثالث: المسؤولية بموجب المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026

أفرد هذا المرسوم بقانون في فصله التاسع منظومة عقابية خاصة بمخالفة أحكامه، إذ يعاقَب بالحبس مدة لا تجاوز سنة وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار كل من يخالف موادّه الجوهرية، ومنها:

  • مخالفة ضوابط الاستعانة بالمؤثرين.
  • مخالفة الأحكام الخاصة بالترويج المضلل.
  • الامتناع عن القيد في سجلات الوزارة المختصة، أو تقديم بيانات أو مستندات كاذبة لهذا الغرض.
  • عرض منتجات أو خدمات غير مشروعة تقنياً.
  • الامتناع عن تنفيذ قرارات لجنة تسوية المنازعات.

كما أقرّ القانون صراحة مسؤولية المسؤول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري إذا ثبت علمه بالمخالفة وكان إخلاله بواجبات وظيفته قد ساهم في تحقق تلك الجريمة، أو كان قد حقق منفعة أو مصلحة شخصية منها.

كما قرر مسؤولية الشخص الاعتباري بالتضامن عن سداد التعويضات والغرامات إذا ارتكبها أحد العاملين باسمه، وأجاز مصادرة الوسائل والأموال المتحصلة من المخالفة، وحتى إغلاق المتجر أو المنصة بالكامل. وتكتسب هذه الأحكام أهمية خاصة لأنها -خلافاً للقوانين العامة السابقة عليها- تخاطب نشاط المؤثر بوصفه حلقة مستقلة في منظومة التجارة الرقمية، لا مجرد ناشر محتوى عادي، وتضع لأول مرة عقوبات مباشرة مرتبطة تحديداً بمخالفة “ضوابط الاستعانة بالمؤثرين”.

المطلب الرابع: المسؤولية الجزائية للأشخاص الاعتبارية العاملة في هذا المجال

لا تقتصر المساءلة الجزائية على المؤثر الفرد، بل تمتد -بحسب القواعد العامة المستقرة في التشريعات الخاصة محل هذا البحث- إلى وكالات إدارة المؤثرين والشركات المعلنة، متى ثبت علم المسؤول عن الإدارة الفعلية لهذه الجهات بالمخالفة أو مساهمته فيها أو تحقيقه مصلحة منها. وتقوم هذه المسؤولية على أساس أن الشخص الاعتباري يعمل من خلال ممثليه الطبيعيين، فإذا ارتكب أحد هؤلاء الممثلين مخالفة باسم الشخص الاعتباري أو لصالحه، امتد أثر هذه المخالفة إليه بحسب الشروط المقررة قانوناً، دون أن يحول ذلك دون مساءلة المؤثر ذاته إذا كان هو الفاعل المباشر للمخالفة أو شريكاً فيها.

المبحث السادس: المسؤولية الإدارية والرقابية

المطلب الأول: الترخيص والقيد في السجلات

متى ارتقى نشاط المؤثر إلى مستوى الممارسة الإعلامية الاحترافية المنتظمة بالمعنى المقصود في قانون تنظيم الإعلام الإلكتروني، وجب عليه استصدار ترخيص من وزارة الإعلام قبل مزاولة هذا النشاط. كما لا يجوز لأي شخص العمل في قطاع التجارة الرقمية -ومنه نشاط الترويج المدفوع عبر المؤثرين متى بلغ حداً معيناً من الاحتراف والانتظام- قبل القيد في السجلات المخصصة لذلك بوزارة التجارة والصناعة، وذلك بموجب المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026. ويُلاحَظ أن هذين الالتزامين مستقلان من حيث الجهة المختصة بكل منهما (وزارة الإعلام ووزارة التجارة والصناعة على التوالي)، وقد يجتمعان معاً في حق المؤثر الواحد بحسب طبيعة نشاطه الفعلية.

