تم التحديث 20 ساعة ago عن طريق ahmad
إشكالية الاعتراف كدليل إثبات جنائي في القانون الكويتي
قد يظن البعض – وخاصة من غير العاملين أو ذوي العلاقة بالمجال القانوني – أن مرحلة محاكمة المتهم أمام القضاء هي المرحلة الوحيدة التي تمر بها الدعوى الجنائية، وهذا الظن في غير محله لكون المحاكمة هي مرجلة من عدة مراحل تمر بها الدعوى الجنائية منذ بدايتها عند تحرير المبلغ لبلاغه أمام الشرطة وصولاً إلى انتهائها بصدور حكم نهائي من القضاء ضد المتهم بارتكاب الجريمة محل هذا البلاغ سواء بالبراءة أو الإدانة.
ومن تلك المراحل التي تمر بها الدعوى الجنائية وإن لم تكن هي المرحلة الأكثر أهمية بين تلك المراحل هي مرحلة التحقيق في الجريمة، وتتسم تلك المرحلة بالأهمية نظراً لكونها مرحلة فارقة في سير أوراق المحضر، فإما أن ينتهي مآلها بالحفظ أو يتم إحالتها إلى المحكمة لنظرها والسير في إجراءات محاكمة المتهم، حيث يتم فيها اتخاذ مجموعة من الإجراءات المختلفة التي تؤثر بشكل كبير
ومن أهم الإجراءات التي تنتمي إلى مرحلة التحقيق هو إجراء الاستجواب، وتعزى تلك الأهمية لما يمكن أن يترتب على الاستجواب من ظهور لأدلة تتمتع بتأثير هائل على وضع الدعوى الجنائية ومصيرها، وأبرز هذه الأدلة الاعتراف الذي يصدر من المتهم أثناء استجوابه، والذي يتضمن تفصيلات الجريمة والعلاقة التي تربط المتهم بها، وهو دليل دامغ يكون له قوة وحجية كبيرة في إدانة المتهم بجريمته عند محاكمته أمام القضاء، لكون الاعتراف ينهي أي خلاف حول شخص المتهم أو علاقته بالجريمة محل الاتهام.
إلا أنه وحتى يكون للاعتراف الصادر من المتهم قيمته وحجيته كدليل في الإثبات فيجب أن يكون مستخلصاً من استجواب تم إجرائه وفقاً للضوابط والقواعد القانونية التي يقررها المشرع، ومن هنا تنبع إشكالية مدى حجية الاعتراف كدليل إثبات جنائي نظراً لما يمثله الاستجواب في جوهره وطبيعته من مساس ببعض حقوق المتهم وحرياته التي يكفلها له الدستور والقانون، وهو ما حدا بالمشرع الكويتي إلى إحاطة الاستجواب كإجراء من إجراءات التحقيق بمجموعة من الضمانات في إطار قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي رقم 17 لسنة 1960، والتي تكفل إجراء الاستجواب في ظل الموازنة بين مصلحة المجتمع في كشف حقيقة الجريمة وبين مصلحة المتهم في عدم المساس بحقوقه أو حريته، وذلك بوصف المتهم خلال مرحلة التحقيق بريئاً حتى تثبت إدانته.
وسوف يكون مثار حديثنا هو التعرض للاستجواب كإجراء قانوني من إجراءات التحقيق، وبيان ضوابطه وشروطه وكافة الأوجه الخاصة به والتي تؤثر بشكل مباشر على حجية الاعتراف الناتج عنه كدليل من أدلة الإثبات الجنائية، ونتناول في سياق ذلك أهم الجوانب ذات العلاقة والخاصة بالاعتراف.
أهداف البحث
يسعى هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية والعملية، يمكن إجمالها على النحو الآتي:
– الكشف عن الإطار القانوني الناظم لإجراء الاستجواب في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي رقم 17 لسنة 1960، وبيان مدى كفايته في صون حقوق المتهم وحرياته الدستورية.
– تحليل مفهوم الاعتراف كدليل إثبات جنائي وتأصيله من الناحيتين الفقهية والقضائية، وإبراز شروط صحته وأحكامه وفق ما استقر عليه القضاء الكويتي ممثلاً في أحكام محكمة التمييز.
– استجلاء العلاقة الجدلية بين ضمانات المتهم في مرحلة الاستجواب وحجية الاعتراف الناتج عنه في الإثبات الجنائي، وبيان أثر الإخلال بتلك الضمانات على مشروعية الاعتراف وقابليته للاستناد إليه.
– إجراء دراسة مقارنة بين الموقف التشريعي الكويتي ونظيره في كلٍّ من القانونين المصري والأردني واللبناني، للوقوف على أوجه الاتفاق والاختلاف، واستخلاص ما يمكن الإفادة منه في تطوير التشريع الكويتي.
– رسم معالم منظومة متوازنة تصون حق الدولة في الكشف عن الجريمة وملاحقة مرتكبيها من جهة، وتضمن حقوق المتهم وكرامته الإنسانية من جهة أخرى.
أهمية البحث
تنبثق أهمية هذا البحث من عدة اعتبارات نظرية وعملية تجعل منه إسهاماً ذا قيمة في الأدب القانوني الإجرائي الجنائي:
أولاً: الأهمية النظرية
– يتصدى البحث لموضوع بالغ الأثر في منظومة الإثبات الجنائي، إذ يتناول الاعتراف الذي طالما وصفه الفقه القانوني بأنه “سيد الأدلة”، مع ما يكتنف هذه المكانة من إشكاليات جوهرية تتعلق بمشروعية استخلاصه.
– يسد البحث فراغاً في المكتبة القانونية الكويتية من حيث التناول المنهجي المقارن لموضوع الاعتراف في ضوء المستجدات التشريعية والقضائية.
– يُغني الدراسات القانونية المقارنة عبر استعراض مواقف عدة تشريعات عربية في الموضوع ذاته.
ثانياً: الأهمية العملية
– يُفيد المشتغلين بالعمل القضائي من قضاة ومحامين ومحققين في فهم الحدود القانونية الفاصلة بين الاستجواب المشروع وذلك الذي يرتب البطلان، وما يترتب على ذلك من أثر على الاعتراف.
– يُوفر مرجعاً عملياً لواضعي السياسات التشريعية في مجال الإصلاح الجنائي، لا سيما ما يتعلق باستحداث ضمانات تقنية حديثة كتسجيل جلسات الاستجواب.
– يُسهم في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في مرحلة التحقيق الجنائي انسجاماً مع التوجهات الدولية الحديثة التي تُحرّم أساليب الإكراه والتعذيب للحصول على الاعتراف.
أولاً: التعريف بالاستجواب
الاستجواب في مضمونه العام يمثل وسيلة ذات درجة عالية من الفاعلية في تحقيق هدف الوصول إلى اعتراف واضح وصريح من المتهم بارتكابه لجريمته، ولا نبالغ في قولنا أن ذلك الهدف يعد هو الهدف الرئيسي والأساسي الذي شرع الاستجواب من أجله[1]، حيث يستخدم لمعرفة الحقيقة في الجريمة أينما وجدت، وذلك من خلال قيام المحقق بمناقشة المتهم في الجريمة المنسوب إليه ارتكابها، واستخلاص تلك الحقيقة من نتاج ما يقدمه الاستجواب من حقائق ومعلومات تخص هذه الجريمة.
