تم التحديث يوم واحد ago عن طريق ahmad
الجرائم الإلكترونية
تتمتع الجرائم الإلكترونية بطبيعة خاصة ومتميزة تجعل منها جرائم تثير العديد من الصعوبات في شأن التعامل معها، سواء من حيث الأدلة التي يتم إثباتها بواسطتها، أو التحقيق الذي يتم إجرائه بشأنها، وغيرها من الإجراءات القانونية الأخرى التي تخص تلك الجرائم، وهو بدوره ما يثير الكثير من التساؤلات بشأن تلك الإجراءات، وكيفية القيام بها بشكل فعال يحقق النتيجة المرجوة منها والمتمثلة في الوصول إلى الجناة ومحاكمتهم وإيقاع العقاب المناسب عليهم.
وهناك العديد والعديد من التساؤلات الهامة التي تحيط بموضوع الجرائم الإلكترونية، منها التساؤل الخاص بماهية الجريمة الإلكترونية؟ وما هي الجهة المنوط بها التحقيق في الجرائم الإلكترونية؟ وكيف يتم إثبات تلك الجرائم؟ وما هي المحكمة المختصة بنظر تلك الطائفة من الجرائم؟ ومتى يتم إعفاء الجاني من العقاب؟ جميع تلك التساؤلات وغيرها من التساؤلات الأخرى الهامة ذات العلاقة سوف يتم الإجابة عليها في هذا المقال، والتي ستكون موضحة وفقاً لما قرره المشرع الكويتي بالقانون رقم 63 لسنة 2015 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات وما جاء بالقوانين الأخرى ذات العلاقة.
أولاً: ما هي الجريمة الإلكترونية؟
وضع المشرع الكويتي تعريفاً للجريمة الإلكترونية تحت مسمى الجريمة المعلوماتية، وذلك بموجب نص المادة الأولى من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، حيث عرفها بأنها “الجريمة المعلوماتية: كل فعل يُرتكب من خلال استخدام الحاسب الآلي أو الشبكة المعلوماتية أو غير ذلك من وسائل تقنية المعلومات بالمخالفة لأحكام هذا القانون”.
وهو ما نستدل منه على أن المشرع الكويتي قد استند في التعريف بالجريمة الإلكترونية وتحديدها إلى أمرين:
الأمر الأول: هو الوسيلة المستخدمة في ارتكاب تلك الجريمة أو بمعنى أوضح أداة الجريمة، وهي إما الحاسب الآلي، أو الشبكة المعلوماتية، أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات، فإذا ما ارتُكب الفعل المجرم بدون استخدام أياً من تلك الوسائل أو الأدوات، فإن الجريمة تخرج من إطار كونها جريمة إلكترونية.
الأمر الثاني: لا يُكتفى في الجريمة لكي تكون جريمة إلكترونية أن يتم ارتكابها من خلال إحدى الوسائل والأدوات الإلكترونية التي نص عليها القانون، بل يجب أيضاً أن يكون الفعل الممثل للسلوك الإجرامي لتلك الجريمة فعلاً مخالفاً للأحكام التي يقررها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فإذا تم ارتكاب فعل عن طريق إحدى تلك الوسائل والأدوات ولكنه لا يقع موقع التجريم في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، فإن الجريمة في تلك الحالة لا تعد جريمة إلكترونية.
ثانياً: هل يمكن مساءلة الشخص الاعتباري عن ارتكاب الجريمة الإلكترونية؟
لا توجد ثمة إشكالية عند ارتكاب الجريمة الإلكترونية من قبل شخص طبيعي، حيث تتم محاكمته والحكم عليه بعقوبة – سواء كانت الحبس أو الغرامة أو كلاهما – يتم تنفيذها من قبله بشكل شخصي، إلا أن التساؤل يثور في حالة ارتكاب الجريمة الإلكترونية من قبل شخص الاعتباري، فهل تتم مساءلة الشخص الاعتباري جنائياً عن ارتكابه لتلك الجريمة؟
في واقع الأمر فإنه في حالة ارتكاب الشخص الاعتباري للجريمة الإلكترونية يكون مرتكبها الفعلي شخص طبيعي، ولكن هذا الشخص الطبيعي يرتكب جريمته بناء على كونه ممثل قانوني لشخص اعتباري، أو يكون قد ارتكبها بسبب أو أثناء ممارسته لوظيفته لدى هذا الشخص الاعتباري، فتتم مساءلة الشخص الطبيعي باعتباره هو مرتكب الجريمة الفعلي وتوقع عليه العقوبة المنصوص عليها في القانون بشأن تلك الجريمة الإلكترونية التي ارتكبها، كما تتم أيضاً مساءلة الشخص الاعتباري في حالة توافر شرط هام، ويتمثل هذا الشرط في أن يكون الشخص الطبيعي قد ارتكب الجريمة الإلكترونية إما لحساب الشخص الاعتباري أو باسمه أو لحسابه، وتقتصر عقوبة الشخص الاعتباري عند قيام مسؤوليته على العقوبات المالية والتعويضات التي يتم الحكم بها، لاسيما وأنه لا يُتصور أن يقوم الشخص الاعتباري بتنفيذ عقوبة الحبس.