المطلب الثاني: الإنذار والحجب ولجان المخالفات

تُخطِر الجهة المختصة (وزارة التجارة والصناعة أو وزارة الإعلام بحسب الاختصاص) المخالفَ لتصحيح وضعه خلال مهلة قصيرة، فإن لم يُصحَّح الوضع جاز حجب الموقع أو الحساب أو المتجر المخالف. وقد أنشأ المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 لجاناً متخصصة داخل وزارة التجارة والصناعة، منها لجنة المخالفات التي تنظر في المخالفات الإدارية ولها صلاحية باتخاذ أياً من الإجراءات التالية:

  • حفظ المخالفة متى ثبت عدم صحتها.
  • إحالة المخالفة ذات الطابع الجنائي إلى النيابة العامة.
  • إحالة المخالفة التي لا تتسم بالطابع الجنائي إلى لجنة تسوية المنازعات.
  • حجب المنصات المخالفة لمدة محددة لا تجاوز ثلاثين يوماً.

ولجنة تسوية المنازعات التي تُشكَّل برئاسة قاضٍ وتختص بالفصل في الخلافات بين المستهلك والمتجر أو موفر المنتج.

المطلب الثالث: الرقابة المالية على عائدات هذا النشاط

أولى المشرع الكويتي في المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 اهتماماً خاصاً بالجانب المالي لنشاط المؤثرين، إذ أوجب أن تُصرف مستحقاتهم عبر وسائل دفع موثوقة تتوافق مع معايير مكافحة غسل الأموال وتعليمات بنك الكويت المركزي، وذلك تفادياً لاستخدام هذا النشاط قناة للتحايل المالي أو إخفاء مصادر الأموال. ولئن كان القانون الكويتي لا يفرض حالياً ضريبة دخل مباشرة على الأفراد بصفة عامة، فإن هذا لا يعني انتفاء أي التزام رقابي على العائدات المتحصلة من هذا النشاط، بل يبقى موفر المنتج ملزماً بحفظ سجلات هذه المدفوعات لمدة لا تقل عن خمس سنوات وتقديمها للجهات المختصة عند الطلب، بما يمكّن من التحقق من مشروعية مصدرها ووجهتها.

المبحث السابع: الإشكاليات العملية في إثبات مسؤولية المؤثر ومساءلته

المطلب الأول: وسائل الإثبات الرقمي

يثير الطابع اللحظي والمتغير للمحتوى الرقمي إشكالية عملية في إثبات المخالفة، إذ قد يُحذف المحتوى المخالف بعد فترة وجيزة من نشره. وقد استقر القضاء الكويتي على الاعتداد بحجية التغريدات والرسائل والمنشورات الإلكترونية كدليل إدانة، بشرط توافر ضمانات معينة تتعلق بصحة نسبتها إلى صاحب الحساب وسلامة توثيقها من التلاعب. وتُعدّ لقطة الشاشة (Screenshot) من أكثر وسائل الإثبات شيوعاً في هذا المجال، وإن كانت تحتاج -لتعزيز قوتها الثبوتية- إلى توثيق رسمي إضافي (كإفراغ محتوى الموقع أو الحساب بمحضر إثبات حالة رسمي، أو الاستعانة بخبرة فنية متخصصة تتحقق من مصدر المحتوى وتاريخ نشره وسلامته من التعديل).

ويكتسب الإثبات في هذا المجال أهمية خاصة عند المنازعة حول واقعة “الإفصاح عن الطابع الإعلاني” من عدمه، إذ يقع عبء إثبات وجود المقابل المادي أو العيني للترويج -في غياب إفصاح صريح من المؤثر ذاته- على من يدّعيه، وهو ما قد يستدعي الرجوع إلى العقد المبرم بين المؤثر وموفر المنتج، أو السجلات المالية التي يلزم موفر المنتج بحفظها بموجب المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026، وهو ما يبرز الترابط الوثيق بين الالتزامات الوقائية (كحفظ السجلات) وفاعلية آليات الإثبات اللاحقة.