ولم يتصدى المشرع الكويتي بالتعريف للاستجواب شأنه في ذلك شأن الغالبية العظمى من مشرعي القانون في مختلف الدول، لذلك فقد مارس الفقه القانوني مهمته في هذا الشأن وقام بوضع العديد من التعاريف التي تهدف إلى بيان ماهية الاستجواب كإجراء من إجراءات التحقيق، ومن أهم وأبرز تلك التعاريف نذكر ما يلي:
- عُرف الاستجواب لدى بعض بأنه المناقشة التي يجريها المحقق مع المتهم، وذلك بشأن الجريمة المنسوب إليه ارتكابها، ومواجهته بالأدلة المتحققة فيها، وسماع ما لدى المتهم من دفاع ودفوع في هذا الشأن.
- بينما عرفه البعض الآخر من الفقه القانوني بأنه مناقشة المتهم من قبل المحقق بشكل دقيق ومفصل في كافة التفاصيل والوقائع والظروف والملابسات المتعلقة بالاتهام الموجه إليه، ومجابهته بجميع الأدلة والقرائن التي تتوافر لدى المحقق، ومناقشته في إجاباته بغرض استخلاص الحقيقة التي يخفيها المتهم.
- في حين رأى البعض الآخر من الفقه أن الاستجواب هو إجراء يتم من خلاله سماع أقوال المتهم ومناقشته في الوقائع المنسوبة إليه وسماع أوجه الدفاع التي يدفع بها التهمة عن نفسه، أو سماع اعترافه بارتكابها ودراسة هذا الاعتراف ومضاهاته ومطابقته بنتائج التحقيقات للوقوف على حقيقة الواقعة محل الاتهام ومدى مسؤولية المتهم عنها.
وقد تصدت محكمة التمييز الكويتية في العديد من أحكامها لبيان ماهية الاستجواب، وعلى سبيل المثال لذلك ما قضت به في أحد أحكامها من أن “لما كان ذلك وكان الاستجواب المحظور على غير سلطة التحقيق هو مواجهة المتهم بأدلة الاتهام المختلفة التي تساق قبله ومناقشته فيها مناقشة تفصيلية كي يفندها أو يدحضها إن كان منكراً للتهمة، أو يعترف بها إذا شاء الاعتراف”[2].
ومن خلال التعاريف السابقة سواء التعاريف الفقهية أو نظيرتها التي أقرتها محكمة التمييز الكويتية في أحكامها، يتبين لنا جلياً أن كافة تلك التعاريف جاءت متقاربة ومتفقة بشكل كبير على ماهية الاستجواب، وإن كانت الاختلافات بينها هي اختلافات ظاهرية فقط ولا تمس المضمون في شيء، وهذا المضمون يتمثل في أن الاستجواب هو إجراء من إجراءات التحقيق التي تتم بغرض الكشف عن حقيقة الجريمة ومرتكبها، وذلك من خلال مناقشة المحقق للمتهم في وقائع الجريمة المنسوبة إليه ووقائعها وأدلتها، وإتاحة الفرصة له لإنكارها من خلال تقديم دفاعه ودفوعه، أو الاعتراف بارتكابها وفحص الاعتراف للتأكد من صحته من خلال مطابقته بوقائع الجريمة وملابساتها وظروفها.
ثانياً: الطبيعة القانونية للاستجواب
من خلال استقرار ما سبق سرده من تعاريف الفقه القانوني ومحكمة التمييز الكويتية للاستجواب، وبالنظر إلى الأحكام التي جاءت بشأنه في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، يمكننا أن نتبين أن الطبيعة القانونية له هي طبيعة متميزة وهي تحديداً طبيعة مزدوجة.
وقد أيد السواد الأعظم من الفقه القانوني حقيقة أن الاستجواب كإجراء من إجراءات التحقيق يتمتع بتلك الطبيعة المزدوجة، والتي يستمدها هذا الإجراء من كونه من ناحية سبيلاً لإثبات التهمة على المتهم، ومن ناحية أخرى يعد سبيلاً لنفيها عنه، وسنوضح ذلك بالتفصيل على النحو التالي:
(1) طبيعة الاستجواب كوسيلة إثبات للتهمة
من خلال ما سبق ذكره آنفاً من تعاريف للاستجواب يمكننا أن نتبين وجه من وجهي الطبيعة المزدوجة له، وهو كونه وسيلة من وسائل إثبات الاتهام على المتهم، حيث أنه إجراء يستهدف من خلاله جمع وتحصيل كافة أدلة الاتهام الممكنة التي يمكن أن تربط المتهم بالجريمة وتعضد من إدانته بارتكابها، كما أن مناقشة المحقق للمتهم قد تنتهي باعتراف الأخير بارتكابه للجريمة وصحة اتهامه بها، وكما هو مستقر في الفقه القانوني فإن الاعتراف هو سيد الأدلة، مما يترتب عليه تحقق الصلة بين المتهم والجريمة محل التحقيق وإدانته بارتكابها.
(2) طبيعة الاستجواب كوسيلة نفي للتهمة (وسيلة دفاع)
في الماضي كان الهدف الرئيسي من استجواب المتهم هو إثبات التهمة عليه، إلا أنه بعد تطور السياسات الجنائية على الصعيد العالمي بأكمله لم يعد ذلك الغرض هو الغرض الرئيسي والوحيد من إجراء الاستجواب، بل بات له غرض آخر وهو تمكين المتهم من إبداء دفاعه ودفوعه والرد على الاتهام المنسوب إليه، والإدلاء بالإيضاحات التي تساعد المحقق في كشف براءته من ارتكاب الجريمة، بل ويمكن أن يساعد في اكتشاف شخصية الجاني الحقيقي والوصول إليه.
ثالثاً: الضمانات القانونية للاستجواب
استناداً إلى خطورة الاستجواب كإجراء من إجراءات التحقيق والذي قد يترتب عليه أدلة إدانة قوية تدين المتهم الذي يتم استجوابه، فإن المشرع قد فرض بعض الضمانات التي تحيط بهذا الإجراء، والتي تتكفل بحماية المتهم أثناء استجوابه من أي عوامل خارجية قد تؤثر على إرادته أو تدفعه إلى الإدلاء بأقوال أو اعترافات يكون مكرهاً على الإدلاء بها.
ويمكننا أن نحصر هذه الضمانات في ضمانات منها ما هو شكلي ومنها ما هو موضوعي، إلا أننا لن نصنفها وفق هذا التصنيف، بل سنتناولها في شكل مجمل باعتبارها ثلاث ضمانات أساسية، وذلك على النحو الآتي بيانه:
(1) الضمانة الخاصة بصفة القائم على إجراء الاستجواب (الاختصاص)
باعتبار أن الاستجواب هو إجراء من إجراءات التحقيق والذي يستهدف إظهار الحقيقة، فإن أهم الضمانات التي تكفل تحقيق هذا الإجراء للهدف المنشود منه على أكمل وجه هو أن يكون القائم عليه شخص محايد ليس له أي مصلحة من قريب أو بعيد بنفي أو إثبات الجريمة على المتهم الذي يتم استجوابه، بل يكون هدفه الوحيد هو إظهار الحقيقة ومعرفة شخص المتهم الحقيقي الذي قام بارتكابها، لذلك فقد حرص مشرعي قوانين الإجراءات الجزائية على وضع تحديد واضح وصريح لصفة صاحب الاختصاص بإجراء التحقيق مع المتهم.
ومن يطلع على مختلف قوانين الإجراءات الجزائية العربية يتبين له أنها قد اختلفت في تحديد صاحب الاختصاص في إجراء الاستجواب مع المتهم، فمنها من منح ذلك الاختصاص إلى رجل الشرطة كما هو الحال في النظام السعودي، ومنها من منحه إلى المحقق بصفة أصلية وأجاز له أن يندب أحد رجال الشرطة لتولي التحقيق والذي من ضمن إجراءاته الاستجواب مثل قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، ومنها من منحه إلى الشرطة والنيابة العامة معاً كالقانون العراقي.
