تم التحديث 3 ساعات ago عن طريق ahmad
أحكام التأجير من الباطن في القانون الكويتي
مما لا شك فيه أن الإجارة تمثل أداة من أدوات الاستثمار التي يتم استخدامها في تبادل المنفعة بين أفراد المجتمع، حيث يقوم المالك (المؤجر) بالاستفادة من خلال استثمار العين التي يمتلكها عن طريق تأجيرها للمستأجر، والأخير يقوم باستخدامها سواء للسكن فيها متى كانت سكنية أو استغلالها لممارسة نشاط تجاري متى كانت مخصصة للنشاط التجاري، إلا ن هناك حالة يمكن للمستأجر أن يربح فيها من خلال تأجير العين المؤجرة له، وهو ما يسمى بالتأجير من الباطن، إلا أنه للقيام بذلك فهناك قيود وشروط محددة نظمتها أحكام القانون، وفي حالة عدم الانصياع لها يقع المستأجر تحت طائلة إخلائه – هو والمستأجر من الباطن – من العين المؤجرة.
ونظراً لأهمية موضوع التأجير من الباطن وخطورته فقد وقع اختيارنا عليه ليكون موضوع هذا المقال، والذي سوف نتعرض فيه لأهم الأحكام التي وردت في المرسوم بقانون بشأن إيجار العقارات الكويتي رقم 35 لسنة 1978 وتعديلاته.
أولاً: ما هو المقصود بالتأجير من الباطن؟
لم يتعرض المشرع الكويتي في سياق قانون تأجير العقارات للتعريف بالتأجير من الباطن، كما لم يتعرض له أيضاً بالتعريف في القانون المدني، وترك مهمة التعريف به للفقه القانوني كما جرت العادة في شأن مسألة التعريف بالمصطلحات القانونية، وبالفعل تولى الفقه القانوني مسألة التعريف به، وإن كانت هناك بعض التعاريف التي جاءت في محل نقد من قبل جانب كبير من فقهاء القانون، ومنها على سبيل المثال التعريف بالتأجير من الباطن على أنه عقد بموجبه يلتزم المستأجر بموجبه بتمكين شخص آخر من أن ينتفع بشكل كامل أو جزئي بالعين التي يستأجرها من المؤجر، وذلك لمدة محددة ومظير أجرة معلومة، وقد تم انتقاد هذا التعريف باعتباره قد قصر مدة الإيجار من الباطن على مدة محددة، لاسيما وأن ذلك لا يحول دون قيام المستأجر بتأجير العين للغير لمدة محددة تتجاوز مدة إيجاره المحددة بعقد إيجاره مع المؤجر.
ومنها أيضاً تعريف التأجير من الباطن بأنه عقد إيجار يكون فيه الطرف المؤجر هو المستأجر الأصلي الذي استأجر العين من مالكها، وبموجبه يتم نقل حق انتفاع المستأجر الأصلي بالعين إلى المستأجر من الباطن، على أن تظل مسؤولية المستأجر الأصلي عن العين المؤجرة قائمة في مواجهة المؤجر الأصلي، وأيضاً التعريف القائل بأن التأجير من الباطن هو عقد يتم إبرامه بين طرفين استناداً إلى عقد إيجار سابق عليه في النشأة، ويكون أحد طرفيه هو المستأجر في العقد السابق، وبموجبه ينتقل حق انتفاع المستأجر الأصلي بالعين المؤجرة والمقرر بالعقد السابق إلى المستأجر من الباطن، وتظل مسؤولية المستأجر الأصلي قائمة قبل المؤجر الأصلي، وقد أُخذ على هذه التعاريف خلوها من بيان المدة التي يستمر خلالها عقد التأجير، وأيضاً عدم تطرقها إلى القيمة الإيجارية.
لذلك كانت التعاريف التي أيدها السواد الأعظم من الفقه حريصة على تجنب هذا النقد، ومن أبرز الأمثلة على التعاريف التي أيدها الفقه للتأجير من الباطن هو تعريفه بأنه الإيجار الذي بموجبه يقوم المستأجر تأجير كل أو جزء من حقه في العين التي يستأجرها للغير، وذلك نظير قيمة إيجارية متفق عليها، بما ينشأ معه علاقة تجارية بين المستأجر والمستأجر من الباطن، قد تتفق في شروطها مع علاقة المستأجر الأصلي بالمؤجر أو تختلف معها، حيث عالجت تلك التعاريف وجه النقد الموضح سلفاً، وذلك من خلال وضع عبارة “كل أو جزء من حقه في العين”، ليستدل منها على أن التأجير من الباطن مقيد بحق المستأجر الأصلي في العين سواء من حيث المدة أو غيرها.