المطلب الثاني: مشكلة تنازع الاختصاص والقانون الواجب التطبيق

يثير الطابع العابر للحدود لنشاط المؤثر إشكالية تحديد الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق، فقد يكون المؤثر مقيماً خارج الكويت بينما يستهدف محتواه جمهوراً كويتياً ويحدث أثره الضار داخل الكويت، أو العكس. وتُحسم هذه الإشكالية من حيث الأصل بالرجوع إلى القواعد العامة في القانون الدولي الخاص والقواعد الإجرائية الكويتية، والتي تعتد عادة بمكان وقوع الضرر أو مكان استهداف الجمهور كأساس للاختصاص، إلى جانب معيار مكان إبرام العقد أو تنفيذه بالنسبة للمنازعات العقدية. وقد راعى المشرع الكويتي هذا البعد جزئياً في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إذ يمتد نطاق تطبيق أحكامه إلى كل من ارتكب فعلاً مؤثماً بموجبه ولو وقع كلياً أو جزئياً خارج إقليم الكويت متى أضرّ بمصالحها.

المطلب الثالث: إشكالية ازدواج المسؤولية وتعدد الأوصاف القانونية

يخضع الفعل الواحد الذي يصدر عن المؤثر في كثير من الأحيان لأكثر من وصف قانوني في آن واحد، فقد يشكّل نشر محتوى ترويجي مضلل مخالفة لقانون حماية المستهلك في الوقت ذاته الذي يشكّل فيه مخالفة لضوابط الإعلان في المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026، وقد يقترن ذلك بمسؤولية مدنية تقصيرية مستقلة عن هاتين المسؤوليتين الجزائيتين. ويثير هذا التعدد تساؤلاً عن مدى جواز الجمع بين هذه الجزاءات عن الواقعة الواحدة، والرأي الراجح أنه لا تعارض بين إعمال المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية معاً لاختلاف أساس كل منهما وغايتها (التعويض في الأولى والردع في الثانية)، أما بالنسبة لتعدد النصوص الجزائية ذاتها، فتُعمَل القواعد العامة في تنازع النصوص العقابية، وأهمها تغليب النص الخاص الأحدث على النص العام السابق عليه، وعدم جواز الجمع بين عقوبتين عن ذات الفعل إذا اتحد الحق المعتدى عليه، مع مراعاة اختصاص القضاء بتقدير ذلك في كل واقعة على حدة.

المبحث الثامن: نماذج تطبيقية توضيحية لمسؤولية المؤثر

يُفيد عرض بعض النماذج الافتراضية التوضيحية في تجسيد الأحكام النظرية السابقة، وبيان كيفية تنزيلها على وقائع قد تعرض عملياً، وذلك دون أن يكون في هذا العرض إسناد لواقعة بعينها أو حكم قضائي محدد، وإنما هي فروض تحليلية للتوضيح لا غير.

المطلب الأول: فرضية الترويج لمنتج غير مطابق للمواصفات دون إفصاح عن الصفة الإعلانية

لو تعاقد تاجر مع مؤثر للترويج لمنتج تجميلي، ونشر المؤثر مقطعاً يصف فيه تجربته الشخصية بالمنتج ونتائجه الإيجابية دون الإشارة إلى أن هذا المحتوى منشور لقاء مقابل مالي، ثم تبين أن المنتج غير مطابق للمواصفات المعلَن عنها وأصاب عدداً من المستهلكين بضرر، فإن المسؤولية في هذا الفرض تتوزع على النحو الآتي: يُسأل التاجر (موفر المنتج) جزائياً بموجب قانون حماية المستهلك عن الإعلان الكاذب أو المضلل، ويُسأل مدنياً عن الأضرار التي أصابت المستهلكين بصفته المزوّد الأصلي. أما المؤثر، فإن ثبت علمه بعدم مطابقة المنتج أو تعمّده وصفه على نحو مبالغ فيه، امتدت إليه المسؤولية الجزائية بوصفه فاعلاً أو شريكاً في الإعلان المضلل، إلى جانب مسؤوليته المدنية التقصيرية المستقلة بموجب المادة (227) مدني، وإخلاله بضوابط الإفصاح المقررة في المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026.