إلا أن كافة تلك القوانين وعلى الرغم من اختلافها في تحديد صفة القائم بإجراء الاستجواب، إلا أنها اتفقت فيما بينها على أن يكون هذا المختص هو شخص محايد لا تربطه أي مصلحة بالجريمة محل الاستجواب ولا بالشخص المتهم فيها.
وتعد أول الضمانات التي تحيط بإجراء التحقيق هو أن يتولى إجرائه صاحب الاختصاص القانوني بإجرائه، ولا يجوز لسواه القيام باستجواب المتهم، وبالرجوع إلى قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي يتبين لنا أنه قد منح الاختصاص بإجراء الاستجواب لسلطة أصيلة وهي المحقق الذي يتولى التحقيق في الجريمة، والذي يعتبر الاستجواب داخلاً في اختصاصه باعتباره إجراء يدخل في إطار إجراءات التحقيق.
وقد يظن البعض أن المحقق هنا يقصد به النيابة العامة فقط وهذا الظن في غير محله، حيث أن من تثبت له صفة المحقق يختلف باختلاف نوع الجريمة وما إذا كان تكييفها القانوني جناية أم جنحة، وهو ما أوضحه المشرع الكويتي بنص المادة رقم (9) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، والتي نصت على أنه “تتولى النيابة العامة سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنايات، ويتولى سلطة التحقيق والتصرف والادعاء في الجنح محققون يعينون لهذا الغرض في دائرة الشرطة والأمن العام، وتثبت صفة المحقق أيضاً لضباط الشرطة الذين يعينهم النظام الداخلي المنصوص عليه في المادة 38، ومع هذا فإن للنيابة العامة أن تحيل أية جناية على المحققين والضباط في دائرة الشرطة لتحقيقها، كما أن لرئيس دائرة الشرطة والأمن العام أن يعهد للنيابة العامة بالتحقيق والتصرف في أية جنحة إذا رأى من ظروفها او أهميتها ما يتطلب ذلك”.
ومن خلال نص المادة آنفة لبيان يمكننا أن نتبين صاحب الصفة والاختصاص بإجراء الاستجواب مع المتهم على النحو التالي:
- الاختصاص الأصيل للنيابة العامة بإجراء الاستجواب في الجنايات، والاختصاص الاستثنائي لها بإجراء الاستجواب في الجنح شريطة أن يتم ذلك عن طريق إحالة تلك الجنحة إليها من قبل رئيس دائرة الشرطة والأمن العام.
- الاختصاص الأصيل للمحققين المعينين بدائرة الشرطة ولضباط الشرطة بإجراء الاستجواب في الجنح، والاختصاص الاستثنائي لهم بإجراء الاستجواب في الجنايات شريطة أن يتم ذلك بناء على قرار ندب تصدره النيابة العامة بتكليفهم بالتحقيق فيها/ وبالتالي إجراء الاستجواب مع المتهم.
وبناء على ما سبق يجب أن يكون القائم على إجراء الاستجواب هو أحد من يثبت لهم الاختصاص بذلك وفقاً للقواعد آنفة الذكر، ولا ينال من ذلك ما يتم توجيهه للمتهم من
أسئلة عند إلقاء القبض عليه من قبل مأموري الضبط القضائي، بشأن اسمه وسنه ومهنته وغيرها من الأسئلة الأخرى، بجانب تعريفه بالتهمة التي تم القبض عليه من أجلها، حيث أن تلك الأسئلة لا تعد من قبيل الاستجواب، لاسيما وأن دور مأمور الضبط القضائي في تلك الأسئلة يتوقف على إثبات إجاباتها فقط، دون أن يتعمق في تفاصيل الجريمة أو يناقش المتهم في وقائعها أو في أقواله التي أدلى بها أمامه.
وهو ما يترتب عليه بطلان الاستجواب وكافة ما ينبني عليه أو يستخلص منه من أدلة – حتى وإن كانت اعتراف المتهم بارتكاب الجريمة – لكونه تم بالمخالفة للقانون ومن قبل سلطة غير مختصة بإجرائه، وهو ما أكدته محكمة التمييز الكويتية فيما تواترت عليه أحكامها في صدورها، حيث قضت في حكم لها بأن “ولما كان ذلك وكان ما صدر من رجل الشرطة على النحو السالف بيانه من مواجهة المحكوم عليها بالأدلة القائمة ضدها ومناقشتها تفصيلياً فيها إنما هو بعينه الاستجواب المحظور قانوناً على غير سلطة التحقيق، وإذ كان الحكم المعروض قد استند ضمن ما استند إليه في إدانة المتهمة إلى الدليل المستمد من هذا الاستجواب الباطل، فإنه يكون معيباً”[3].
(2) الضمانة الخاصة بتمكين المتهم من الإدلاء بأقواله بحرية كاملة
مناط هذه الضمانة هو الحفاظ على حقوق المتهم وعلى حريته التي يكفلها له الدستور والقانون، لاسيما وأن التحقيق بوجه هام والاستجواب بوجه خاص يتم في ظل سيادة مبدأ البراءة التي هي أصل في الإنسان، والمتهم طوال فترة التحقيق والاستجواب هو شخص بريء حتى تثبت إدانته، وبالتالي لا يجوز التأثير عليه أثناء استجوابه بأي طريقة من الطرق التي تؤثر عليه وتؤثر على ما يدلي به من أقوال، وهناك نوعين من التأثير الذي يمكن أن يقع على المتهم خلال استجوابه، النوع الأول هو التأثير المعنوي والنوع الثاني هو التأثير الأدبي، ونوضح هذين النوعين من التأثير بشكل موجز فيما يلي.
- التأثير المعنوي: وهو التأثير الذي يستهدف التأثير على المتهم من خلال التأثير على نفسيته ومشاعره ووجدانه، ولهذا التأثير العديد من الوسائل نذكر منها:
- استخدام الوعود والإغراءات للتأثير على المتهم:
والتي تتمثل في ترسيخ الأمل لدى المتهم بأمر ما يترتب عليه تحسن وضعه القانوني، ويدعوه إلى الحيرة بين الإقرار والاعتراف بالجريمة أو إنكارها، كما هو الحال في وعده بالإفراج عنه أو عدم إخضاعه للمحاكمة.
- استخدام طرق التهديد:
التهديد هو أي قول أو فعل يترتب عليه التأثير في حرية الشخص ويضعه تحت طائلة ووطأة الخوف والرهبة من أمر ما بما يجعله يرتكب تصرفات دون إرادته أو رغبته، وهو يمثل وسيلة من وسائل الضغط على الإرادة وتوجيهها إلى اتجاه محدد لا يرغب فيه صاحبها[4]، سواء كان هذا التهديد بإيذاء للمتهم نفسه الذي يتم التحقيق معه أو بإيذاء أي شخص عزيز عليه، وقد يكون التهديد بالإيذاء في النفس أو المال، كما هو الحال في تهديد المتهم أثناء الاستجواب بقتله أو بإلقاء القبض على أولاده أو زوجته أو والديه.