وهو بالفعل ما قرره المشرع الكويتي فيما نص عليه بالمادة رقم (14) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، والتي تضمنت أنه “مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجزائية الشخصية لمرتكب الجريمة، يعاقب الممثل القانوني للشخص الاعتباري بذات العقوبات المالية المقررة عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون، إذا ثبت أن إخلاله بواجبات وظيفته أسهم في وقوع الجريمة مع علمه بذلك، ويكون الشخص الاعتباري مسؤولاً عما يُحكم به من عقوبات مالية أو تعويضات إذا ارتكبت الجريمة لحسابه أو باسمه أو لصالحه”.
ثالثاً: ما هي الجهة المختصة بالتحقيق في الجرائم الإلكترونية؟
قبل التعرض إلى الجهة المختصة بالتحقيق في الجرائم الإلكترونية يلزم أن نوضح بداية ما هو المقصود بالتحقيق؟
يُقصد بالتحقيق في الجرائم الإلكترونية التحقيق مع الجاني واستجوابه وسماع أقواله، وأيضاً استدعاء الشهود وسماع شهاداتهم ومناقشتهم فيها وتوجيه أي أسئلة إليهم قد يكون من شأنها كشف الحقيقة.
وقد أناط المشرع الكويتي مهمة التحقيق في الجرائم الإلكترونية إلى جهة وحيدة فقط وهي النيابة العامة، والتي تختص دون غيرها بإجراء التحقيق اللازم في البلاغات الخاصة بالجرائم الإلكترونية، وذلك طبقاً لما نص عليه في المادة رقم (17) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
ولا يقتصر اختصاص النيابة العامة على التحقيق فقط في الجرائم الإلكترونية، بل يمتد اختصاصها أيضاً ليشمل التصرف والادعاء فيها، والمقصود بالتصرف في الجريمة الإلكترونية هو اتخاذ القرار المتعلق بمآل تلك الجريمة بعد إجراء التحقيق فيها، فإما أن يتبين للنيابة العامة أن الأدلة المقدمة إليها تؤكد أن المتهم المسندة إليه الجريمة هو مرتكبها بالفعل فيكون التصرف عندئذ متمثلاً في قرارها بإحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة لنظرها، وإما أن يتبين لها لأن الجريمة تخلو من أي دليل يؤيد ارتكاب المتهم لها فيكون قرارها عندئذ بحفظ الأوراق، أما المقصود بمهمة الادعاء فهو مباشرة النيابة العامة للدعوى الجزائية أمام المحكمة المختصة بعد إحالة الدعوى إليها، حيث تمثل النيابة العامة الادعاء العام الذي يدافع عن حقوق المجني عليه بوجه خاص وعن حقوق المجتمع بوجه عام، وتطالب المحكمة بتوقيع العقوبة التي قررها القانون على المتهم.
رابعاً: كيف يتم إثبات الجرائم الإلكترونية؟
نظراً للطبيعة الخاصة للجرائم الإلكترونية فإن الدليل الذي يتم اعتماده لإثبات تلك النوعية من الجرائم يجب أن يكون دليلاً يتوافق معها في ذات الطبيعة، وهو ما جعل الدليل الإلكتروني يمثل أهم دليل وإن لم يكن الدليل الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات وقوع الجريمة الإلكترونية أو نفيها، وتحديد شخص الجاني الذي قام بارتكابها.
ولم يتعرض المشرع الكويتي للدليل الإلكتروني بالتعريف بل ترك تلك المهمة للفقه القانوني، وفي سبيل تعريف الفقه القانوني له فقد اتخذ أكثر من اتجاه، وهو ما نتج عنه وجود أكثر من تعريف للدليل الإلكتروني، من أهمها وأبرزها نذكر ما يلي:
- عرف جانب من الفقه القانوني الدليل الإلكتروني بأنه الدليل الذي يتواجد في العالم الافتراضي الذي تُرتكب فيه الجريمة الإلكترونية، ويكون سبباً في إثبات وقوعها أو نفي ذلك.