ثانياً: أهم سمات التأجير من الباطن
يتسم التأجير من الباطن ببعض السمات الخاصة التي تنبع من طبيعته، ومن أهم وأبرز تلك السمات نذكر ما يلي:
- يستلزم لقيام علاقة التأجير من الباطن أن يكون هناك عقد إيجار سابق في نشوئه على تلك العلاقة، وهذا العقد محرر بين المستأجر الأصلي – الذي يقوم بالتأجير من الباطن – وبين المؤجر.
- الشروط الخاصة بعقد التأجير من الباطم لا يشترط فيها أن تتفق مع الشروط الةاردة في عقد الإيجار الأصلي المبرم بين المستأجر الأصلي والمؤجر، فيمكن أن تختلف عنها سواء بشكل كلي أو جزئي.
- لا تنقل علاقة التأجير من الباطن مسؤولية المستأجر الأصلي إلى المستأجر من الباطن، بل تظل مسؤولية المستأجر الأصلي عن العين المؤجرة قائمة في مواجهة المؤجر، فعلى سبيل المثال لو تسبب المستأجر من الباطن في حريق العين المؤجرة أو انهيارها، فإن المستأجر الأصلي هو من يتحمل المسؤولية عن ذلك في مواجهة المؤجر، حيث لا توجد علاقة مباشرة تربط بين المؤجر والمستأجر من الباطن.
- قد ينصب التأجير من الباطن على جزء أو كل من العين المؤجرة.
ثالثاً: التمييز بين التأجير من الباطن والتنازل عن الإيجار
قد يختلط الأمر لدى البعض في مسألة التمييز بين التأجير من الباطن وبين التنازل عن الإيجار، وذلك على الرغم من الأمرين يختلفان عن بعضهما البعض تمام الاختلاف، لاسيما وأن هناك وجه اختلاف محوري وجوهري يتعلق بالأثر القانوني المترتب على كلاً من العلاقتين، ففي تنازل المستأجر عن الإيجار للغير يكون الأثر القانوني المترتب على هذا التنازل انقطاع تام ونهائي لعلاقة المستأجر بتلك العين، حيث يتنازل عن حقوقه والتزاماته للمتنازل إليه بشكل نهائي، بينما في التأجير من الباطن تظل علاقة المستأجر الأصلي بالعين المؤجرة قائمة، وتظل حقوقه والتزاماته المتعلقة بهذه العين باقية، ولا ينتهي عقد إيجاره الأصلي مع المؤجر، وتعود إليه العين المؤجرة أو الجزء المؤجر منها بعد انتهاء مدة عقد التأجير من الباطن.
رابعاً: الحكم القانوني في شأن التأجير من الباطن
نظم المشرع الكويتي موضوع التأجير من الباطن بموجب الأحكام الواردة في المادة رقم (14) من المرسوم بقانون رقم 35 لسنة 1978 بشأن تأجير العقارات، حيث وضع قاعدة عامة بموجب تلك المادة والتي نصت على أن “لا يحق للمستأجر التأجير من الباطن ولا التنازل عن الإيجار وذلك عن كل ما استأجره أو بعضه إلا بإذن كتابي صريح من المؤجر”.
ومن خلال نص المادة آنفر البيان يمكننا أن نستخلص مجموعة من الأحكام التي تنظم التأجير من الباطن، ونوجز هذه الأحكام في النقاط الآتي بيانها:
1- القاعدة العامة التي قررها المشرع الكويتي في شأن التأجير من الباطن هي عدم جواز قيام المستأجر بتأجير العين المؤجرة للغير من الباطن، حيث أن الأصل في الإيجار هو أن المستأجر ينتفع شخصياً بالعين المؤجرة، ولم يتم تأجيرها اه ليتكسب منها عن طريق تأجيرها للغير.
2- وضع المشرع الكويتي استثناءاً على القاعدة العامة آنفة الذكر، وهذا الاستثناء يجيز للمستأجر أن يقوم بتأجير العين المؤجرة إلى الغير من الباطن، إلا أنه رهن تلك الإجازة بتحقق شرط هام وأساسي وهو أن يصدر من المؤجر موافقة صريحة ومكتوبة يأذن فيها للمستأجر بتأجير كل أو جزء من العين المؤجرة للغير من الباطن، فبدون ذلك الإذن لا يحق للمستأجر تأجير كل أو جزء من العين المؤجرة من الباطن.
3- يجوز أن يكون الإذن بالتأجير من الباطن في أكثر من صورة، فقد يكون إذناً بتأجير العين بأكملها لمدة محددة، أو يكون بتأجير جزءاً منها فقط لمدة محددة.
3- لم يشترط المشرع أن يكون الإذن الصادر من المؤجر نظير مقابل يتقاضاه من المستأجر او بدون مقابل، وترك ذلك لاتفاق الطرفين.