- تحليف اليمين للمتهم عند استجوابه:
حظر المشرع الكويتي تحليف اليمين للمتهم عند استجوابه، وذلك طبقاً لما ورد بنص المادة رقم (98) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي، ويُعزى ذلك إلى أن تحليف اليمين يعد بمثابة إكراه معنوي يقع على المتهم ويؤثر على إرادته، حيث يضعه في موضع حرج لكونه يصبح في محل اختيار بين الحفاظ على نفسه أو الحفاظ على دينه، فإما أن يكذب ويكون قد حنث باليمين وخالف أحكام الشرع، وإما أن يقر ويعترف بالجريمة فيكون قد وضع نفسه تحت طائلة العقوبة ويخسر أي وسيلة دفاع كان يمكنه التمسك بها.
- خداع المتهم وإدخال الغش عليه
يُقصد بخداع المتهم الكذب عليه بطريقة تكون مدعومة بمظاهر خارجية تؤيد هذا الكذب وتحول دون اكتشافه، ويعد هذا الخداع بمثابة صورة من صور التدليس الذي يستهدف منه إيقاع المتهم تحت ضغط وتأثير للتحكم في إرادته، مما يجعل اللجوء إليه أثناء الاستجواب مبطلاً له، ومن الأمثلة على خداع المتهم أثناء الاستجواب إقناعه من قبل المحقق – على خلاف الحقيقة – أن هناك شاهد قد شاهده أثناء ارتكاب الجريمة، أو أن شريكه في الجريمة قد اعترف عليه.
- التأثير المادي: وعلى صعيد آخر نجد النوع الثاني من نوعي التأثير على المتهم متمثلاً في التأثير المادي، والذي يتجلى في العديد من الصور التي من أهمها وأبرزها نذكر ما يلي:
- استخدام العنف والإكراه المادي
تتمثل تلك الوسيلة في أي صورة من صور القوة المادية الخارجية التي يتم استخدامها على المتهم، وتستهدف أي جزء من أجزاء جسده، ويترتب عليها التأثير في إرادة المتهم بأي درجة من درجات التأثير، سواء كان تأثيراً كلياً كما هو الحال في سلب إرادة المتهم بشكل كامل، أو جزئياً كما في حالة ترك مجالاً للمتهم لاستخدام إرادته ولكن بما يخالف رغبته، ومثال على ذلك ضرب المتهم على أي جزء من أجزاء جسده، أو تعذيبه، أو احتجازه في ظل ظروف غير آدمية، وغيرها من الوسائل الأخرى للعنف والإكراه المادي، والتي يترتب على استخدامها بطلان الاستجواب وبطلان كافة ما نتج عنه من أدلة.
- تعمد إرهاق المتهم أثناء الاستجواب
يمكن أيضاً أن يتم التأثير على المتهم أثناء التحقيق من خلاله إرهاقه وإنهاكه، وذلك من خلال تعمد المحقق إطالة أمد الاستجواب ليمتد إلى عدة ساعات متصلة، حتى يؤثر على ذهن المتهم ويجعله غير قادر على التحكم في إرادته وفي الأقوال التي يدلي بها خلال استجوابه، وبالتالي يحصل المحقق منه على أقوال لم يقصد المتهم الإدلاء بها.
- استخدام التنويم المغناطيسي
قد يعمد المحقق إلى استخدام وسيلة من الوسائل العلمية الحديثة التي تساعد في السيطرة على إرادة المتهم والتي تتمثل في التنويم المغناطيسي، وإن كانت هناك بعض التشريعات التي تجيز للمحقق استخدام تلك الوسيلة لاستخراج المعلومات من المتهم أثناء استجوابه، إلا أن التشريعات العربية ومن ضمنها القانون الكويتي قد حظرت تلك الوسائل ولم تتضمن أي نص يجيز استخدامها في التحقيق أو الاستجواب، وذلك لكونها وسيلة تسلب من المتهم إرادته بشكل كامل وتضعه في حالة لاشعور، وهو ما يخالف أبسط حقوق المتهم في الدفاع والتي من أهمها حقه في الصمت وعدم الإجابة على ما يوجهه له المحقق في الاستجواب من أسئلة أو مناقشة.
- استخدام العقاقير والأدوية المخدرة
العقاقير والأدوية المخدرة متى تعاطاها المتهم فإنها تدخله في حالة تشبه النوم، مع اختلاف بسيط وهو أن إدراكه يظل واعياً، وبالتالي يكون المتهم فاقداً للسيطرة على إرادته وغير قادر على اختيار ما يدلي به من أقوال، ولكنه يظل قادراً على الإجابة على أسئلة المحقق دون إرادته، ومن أبرز تلك العقاقير والأدوية المخدرة هو عقار بنتوثال الصوديوم أو كما يطلق عليه مصل الحقيقة، ولم يجز المشرع الكويتي استخدام مثل تلك العقاقير والأدوية المخدرة عند استجواب المتهم، ورتب على استخدامها بطلان الاستجواب وبطلان ما يترتب عليه من أدلة.
(3) الضمانة الخاصة بتمكين المتهم من ممارسة حق الدفاع
يعتبر حق المتهم في الدفاع عن نفسه من الحقوق التي كفلها الدستور الكويتي، حيث أكد دستور الكويت في مادته رقم (34) على أن “المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع، ويحظر إيذاء المتهم جسمانياً أو معنوياً”.
وحتى تتحقق تلك الضمانة بشكل فعلي فإن هناك مجموعة من الحقوق التي يجب أن تتحقق للمتهم أثناء الاستجواب، ويمكننا أن نحصر تلك الحقوق على النحو التالي:
- حق المتهم في العلم بالاتهام المنسوب إليه
حتى يتمكن المتهم من الدفاع عن نفسه وتقديم الدفوع الخاصة به يجب بداية أن يكون على علم بماهية التهمة المنسوبة إليه، فمن غير المنطقي أن يبدي المتهم دفاعه ودفوعه في جريمة لا يعلم عنها شيء، وبالتالي فقد قرر المشرع الكويتي ذلك الحق بموجب نص المادة رقم (98) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، والتي أوجب فيها على المحقق قبل البدء في التحقيق مع المتهم أن يسأله بشكل شفوي عن التهمة الموجهة إليه، وذلك حتى يكون المتهم قد أحيط علماً بالجريمة المتهم بارتكابها قبل بدء استجوابه بشأنها.
- حق المتهم في رفض الإجابة على أسئلة المحقق (الحق في الصمت)
قرر المشرع الكويتي في سياق نص المادة رقم (98) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أحقية المتهم أثناء استجوابه في “عدم الكلام”، ويُقصد بذلك الحق أنه يحق للمتهم أن يختار الصمت أثناء استجوابه، وأن يمتنع عن الإجابة على أي سؤال من الأسئلة التي يوجهها إليه المحقق، ولا يجوز للمحقق أن يجبر المتهم أو يكرهه على الرد على تلك الأسئلة وإلا أصبح الاستجواب باطلاً، فإذا كان المتهم في هذا الاستجواب الباطل قد اعترف بارتكابه للجريمة، فإن هذا الاعتراف بالتبعية يكون هو الآخر باطلاً.
ولا يمكن تفسير صمت المتهم أو امتناعه عن الإجابة على أسئلة المحقق خلال الاستجواب بأي حال من الأحوال على أنه إقرار بارتكابه للجريمة، حيث أن في صمته هذا استخداماً لحق من حقوق الدفاع التي كفلها له القانون، ولا يجوز تفسيره أو تأويله على غير هذا الوجه.
- حق المتهم في حضور محاميه بصحبته أثناء الاستجواب
يمثل هذا الحق في حضور محامي بصحبة المتهم أثناء إجراءات التحقيق معه – ومن ضمنها الاستجواب – حقاً أصيلاً للمتهم، وضمانة تكفل تحقيق العدالة، وذلك عن طريق:
- تواجد المحامي بصحبة المتهم أثناء إجراء الاستجواب يعد بمثابة تطمين لروعه، وعاملاً له بالغ الأثر في قدرته على إبداء دفاعه ودفوعه، وبصورة تتسق مع حقيقة الواقع.