- وعرفه جانب آخر بأنه المعلومات العلمية والمنطقية التي يتم الحصول عليها عن طريق اتباع إجراءات قانونية وعلمية، ويتم ذلك عبر اتباع عملية ترجمة للبيانات التي يتم تخزينها في جهاز حاسب آلي أو شبكة معلوماتية أو أي وسيلة من وسائل تقنية المعلومات والاتصال، والتي تكون بعد ذلك بمثابة وسيلة يمكن استخدامها من قبل جهات التحقيق أو المحكمة لإثبات حقيقة وقوع الجريمة الإلكترونية من عدمه.
- بينما اتجه جانب آخر إلى تعريفه بأنه يتمثل في البيانات التي يتم إعدادها وإرسالها وتخزينها بشكل رقمي، والتي تكون في أجهزة الحاسب الآلي على صورة مجالات أو نبضات مغناطيسية أو كهربائية، ويمكن أن يتم الحصول عليها من خلال تجميعها وتحليلها باستخدام برامج وتطبيقات تكنولوجية، لتخرج في صورة نهائية قوامها نص مكتوب أو صورة أو فيديو أو شكل أو غيرها من الهيئات، ليتم استخدامها أمام الجهات القانونية والقضائية في مجال إثبات الجرائم الإلكترونية.
خامساً: ما هي المحكمة المختصة بنظر الجرائم الإلكترونية؟
لم يتضمن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات نصاً يقرر المحكمة المختصة بنظر الجرائم الإلكترونية، ونظراً لهذا فإن تحديد المحكمة المختصة بنظرها يتم استناداً إلى القواعد العامة في الاختصاص، والتي أوردها المشرع الكويتي في قانون الجزاء، والذي قرر تلك القواعد بموجب نص المادتين الثالثة والخامسة منه، والتي حددت الاختصاص لمحكمتي الجنح والجنايات استناداً إلى العقوبة التي يقررها القانون للجريمة، وذلك على النحو التالي:
- محكمة الجنح: تختص محكمة الجنح بنظر الجرائم التي يقرر لها القانون عقوبة لا تزيد عن ثلاث سنوات والغرامة أو بعقوبة منهما فقط.
- محكمة الجنايات: تختص بنظر الجرائم التي يقرر لها القانون عقوبة الإعدام أو الحبس المؤبد أو الحبس المؤقت لمدة تزيد عن الثلاث سنوات.
وبالتالي يتم تحديد المحكمة المختصة بنظر الجريمة الإلكترونية وفقاً لتكييفها جنحة كانت أو جناية، وهو بدوره ما يتم تحديده استناداً إلى العقوبة المقررة للجريمة الإلكترونية في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
سادساً: هل توجد حالات يُعفى فيها مرتكب الجرائم الإلكترونية من العقوبة؟
توجد بالفعل حالة قررها المشرع الكويتي بموجب نص المادة رقم (12) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي الحالة التي يقوم فيها الجاني – في حالة الجرائم متعددة الجناة – بالتوجه إلى السلطات المختصة وإبلاغها بالجريمة، إلا أنه ولكي يتمتع الجاني بمزية الإعفاء من العقوبة فإن ذلك مشروط بشرطين وهما:
- أن يكون إبلاغه عن الجريمة قبل البدء في تنفيذها من قبل باقي الجناة.
- ألا تكون السلطات المختصة قد علمت بتلك الجريمة بعد.
وفي حالة عدم تحقق أحد هذين الشرطين أو كلاهما فإن الجاني وحتى يتمكن من التمسك بإعفائه من العقوبة يجب أن يكون إبلاغه عن الجريمة قبل بدء التحقيق فيها وأن يكون مثمراً، وذلك بأن يتم القبض على الجناه الآخرين الذين ارتكبوا الجريمة الإلكترونية، كأن يبلغ عن مكان اختبائهم وتتمكن السلطات المختصة من ضبطهم فيه، وعندئذ يمكنه الاستفادة من الإعفاء من العقوبة.
سابعاً: هل تسقط الدعوى الجزائية في الجرائم الإلكترونية؟
نعم تسقط الدعوى الجزائية في الجرائم الإلكترونية، ولكن تختلف مدة سقوطها بحسب المدة الخاصة بالعقوبة المقررة للجريمة، ففي حالة الجرائم الإلكترونية التي يتم تكييفها كجنحة (التي لا تزيد عقوبتها على ثلاث سنوات) فإن الدعوى الجزائية الخاصة بها تسقط بمرور سنتين من تاريخ ارتكاب الجريمة، أما في حالة الجرائم الإلكترونية التي يتم تكييفها كجناية (التي تزيد العقوبة المقررة لها عن ثلاث سنوات) فإن الدعوى الجزائية الخاصة بها تسقط بمرور خمس سنوات من تاريخ وقوع الجريمة.