المطلب الثاني: فرضية توجيه عبارات مسيئة لمنافس تجاري

لو نشر مؤثر يعمل في مجال بعينه (كالتجميل أو المطاعم) محتوى يتضمن عبارات تحط من قدر منافس له في السوق أو تسند إليه وقائع غير صحيحة (كادعاء استخدامه مواد غير صحية) بقصد استمالة جمهوره التجاري، فإن هذا الفعل قد يشكّل جريمة قذف أو سب مشدَّدة العقوبة لوقوعها عبر وسيلة إلكترونية طبقاً للمادة (6) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، مقترنة بحق المتضرر في المطالبة بالتعويض عن الضرر الأدبي والمادي الذي أصاب سمعته التجارية، دون أن تحول العقوبة الجزائية دون هذا الحق المدني المستقل.

المطلب الثالث: فرضية استخدام صورة أو مقطع محمي بحق المؤلف دون إذن

لو استخدم مؤثر في محتواه الترويجي مقطعاً موسيقياً أو تصميماً بصرياً محمياً بحق المؤلف دون الحصول على ترخيص من صاحب الحق، وكان هذا الاستخدام في سياق محتوى مدفوع الأجر لصالح معلن معين، فإن مسؤوليته في هذا الفرض تقوم مستقلة عن أي مسؤولية للمعلن الذي قد لا يكون على علم بمصدر هذه المواد، ويكون لصاحب الحق أن يطالب بوقف الاستخدام والتعويض عن الضرر وفقاً للقواعد الخاصة بحماية الملكية الفكرية والقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية معاً.

المطلب الرابع: فرضية مؤثر مقيم خارج الكويت يستهدف جمهوراً كويتياً

لو كان المؤثر مقيماً في دولة أخرى، لكن محتواه موجَّه أساساً إلى الجمهور الكويتي (كاستخدام اللهجة المحلية والترويج لمنتجات تُباع حصراً في السوق الكويتي)، وترتب على محتواه ضرر بمستهلكين كويتيين، فإن اختصاص القضاء الكويتي بنظر هذه المنازعة يقوم من حيث الأصل على أساس وقوع الضرر داخل الكويت أو استهداف المحتوى لجمهورها بصورة واضحة، مع ما يثيره ذلك عملياً من صعوبات في تنفيذ الأحكام الصادرة إذا لم يكن للمؤثر موطن أو أموال داخل الكويت، وهو ما يبرز أهمية التعاون القضائي والإداري الدولي في هذا المجال، وأهمية توجيه المساءلة -كلما أمكن- إلى الطرف الكويتي في المنظومة (كالتاجر أو موفر المنتج المقيم في الكويت) بالتضامن مع المؤثر الأجنبي.