- يضمن وجود المحامي خلال الاستجواب أن يتم وفقاً للضوابط والقواعد والأحكام التي قررها القانون في هذا الشأن، وعدم وجود مخالفة لأياً منها في حق المتهم.
- يحول وجود المحامي برفقة المتهم دون استخدام المحقق لأي وسيلة غير مشروعة التي يمكن أن يستخدمها للتأثير على إجابات المتهم وأقواله.
- عندما يشارك المحامي في الاستجواب وفيما يتم توجيهه من أسئلة للمتهم، فإن ذلك يعزز من الناحية الفنية للاستجواب، ويعضد من كونه ليس إجراء من إجراءات التحقيق فقط بل هو أيضاً وسيلة من وسائل الدفاع[5].
رابعاً: ماهية الاعتراف
يمثل الاعتراف أحد أهم وأقوى وسائل إثبات الاتهام على المتهم، بل وإن بعض الفقه قد اتجه إلى وصفه بأنه سيد الأدلة، لاسيما وأنه يصدر من المتهم على نفسه، وبالتالي يصعب التشكيك فيه، حيث لا يتصور عقلاً أو منطقاً أن يقر الإنسان على نفسه بارتكابه لجريمة لم يقم بارتكابها.
إلا أنه وعلى الرغم من ذلك فإن هذا القول لا يمكن أن يؤخذ على إطلاقه، حيث أن الاعتراف لا يعد دائماً عنواناً للحقيقة، فليس كل الاعترافات تصدر مستندة لدوافع الصدق وإظهار الحقيقة والشعور بالندم وإبراء الذمة، بل هناك اعترافات يكون خلفها دوافع أخرى كحماية الجاني الأصلي الذي ارتكب الجريمة، أو اكتساب تعاطف المحكمة، أو غيرها من الدوافع التي تجعل من الاعتراف وهم تتيه معه الحقيقة وتختفي.
وقد تعرض الفقه القانوني لتعريف الاعتراف بأكثر من تعريف، حيث عرفه جانب من الفقه بأنه الإقرار الصادر من المتهم على نفسه، والذي يقر بموجبه ارتكابه لمكونات الجريمة أو بعض منها، وذلك بإرادة حرة لا تشوبها أي شائبة.
بينما عرفه البعض الآخر بأنه إقرار المتهم على نفسه بصحة اتهامه بارتكاب الجريمة المنسوب إليه ارتكابها.
واتجه البعض إلى تعريف الاعتراف بأنه عمل إرادي يتمثل في إقرار المتهم على نفسه بأنه بأنه قد قام بارتكاب الجريمة الموجه إليه الاتهام بارتكابها[6].
ومن مجمل تلك التعاريف يمكننا أن نتبين أنها اتفقت في مضمونها على أن الاعتراف يمثل عمل إرادي قوامه إقرار المتهم – بكامل إرادته – على نفسه بأنه ارتكب الجريمة المسندة إليه بكامل وقائعها أو بعض منها.
خامساً: الشروط اللازم توافرها لصحة الاعتراف
حتى يؤتي الاعتراف ثماره وتكون له حجية كدليل من أدلة الإثبات، فيلزم ذلك أن يكون الاعتراف سليماً وصحيحاً من الناحية القانونية، وحتى تتحقق الصحة والسلامة للاعتراف فيجب أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط التي يستلزمها القانون، وسوف نتناول تلك الشروط في الأسطر القليلة القادمة.
(1) أن يكون الاعتراف صريحاً بلا أي لبس أو غموض
بداية يلزم في الاعتراف الذي يدلي به المتهم أثناء الاستجواب أن يكون واضحاً لا يشوبه أي لبس أو غموض، بحيث لا يتضمن أن تناقضات، أو يخالف وقائع الدعوى، بل تكون ذات صيغة صريحة وقاطعة على ارتكاب المتهم المعترف للجريمة محل الاتهام، وأن يتضمن الاعتراف كافة التفاصيل الخاصة بارتكابها.
وقد اشترط المشرع الكويتي هذا الشرط بموجب ما جاء بنص المادة رقم (157) من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية من أنه “لا يعتبر اعترافاً من أقوال المتهم إلا ما يكون منها صريحاً قاطعاً في ارتكابه الجريمة المنسوبة إليه”.
كما أن الاعتراف لا يصح متى كان مستمداً من استنتاج من سلوك سلكه المتهم، كما لو لاذ المتهم بالفرار عند القبض عليه، أو قام بعقد صلح مع المجني عليه أو ذويه، أو تغيبه عن المثول أمام سلطات التحقيق متى تم طلبه للمثول أمامها، فتلك الوقائع جميعها لا يجوز أن يتم استخلاص اعتراف المتهم بارتكاب الجريمة من خلالها، للزوم أن يكون الإقرار صادراً من المتهم بشكل صريح وواضح.
وعلى سبيل المثال للاعتراف الذي يشوبه لبس أو غموض أن يعترف المتهم بأنه قتل المجني عليه طعناً بآلة حادة بينما تكون الوفاة ناتجة عن طلق ناري، أو أن يعترف بارتكابه لجريمته في مكان ما وتكون الجريمة قد ارتكبت في مكان آخر، أو أن تكون صيغة الاعتراف ذاته متناقضة وغير متسقة أو مترابطة، ففي جميع تلك الحالات والحالات الأخرى المشابهة لها ينتفي شرط الصراحة والوضوح في الاعتراف، ولا تكون له حجية في نظر المحكمة.
(2) أن يكون الاعتراف قد تم الحصول عليه بشكل مشروع
اشترط قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية أيضاً لصحة الاعتراف أن يكون الحصول عليه قد تم بشكل مشروع، فإذا كان الاعتراف مستمداً من استجواب باطل لانتفاء ضمانة من ضمانات الاستجواب، أو لتحليف المتهم لليمين عند استجوابه بالمخالفة للقانون، أو كان القبض على المتهم لاستجوابه قد تم بشكل باطل، فإن الاعتراف يبطل هو الآخر لابتنائه على استجواب باطل ولا يجوز الاستناد إليه في إدانة المتهم.
ويرجع ذلك لكون إرادة المتهم في تلك الحالات تكون تحت تأثير هذا الإجراء الباطل التي تم استخلاص الاعتراف بناء عليها، وهو ما يستلزم استبعاد هذا الاعتراف من إطار أدلة الإثبات، فإذا كا اتخذته المحكمة أساساً للحكم الذي تصدره بات حكمها هذا مشوباً بعيب البطلان.
(3) أن يتم الإدلاء بالاعتراف من قبل المتهم وهو ممتلكاً لكامل وعيه وإرادته
حتى يكون الاعتراف صالحاً للاستناد إليه فيجب ألا يكون قد صدر من المتهم خلال فقدانه لوعيه أو إرادته، كما هو الحال في الاعتراف الذي يصدر من المتهم أثناء وقوعه تحت تأثير عقاقير أو مواد مخدرة أو تنويم مغناطيسي أو أي مؤثر آخر يفقد المتهم إرادته، فبدون إرادة ووعي لا يكون الاعتراف معتبراً.