وقد يتساءل البعض عما إذا كان الإذن المقصود هنا هو الإذن السابق الذي يصدر من المؤجر قبل تأجير المستأجر للعين من الباطن؟ أم أن هذا الإذن بشمل أيضاً الإذن اللاحق الذي يصدر من المؤجر بعد تأجير المستأجر للعين من الباطن؟
نجيب على هذا التساؤل بأن المشرع لم يحدد ما إذا كان الإذن سابقاً أو لاحقاً على واقعة التأجير من الباطن، إلا أننا نرى أن الإذن السابق لا يثير أي مشكلة حيث يكون بطريق التفاوض والاتفاق بين المؤجر والمستأجر، وفي حالة عدم الوصول لاتفاق ورفض المؤجر منح الإذن للمستأجر بالتأجير من الباطن، فإن المستأجر يظل شاغلاً للعين المؤجرة ومستخدماً لها بنقسه دون أي مشكلة، أما في حالة الإذن اللاحق الذي يطلبه المستأجر من المؤجر بعد تأجيره للعين من الباطن فهنا تثور مشكلة للمستأجر، حيث أن الأمر هنا يصبح في يد المؤجر وحده، فإن منح المؤجر للمستأجر الإذن بالتأجير من الباطن فيعد ذلك إجازة من قبل المؤجر لواقعة التأجير من الباطن التي قام بها المستأجر، أما في حالة رفضه منح المستأجر لهذا الإذن فيحق للمؤجر عندئذ أن يفوم بإخلاء المستأجر من العين المؤجرة.
خامساً: حكم إنهاء المستأجر لعلاقته بالمؤجر في ظل وجود إذن بالتأجير من الباطن
بعد أن يمنح المؤجر للمستأجر إذناً بالتأجير من الباطن للعين المؤجرة، ويقوم المستأجر بتأجير العين من الباطن للغير، فقد يحدث أن يتخلى المستأجر عن العين للمستأجر من الباطن، وينهي بذلك العلاقة الإيجارية بينه وبين المؤجر الأصلي، وتنقطع علاقته بالعين المؤجرة، وتصبح العلاقة الإيجارية المباشرة بين المؤجر الأصلي والمستأجر من الباطن، فما هي الأحكام التي تنظم هذه العلاقة الجديدة؟
نظم المشرع الكويتي تلك العلاقة في سياق نص المادة رقم (15) من المرسوم بقانون، وفرق في أحكامه بين حالتين:
الحالة الأولى: هي الحالة التي يكون فيها الإذن بالتأجير من الباطن قد صدر بتأجير كامل العين المؤجرة من الباطن، وفي تلك الحالة تكون العلاقة الإيجارية بين المؤجر والمستأجر من الباطن قائمة بالفعل، شريطة أن يكون المستأجر الأصلي قد قام بسداد القيمة الإيجارية المستحقة على العين حتى تاريخ تخليه عنها، ويتم تحديد القيمة الإيجارية التي يلتزم بسدادها المستأجر من الباطن للمؤجر عن طريق المقارنة بين القيمة الإيجارية الثابتة بالعقد الأصلي والقيمة الإيجارية الثابتة بعقد التأجير من الباطن، حيث تكون الأجرة الأعلى قيمة منهما هي القيمة الإيجارية المقررة على العين المؤجرة.
الحالة الثانية: هي الحالة التي يكون فيها الإذن بالتأجير من الباطن قد صدر بتأجير جزء من العين المؤجرة من الباطن، كما هو الحال في أن تكون العين المؤجرة للمستأجر الأصلي هي شقة مكونة من ثلاث حجرات، وصدر له الإذن بتأجير حجرة واحدة فقط من الباطن، ففي تلك الحالة لا تقوم علاقة مباشرة بين المؤجر والمستأجر من الباطن، بل يكون الأمر مرهوناً برغبة المؤجر:
- إذا لم يرغب المؤجر في قيام تلك العلاقة، فقد منحه القانون الحق في أن يخلي المستأجر من الباطن من الجزء المؤجر له في العين.
- إذا رغب المؤجر في استمرار المستأجر من الباطن في شغل الجزء المؤجر له، ففي تلك الحالة تنشأ بينهما العلاقة المباشرة، ويكون معيار تحديد القيمة الإيجارية التي يلتزم بها هو القيمة الأعلى بين القيمة الإيجارية الثابتة بعقد الإيجار من الباطن أو أجرة المثل.
سادساً: حكم التأجير من الباطن دون إذن سابق أو إجازة لاحقة من المؤجر
أورد المشرع الكويتي الحكم الخاص بتلك الحالة في المادة رقم (20) من المرسوم بقانون، والتي نظمت الأسباب التي تجيز للمؤجر أن يقوم بإخلاء المستأجر من العين المؤجرة، حيث جاء في السبب الثاني منها تأجير المستأجر لكل أو جزء من العين المؤجرة له من الباطن دون إذن كتابي صريح يصدر له من المؤجر، وفي حال قيام المستأجر بذلك يكون للمؤجر الحق في إخلائه من العين المؤجرة.