الخاتمة

أولاً: النتائج

  1. 1. لم يكن نشاط المؤثر -قبل صدور المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026- موضوعاً لتنظيم تشريعي مستقل في الكويت، وإنما كانت مساءلته تُستخلَص بالتطبيق غير المباشر لقواعد عامة سابقة عليه، أبرزها قانون حماية المستهلك، وقانون تنظيم الإعلام الإلكتروني، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والقواعد العامة في القانونين المدني والجزائي.
  2. جاء المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 ليضع -لأول مرة- تعريفاً تشريعياً صريحاً للمؤثر، ويقرر التزامات محددة تخص التسويق عبر المؤثرين، غير أنه وجّه الجانب الأكبر من هذه الالتزامات إلى “موفر المنتج” المستعين بالمؤثر، دون أن يُفصح بالقدر الكافي عن حدود المسؤولية الذاتية المستقلة للمؤثر نفسه في جميع الفروض.
  3. تتعدد مصادر مسؤولية المؤثر المدنية بين المسؤولية العقدية تجاه المعلن والمسؤولية التقصيرية تجاه المستهلك والغير المؤسسة على المادة (227) من القانون المدني الكويتي، وتتنوع صور الإخلال الموجب لهذه المسؤولية بين إخفاء الصفة الإعلانية للمحتوى، والترويج المضلل، والمساس بالملكية الفكرية والخصوصية.
  4. يخضع المؤثر لمنظومة عقابية متعددة المصادر تجمع بين قانون حماية المستهلك وقانون تقنية المعلومات وقانون التجارة الرقمية، وهو تعدد قد يثير في التطبيق العملي إشكالية تنازع النصوص أو ازدواج المساءلة عن الواقعة الواحدة، ما لم تُراعَ قواعد التخصيص وتعدد الأوصاف القانونية.
  5. لا يزال معيار التفرقة بين الحساب الشخصي غير المهني الذي يخرج من نطاق ترخيص الإعلام الإلكتروني، وبين النشاط الاحترافي المنتظم الموجب للترخيص أو القيد التجاري، معياراً مرناً يحتاج إلى مزيد من الضبط، سواء باللائحة التنفيذية أو بالتطبيق القضائي.
  6. يفرض الطابع العابر للحدود لنشاط المؤثر ضغطاً حقيقياً على قواعد الاختصاص القضائي والقانون الواجب التطبيق المستقرة، ويستدعي حلولاً عملية تراعي خصوصية البيئة الرقمية عند تحديد مكان وقوع الضرر أو استهداف الجمهور.
  7. تشكّل السجلات المالية والتعاقدية التي يلزم المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 موفري المنتجات بحفظها ركيزة أساسية لفاعلية إثبات المخالفات في هذا المجال، بما يجعل الالتزام بحفظها ذا أثر مضاعف يتجاوز الغاية الرقابية المباشرة إلى تيسير الإثبات القضائي اللاحق.
  8. يتوزع عبء المسؤولية في المنظومة الثلاثية (موفر المنتج، المؤثر، المستهلك) بحسب درجة علم كل طرف بالمخالفة ومساهمته الفعلية فيها، بحيث لا تُعفي مسؤولية أحد الأطراف الآخرين من مسؤوليتهم المستقلة، وقد تجتمع هذه المسؤوليات بالتضامن في الأحوال التي يقرر فيها القانون ذلك صراحة.
  9. يظل نشاط المؤثر عرضة لصعوبات عملية خاصة بالإثبات نظراً للطابع اللحظي المتغير للمحتوى الرقمي، وهو ما يستدعي تطوراً موازياً في آليات التوثيق الرسمي والخبرة الفنية الرقمية لمواكبة خصوصية هذه البيئة.