ولا يقتصر الأمر فقط على ضرورة توافر الإرادة والوعي لدى المتهم ليكون اعترافه صحيحاً وسليماً من الناحية القانونية، بل يلزم أيضاً أن تكون تلك الإرادة حرة خالية من ثمة أي وجه من أوجه الضغط التي تشوبها بعيب من عيوب الإرادة أو تؤثر عليها سلباً، ومن تلك الضغوط التي تصيب الإرادة بالعيوب المؤثرة الإكراه والتهديد والتعذيب، ـو إدخال الغش والخداع على المتهم ليدلي باعتراف كما هو الحال في إيهام المتهم بأنه إذا أدلى باعترافه سيتم الإفراج عنه أو تخفيض عقوبته، فإن تحققت أياً من تلك الضغوط على إرادة المتهم وصدر منه الاعتراف في ظل تأثره بها فإن الاعتراف يكون باطلاً ولا يعتد به لكونه صدر بناء على إرادة معيبة.
وقد أيدت محكمة التمييز ذلك في العديد من أحكامها، والتي قضت فيها بأن “الاعتراف الذي يعول عليه كدليل إثبات في الدعوى يجب أن يكون اختيارياً صادراً عن إرادة حرة، فلا يصح التعويل على الاعتراف ولو كان صادقاً متى كان وليد إكراه كائناً ما كان قدره، كما أن الدفع ببطلان الاعتراف لصدوره تحت تأثير الإكراه هو دفاع جوهري يجب على محكمة الموضوع مناقشته والرد عليه مادام أنها عولت في حكمها بالإدانة على هذا الاعتراف”[7].
سادساً: حجية الاعتراف في الإثبات
قد يظن البعض أنه وبمجرد اعتراف المتهم ينتهي الأمر وتصبح إدانته بارتكاب الجريمة التي اعترف بارتكابها هي أمر حتمي، إلا أن هذا الظن في غير محله، حيث أن الاعتراف كما سبق وأن أشرنا آنفاً قد تكون له دوافع خفية قد تكون غير مشروعة، بحيث يكون المتهم بريئاً من ارتكاب الجريمة التي اعترف على نفسه بارتكابها، ولكنه اعترف بها لغرض آخر في نفسه لا يعلمه إلا هو.
لذلك فإن الاعتراف الصادر من المتهم لا يؤخذ على إطلاقه، فلا تكون حجيته كدليل في الإثبات هي حجية مطلقة، سواء كان هذا الاعتراف قد صدر أثناء الاستجواب أمام المحقق أو خلال نظر القضية أمام المحكمة، ففي الحالتين يخضع تقدير مدى حجية الاعتراف في الإثبات لمحكمة الموضوع، والتي تتولى بحث هذا الاعتراف وتفنيده، ومناقشة المتهم فيه، واستجلاء مدى تطابق هذا الاعتراف مع وقائع الدعوى، فإذا تبين لها من خلال ذلك صحة اعتراف المتهم، واطمأنت إليه قلبها أن تكتفي به كدليل في الإثبات وتطرح ماعداه من أدلة أخرى حتى وإن كانت تتعارض مع هذا الاعتراف طالما اطمأنت إلى صحته، وتفصل في الدعوى الجزائية بإدانة المتهم بارتكاب الجريمة.
أما إذا تبين للمحكمة أن الاعتراف غير سليم وأنه تم بدافع آخر خلاف إظهار الحقيقة، أو أن المتهم لم يرتكب تلك الجريمة محل الاعتراف وفقاً لأدلة قوية، أو أن الاعتراف لم يستوفي الشروط القانونية اللازمة لصحته، أو لأي سبب آخر يستدل منه على عدم صحة الاعتراف، فعندئذ تلتفت عن هذا الاعتراف وتطرحه جانباً لكونه يفقد عندئذ أي حجية في الإثبات ويعد هو والعدم سواء، وتمضي في سبيلها لبحث أدلة الإثبات الأخرى في الدعوى.
وفي ذلك قضت محكمة التمييز بأنه “إذا توافر في الدعوى اعتراف من المتهم في حق نفسه كان للمحكمة أن تعتمد على هذا الاعتراف وتأخذ به متى اطمأنت إلى صحته حتى ولو لم يًضبط المتهم متلبساً بالجريمة”[8].
وهناك تساؤل هام يثور بشأن العدول عن الاعتراف، وهي حالة شائعة قوامها أن يدلي المتهم باعترافه أمام المحقق أثناء استجوابه بارتكاب الجريمة المنسوب إليه ارتكابها، وعند محاكمته أمام محكمة الموضوع يعدل المتهم عن اعترافه ويرجع عنه، فعل يترتب على هذا العدول استبعاد الاعتراف من نطاق الأدلة المطروحة على المحكمة؟
بوجه عام فإن الإجابة على هذا التساؤل هي عدم استبعاد اعتراف المتهم من أدلة الدعوى على الرغم من عدوله عنه، حيث يظل الأمر خاضعاً للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، والتي قد تطمئن إلى اعتراف المتهم رغم رجوعه عنه، خاصة بعد أن تبحث المحكمة أسباب هذا العدول، حيث قد يتبين لها أن تلك الأسباب هي أسباب جدية كالدفع بأن الاعتراف تم تحت الإكراه أو التهديد، وعندئذ تلتفت المحكمة عن هذا الاعتراف، كما قد يتبين لها أن أسباب العدول هي أسباب واهية وملفقة، وأن اعتراف المتهم على الرغم من عدوله عنه إلا أن وقائع الدعوى وأدلتها تؤكد صحة هذا الاعتراف، فعندئذ يجوز للمحكمة الاستناد إلى هذا الاعتراف في حكمها بإدانة المتهم.
ونود أن نختتم هذا المقال بتوضيح قوامه أن قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية شُرع من حيث الأصل لضمان الحفاظ على حقوق وحريات الإنسان، وذلك من خلال الإجراءات والضوابط والأحكام التي قررها، والتي من ضمنها ما يحكم وينظم التحقيق والاستجواب، وقرر المشرع جزاء البطلان لأي إجراء يتم بالمخالفة لتلك الإجراءات والضوابط والأحكام، وبالتالي فإنه متى روعيت الضوابط والأحكام والقواعد التي قررها القانون في إجراء الاستجواب، والتي تتطابق مع حقوق المتهم وحرياته التي كفلها له الدستور والقانون، فلا تثور ثمة إشكالية بشأن صحة وسلامة الاعتراف، ولكن تلك الإشكالية تثور متى كان الاعتراف وليداً لاستجواب لم تراعى في إجرائه الضوابط والشروط القانونية التي قررها المشرع، حيث أن سلطة الاستجواب لا يجوز لها أن تستخلص اعترافاً مبنياً على إجراءات استجواب باطلة، حتى وإن كان الاعتراف ذاته مستوفياً لكافة شروطه ومطابقاً لوقائع الدعوى وأدلتها.
سابعاً: موقف المشرع المصري والأردني واللبناني من الاعتراف
لا تقوم الدراسات القانونية الإجرائية المعمّقة عادةً إلا على أساس من المقارنة التشريعية، نظراً لما تكشفه من تباين في الحلول وتنوع في الأساليب التي ابتكرتها التشريعات المختلفة في معالجة القضايا ذاتها. ومن هذا المنطلق سيتم استعراض موقف كل من المشرع المصري والأردني واللبناني من الاعتراف كدليل إثبات جنائي، وبيان الأحكام التي قررها كل منهم في هذا الشأن.
(1) موقف المشرع المصري
نظّم قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950 وتعديلاته أحكامَ الاعتراف ضمن المنظومة العامة للإثبات الجنائي. ويتسم الموقف المصري بسمات جوهرية يمكن إجمالها على النحو الآتي:
أ. اشتراط الصراحة والإرادة الحرة
يستلزم المشرع المصري أن يكون الاعتراف صريحاً خالياً من اللبس، وأن يصدر عن إرادة حرة غير مشوبة بالإكراه أو التهديد أو الوعد أو الوهم، وهو ما كرسه أحكام محكمة النقض المصرية في قضاء مستقر. ففي ذلك قضت محكمة النقض بأن الاعتراف الذي يعول عليه يجب أن يكون صادراً عن إرادة حرة مختارة، فإذا شاب الإكراه أي قدر منه سقط الاعتراف عن درجته كدليل إثبات.
ب. السلطة التقديرية للمحكمة
أخذ المشرع المصري بمبدأ الاقتناع القضائي الحر، إذ منح قاضي الموضوع سلطة تقديرية واسعة في تقييم الاعتراف والوزن الذي يستحقه، فله أن يأخذ باعتراف المتهم ولو عدل عنه إذا اطمأن إليه، كما له أن يطرحه رغم عدم العدول عنه إذا لم يطمئن إلى صحته. وقد استقر القضاء المصري على أن الاعتراف وحده كافٍ لأن تبني عليه المحكمة حكمها بالإدانة دون الحاجة إلى دليل آخر، شريطة أن يكون الاعتراف سليماً من الناحية القانونية.
ج. بطلان الاعتراف المنتزع بالإكراه
أرسى قانون الإجراءات الجنائية المصري مبدأ راسخاً مؤداه أن كل اعتراف انتُزع تحت وطأة الإكراه المادي أو المعنوي يقع باطلاً لا يعتد به، استناداً إلى صون الكرامة الإنسانية التي يكفلها الدستور المصري وإلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها مصر. ويمتد البطلان في القانون المصري ليشمل كل دليل مستمد من هذا الاعتراف الباطل وفق نظرية “الثمرة المسمومة”.
د. ضمانات الاستجواب
منح المشرع المصري النيابة العامة اختصاصاً أصيلاً بإجراء الاستجواب، مع إجازة ندب ضباط الشرطة في حالات محددة، كما كفل حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ خلال الاستجواب عملاً بنص المادة (124) من قانون الإجراءات الجنائية، وهو ما يُعد ضمانة دستورية وحقاً من حقوق الدفاع التي أقرها الدستور المصري.
(2) موقف المشرع الأردني
ينظم قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 وتعديلاته -ولا سيما تعديلات عام 2017- أحكامَ الاعتراف، وقد جاء الموقف الأردني حاملاً لسمات مميزة تعكس التوجه العام للمنظومة الإجرائية الجنائية الأردنية:
أ. تعريف الاعتراف وشروطه
يشترط القانون الأردني في الاعتراف أن يكون صريحاً قاطعاً في اقتراف الجريمة، وأن يصدر عن إرادة حرة مختارة بعيداً عن كل صورة من صور الإكراه أو الإغراء، وهو ما تمسك به القضاء الأردني في أحكامه. ولا يكفي مجرد الإقرار الضمني أو المستفاد من ظروف الحال، بل يشترط المشرع الأردني الصراحة التامة.
ب. أثر الرجوع عن الاعتراف
اتجه القضاء الأردني إلى منح محكمة الموضوع سلطة تقديرية في تقييم الأثر المترتب على العدول عن الاعتراف، فلها أن تأخذ بالاعتراف رغم الرجوع عنه إذا تبين لها من خلال وقائع الدعوى وظروفها أن أسباب العدول واهية ولا تستند إلى أساس سليم، وذلك تطبيقاً لمبدأ الاقتناع القضائي الحر المكرّس في القانون الأردني.
ج. الحماية من الإكراه وضمانات الاستجواب
تبنّى المشرع الأردني ضمانات صريحة لحماية المتهم أثناء الاستجواب، إذ يُحظر تحليف المتهم اليمين عند استجوابه، كما يُحظر استعمال الإكراه أو التهديد أو الوعد لانتزاع الاعتراف. وقد جاءت التعديلات الأخيرة على قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني لتُعزز هذه الضمانات بما يتوافق مع الالتزامات الدولية لحقوق الإنسان، لا سيما اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادق عليها الأردن. ويلزم القانون الأردني بتوثيق جلسات الاستجواب بما يحفظ حق المتهم في الطعن في صحة ما أُسند إليه من أقوال.
د. الاعتراف القضائي والاعتراف الإداري
يفرّق الفقه والقضاء الأردني بين الاعتراف القضائي الصادر أمام المحكمة والاعتراف الإداري المأخوذ في مرحلة التحقيق، غير أن القانون الأردني يجعل كلاً منهما عرضة للتقييم القضائي من حيث الصحة والمشروعية، مما يُرسّخ مبدأ أن الاعتراف ليس دليلاً مطلقاً بل هو خاضع دائماً لرقابة القضاء.
(3) موقف المشرع اللبناني
يُعد قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني رقم 328 لسنة 2001 من أحدث التشريعات الإجرائية الجنائية في المنطقة العربية، وقد جاء بجملة من الأحكام المتقدمة في مجال الاعتراف وضمانات الاستجواب تعكس تأثره الواضح بالتشريع الفرنسي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان:
أ. موقف راسخ من حظر الإكراه
أرسى المشرع اللبناني حظراً صريحاً وقاطعاً على كل صور الإكراه الجسدي والنفسي خلال الاستجواب، مقترناً بنص صريح يُبطل أي اعتراف يُثبت انتزاعه تحت الإكراه ويُسقط حجيته الإثباتية كليا. وقد جاء هذا التوجه انسجاماً مع دستور لبنان الذي يُكرس صون الحرية الفردية والكرامة الإنسانية، فضلاً عن انضمام لبنان إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
ب. حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ
أقرّ قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ منذ اللحظة الأولى لتوقيفه وخلال استجوابه، وهو ما يُعدّ من أهم الضمانات الإجرائية التي تحول دون انتزاع اعترافات مُنتزعة لا تعكس الإرادة الحرة. وقد كرّست محكمة التمييز اللبنانية هذا الحق في أحكام عدة، مُقررةً بطلان الاستجواب الذي يجري في غياب المحامي خلافاً لأحكام القانون.
ج. قاضي التحقيق والاعتراف
يضطلع قاضي التحقيق في النظام اللبناني بدور محوري في تقييم الاعتراف وفحص مدى استيفائه للشروط القانونية المقررة، ويتمتع بصلاحية استبعاد الاعتراف غير المشروع من نطاق التحقيق، مما يُوفر رقابة قضائية مسبقة على مشروعية الأدلة قبل عرضها أمام محكمة الموضوع. ويُمثل هذا النظام إحدى السمات المميزة للتشريع اللبناني في المقارنة مع نظيريه الكويتي والأردني.
د. مبدأ الاقتناع القضائي الحر
انتهج القانون اللبناني مبدأ الاقتناع القضائي الحر في تقييم الاعتراف، فلا يُلزم القاضي بالأخذ بالاعتراف حتى ولو كان مستوفياً لشروطه الشكلية إذا لم يطمئن وجدانه إلى صدقه، كما لا يُلزم باستبعاده إذا عدل عنه المتهم ولم تقم لديه أسباب جدية تبرر هذا العدول. وفي ذلك تطبيق واضح لمبدأ حرية الإثبات الجنائي الذي يتبناه القانون اللبناني.