ثانياً: المقترحات

  1. 1. يُقترح استصدار اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون رقم (10) لسنة 2026 على وجه السرعة، على أن تتضمن معايير موضوعية واضحة (كحد أدنى لعدد المتابعين أو لتكرار المحتوى الإعلاني) لتحديد متى يُعدّ صاحب الحساب مؤثراً خاضعاً لالتزامات القيد والإفصاح، تفادياً لأي غموض يمس مبدأ الشرعية.
  2. يُقترح النص صراحة على التزام مستقل وصريح يقع على عاتق المؤثر ذاته لا على موفر المنتج فحسب بالإفصاح عن الصفة الإعلانية لأي محتوى مدفوع، بعبارة أو وسم واضح يظهر للمتابع دون لبس، على غرار ما استقرت عليه تشريعات مقارنة في هذا الشأن.
  3. يُقترح توضيح العلاقة بين النصوص العقابية المتعددة التي قد تنطبق على الواقعة الواحدة، بما يحول دون ازدواج العقاب عن الفعل الواحد، مع إعمال قاعدة تغليب النص الخاص الأحدث كلما تعارض مع نص عام سابق.
  4. يُقترح تنظيم برامج توعية موجهة للمؤثرين أنفسهم من قبل الجهات الرقابية المختصة، وزارة التجارة والصناعة ووزارة الإعلام، للتعريف بالتزاماتهم القانونية، بما يحقق غاية وقائية تسبق المساءلة اللاحقة.
  5. يُقترح دراسة مدى الحاجة إلى معاملة رقابية أو مالية خاصة بعائدات هذا النشاط ضمن السجلات التجارية القائمة، بما يواكب حجمه الاقتصادي المتنامي.
  6. يُقترح وضع دليل إرشادي رسمي منشور من الجهات المختصة يوضح للمؤثرين وللمعلنين حدود المسؤولية المدنية والجزائية والإدارية لكل منهم، وأمثلة تطبيقية للمخالفات الشائعة، تيسيراً على المخاطَبين بهذه الأحكام.
  7. يُقترح تعزيز التنسيق بين وزارة التجارة والصناعة ووزارة الإعلام وهيئات مكافحة غسل الأموال فيما يخص نشاط المؤثرين، لتفادي تضارب الاختصاصات وضمان فاعلية الرقابة على هذا النشاط متعدد الأبعاد.
  8. يُقترح دراسة إمكانية تخصيص جهة قضائية أو إدارية سريعة الفصل (كلجنة تسوية المنازعات المنشأة بموجب قانون التجارة الرقمية) لتلقي شكاوى المستهلكين المتعلقة تحديداً بمحتوى المؤثرين، نظراً لسرعة تغير هذا المحتوى وحاجة المتضرر إلى إجراءات عاجلة.
  9. يُقترح إلزام المنصات الرقمية العاملة داخل الكويت بالتعاون مع الجهات الرقابية في تزويدها بالبيانات اللازمة للتحقق من هوية أصحاب الحسابات المخالفة عند الاقتضاء، بما ييسر مواجهة إشكالية تنازع الاختصاص القضائي في المنازعات ذات الطابع العابر للحدود.
  10. يُقترح تطوير آلية رسمية لتوثيق المحتوى الرقمي المخالف (أرشفة رسمية فورية) تتيح للجهات الرقابية والقضائية الاعتماد عليها كدليل موثوق دون الحاجة إلى انتظار توافر خبرة فنية مطولة في كل واقعة على حدة.

[1] – حسام إبراهيم فلاتة – نحو إطار قانوني فعال للمسؤولية المدنية للمؤثرين عن الإعلانات في وسائل التواصل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية – المجلة العربية للدراسات الإنسانية والاجتماعية – ع(6) – أكتوبر 2025 – ص96 وما بعدها.

[2] – نسرين بوطاروس وحجام الجمعي – المنصات الرقمية الإعلامية الجدزائرية بين تحدي الواقع والتطلع نحو المستقبل – مجلة الإعلام والمجتمع، مج8 – ع (1) – 2024 – ص348.

[3] – جمال زكي إسماعيل – عقد استخدام شبكة المعلومات الدولية – دار الكتب القانونية – مصر – 2012 – ص371

[4]انظر في تفصيل مفهوم الجريمة المعلوماتية وصورها العامة بموجب القانون رقم 63 لسنة 2015: الملا، معاذ سليمان راشد محمد، “المواجهة الجنائية للعنف الإلكتروني في ضوء القانون رقم 63 لسنة 2015 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات”، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، مج41، ع4، ديسمبر 2017، ص 153-224.

[5]انظر في تفصيل جريمتي السب والقذف عبر وسائل تقنية المعلومات وتشديد عقوبتهما بموجب المادة (6) من القانون: الملا، معاذ سليمان راشد محمد، مرجع سابق.

[6]انظر في تفصيل جريمتي التهديد والابتزاز الإلكتروني: الملا، معاذ سليمان راشد محمد، مرجع سابق.

[7]انظر في تفصيل جريمة التحريض على الفتنة والكراهية عبر وسائل تقنية المعلومات: الملا، معاذ سليمان راشد محمد، مرجع سابق.

الموقع متاح حاليا خلال التطبيق فقط

يرجى تحميل التطبيق للوصول إلى جميع الخدمات والمحتوى

اذا واجهت مشكلة في التسجيل برقم الهاتف سجل عن طريق الايميل

📱 افتح الكاميرا وامسح الكود لتحميل التطبيق فورًا

نحن نقف بكل فخر كأفضل المدافعين القانونيين عن حقوقك ومصالحك. مع فريق من المحامين ذوي المهارات العالية.

طلب استشارة قانونية