تقييم مقارن
يتبيّن من استعراض المواقف التشريعية السابقة أن الأنظمة القانونية الأربعة -الكويتية والمصرية والأردنية واللبنانية- تلتقي في جملة من القواسم المشتركة أبرزها: اشتراط صدور الاعتراف عن إرادة حرة خالية من الإكراه، وإخضاعه للسلطة التقديرية للقاضي، وترتيب البطلان على ما انتُزع بطرق غير مشروعة. إلا أن الفوارق تبقى قائمة بينها: فالنظام اللبناني يبدو الأكثر تقدمية في ضمانات حق الاستعانة بالمحامي ودور قاضي التحقيق، في حين يتميز النظام الكويتي بتوزيع الاختصاص بالاستجواب وفقاً لنوع الجريمة جناية أم جنحة، أما النظام الأردني فقد شهد تطوراً ملموساً في التعديلات الأخيرة نحو تعزيز ضمانات المتهم، بينما يظل النظام المصري محتفظاً بإرثه الفقهي العريق ومرونة القضاء في تقييم الاعتراف.
نتائج البحث
في ختام هذه الدراسة توصّل البحث إلى جملة من النتائج العلمية التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:
– إن الاستجواب إجراء من إجراءات التحقيق الجنائي ذو طبيعة مزدوجة؛ يستهدف من ناحية كشف الحقيقة وجمع الأدلة، ويُمثّل من ناحية أخرى وسيلة دفاع تُتيح للمتهم نفي الاتهام عن نفسه، وهو ما يقتضي معالجته في إطار من التوازن الدقيق بين مصلحة الدولة في ملاحقة الجريمة ومصلحة المتهم في صون حقوقه وحرياته الدستورية.
– حرص المشرع الكويتي على إحاطة إجراء الاستجواب بمنظومة متكاملة من الضمانات تتمثل في تحديد الجهة المختصة بإجرائه وفقاً لنوع الجريمة، وحظر تحليف المتهم اليمين، وكفالة حق الاستعانة بالمحامي، وهي ضمانات جوهرية تصون مشروعية الإجراء وتنعكس بالتالي على صحة الاعتراف الناتج عنه.
– يُعد الاعتراف دليلاً ذا قيمة إثباتية عالية في الدعوى الجنائية، إلا أن تلك القيمة مشروطة بتوافر شروط موضوعية جوهرية، أبرزها: الصراحة والوضوح وخلو الاعتراف من اللبس، وصدوره عن إرادة حرة مختارة في حدود الوعي التام، وانبناؤه على استجواب صحيح مستوفٍ لضماناته القانونية.
– أرسى قضاء محكمة التمييز الكويتية مبادئ راسخة في شأن تقييم الاعتراف، تتمحور حول خضوعه للسلطة التقديرية لمحكمة الموضوع، وأحقية المحكمة في الأخذ به أو إطراحه وفقاً لما يتشكّل لديها من اقتناع، وعدم التأثر بمجرد العدول عنه ما لم تقم للعدول أسباب جدية ومقبولة.
– يُرتب بطلان الاستجواب بطلاناً حتمياً على الاعتراف الصادر في ظله ولو استوفى ذلك الاعتراف شروطه الشكلية، لأن مشروعية الدليل شرط لا غنى عنه لصلاحية الاستناد إليه في الإدانة، ومتى تلوّث الاستجواب بعيب البطلان سرى ذلك البطلان إلى الاعتراف المستمد منه.
– تتقاطع التشريعات المقارنة المصرية والأردنية واللبنانية مع نظيرتها الكويتية في المبادئ الجوهرية المتعلقة بالاعتراف، وإن اتسمت التشريعات اللبنانية والمصرية ببعض الخصائص المتقدمة في مجال ضمانات الاستجواب وحق المتهم في الاستعانة بمحامٍ.
خاتمة
تناولنا في هذه الدراسة القانونية إشكالية بالغة الأثر في منظومة الإثبات الجنائي، وهي إشكالية الاعتراف كدليل إثبات جنائي في القانون الكويتي في ظل التوتر القائم بين ضمانات حرية المتهم من جهة وسلطة الاستجواب من جهة أخرى. وقد خلصنا إلى أن هذا التوتر ليس صراعاً حتمياً لا فكاك منه، بل هو توتر قابل للتسوية في إطار قانوني متوازن يُحسن المشرع صياغته وتطبيقه.
إن الاعتراف في جوهره القانوني لا يُستمد قيمته من كونه صادراً عن المتهم فحسب، بل من استيفائه لشروط مشروعية الإجراء الذي أُخذ في سياقه. فحين يجري الاستجواب وفق ضماناته القانونية التي أرساها المشرع الكويتي في قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، يكون الاعتراف الناتج عنه مشروعاً ومعتبراً في الإثبات. وحين تُنتهك تلك الضمانات أياً كانت صورة الانتهاك فإن البطلان يطال الإجراء والدليل معاً، صوناً لحقوق المتهم التي كفلها الدستور وأكدتها المواثيق الدولية.
وفي المقابل، فإن الفحص المقارن لمواقف التشريعات المصرية والأردنية واللبنانية يكشف أن الاهتمام بضمانات الاستجواب ليس توجهاً خاصاً بتشريع بعينه، بل هو اتجاه تشريعي عربي عام يعكس قناعة راسخة بأن الكشف عن الحقيقة الجنائية لا يجوز أن يكون على حساب كرامة الإنسان وحرياته الأساسية.
وإننا إذ نُوصي المشرع الكويتي بمواصلة مسيرة الإصلاح التشريعي في هذا المجال، فإننا ندعوه تحديداً إلى النظر في استحداث آليات تقنية حديثة كالتسجيل المرئي والصوتي لجلسات الاستجواب، وتفعيل حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ منذ وقت مبكر من مراحل التحقيق، وذلك لإغلاق الباب أمام أي ادعاءات بانتزاع الاعتراف بطرق غير مشروعة، وتحقيقاً لغاية العدالة الجنائية في صورتها الأكمل.
وبهذا القدر نكون قد أسدلنا الستار على هذه الدراسة، راجين أن تكون قد وفّت الموضوع حقه من البحث والتحليل، وأن تكون إسهاماً نافعاً في الأدب القانوني الإجرائي الجنائي الكويتي والعربي على حدٍّ سواء، والله ولي التوفيق.
[1] – فرج الطيب وآخرين – الأحكام العامة للاستجواب في مرحلة التحقيق الابتدائي والشروط المقررة له – المجلة الأقروآسيوية للبحث العلمي – مج 3 – ع (4) – 2025 – ص121.
[2] – محكمة التمييز الكويتية – الطعن رقم جزائي 449 لسنة 2005– جلسة 20/6/2006 – مكتب فني 34 – ج1 – ص 556 – قاعدة رقم 26.
[3] – محكمة التمييز الكويتية – الطعن رقم جزائي 181 لسنة 2000– جلسة 6/2/2001 – مكتب فني 29 – ص 531 – قاعدة رقم 11.
[4] – فاضل نصر الله عوض – ضمانات المتهم أمام سلطة التحقيق الابتدائي في التشريع الكويتي : دراتسة تحليلية مقارنة بالتشريعين المصري والفرنسي – مجلة الحقوق – مج 22 – ع (3) – مجلس النشر العلمي – جامعة الكويت – 1998 – ص98.
[5] – طارق الديراوي – ضمانات وحقوق المتهم في قانون الإجراءات الجنائية: دراسة مقارنة – معهد البحوث والدراسات العربية – جامعة الدول العربية – مصر – 2005 – ص212 – هامش 1004.
[6] – السيد محمد حسن – النظرية العامة للإثبات الجنائي – دار النهضة العربية – مصر – 2002 – ص5.
[7] – – تمييز جزائي – السنة 22 – ج2 – جلسة 5/12/1994 – ق45/1، 2 – ص685
[8] – تمييز جزائي – السنة 23 – ج2 – جلسة 20/11/1995 – ق30/2 – ص150.